دافيد رابوين ترجمة: د سعيد بوخليط
لا تكمن إشكالية علاقات هيدغر HEIDEGGER، بالنازية في إقامة وجرد وقائع، بقدر ما تتأتي المسألة في تأويل صلاتها بعمل الفيلسوف. صعوبة يغذيها صمت هيدغر HEIDEGGER. الوقوف عند الوقائع، فيما يخص قضية هيدغر HEIDEGGER مع النازية ليست غامضة ومعقدة، بحيث لا تخول لنا تخيل السجالات المتعددة التي أحاطت بها. لكن الصعوبة التي يجب دائما وضعها في موقعها الصحيح، هي بالأحري تحديد أية علاقة تقيمها هذه الوقائع مع ما يمكننا قراءته في عمل الفيلسوف.
نعرف بأن هيدغر HEIDEGGER انخرط في الحزب الوطني الاشتراكي النازي NSDAP يوم 1 ايار/مايو 1933 بشكل علني (أو كما قال هوسرل HUSSERL بطريقة مسرحية كليا). وبعد ذلك بقليل، جاء تعيينه رئيسا لجامعة فرايبورغ FRIBOURG أواخر أبريل 1933. بهذه المناسبة ألقي كلمته الشهيرة خطاب رئاسة الجامعة، حيث بإمكان كل واحد الاطلاع علي هذا النص حتي يشكل فكرة عن الأمل الذي عبر عنه بخصوص نهضة الجامعة الألمانية (نهضة، ليست ذات طابع فكري خالص. مادام النص قد انتهي بنداء إلي قسم الدفاع الذي وضع في نفس مقام قسم العمل وكذا قسم المعرفة ). منذ سنة 2000، أصبح بإمكان قارئي الألمانية الوصول إلي مختلف الوثائق المنشورة والتي تم تجميعها بنفس النمط في الجزء السادس عشر من الأعمال الكاملة (فرانكفورت 2000). جدير بالملاحظة، أن إصدار هذه النصوص أراده وخطط له هيدغر HEIDEGGER، حتي وإن كان هذا لا يحكم في شيء علي المعني الذي يمكن إعطاؤه لهذا القصد، فإن الأمر يستبعد بالتأكيد ّأن نبقيها بشكل سريع جدا عن بعد، باعتبارها مجرد أشياء خارجية عن العمل. نعرف أيضا، مع تطور إصدار هذه الأعمال بأن مجريات العصر لم تعمل إلا علي إغراق بعض المفاهيم المركزية في الفلسفة الهيدغيرية (الدزاين DASEIN، تباين الوجود والآنية، الأصالة داخل تأويل سياسي).1 ـ مسالة معاداة السامية: أغلب الدعاوي التي أقيمت ضد هيدغر HEIDEGGER وظفت من أجل إظهار بأن هذا الإنخراط لا يرتبط فقط بعماء عابر، ولكنه يندرج ضمن استمرارية يمكن إعادة ربطها إذن بالسياق السياسي الذي تطور داخله، أو بعض المظاهر الفلسفية التي جاءت في كتابه: الوجود والزمان 1929 (لاسيما إشارته للعلاقة بين تاريخية الدزاين DASEIN وكذا وحدة مصير شعب ). ويستند المدافعون عنه، في كون إشارات كتلك لا تشكل دليلا علي النازية إلا بقراءة استذكارية وموجهة. وثائق عملت علي تفعيل أو تفريغ جدالاته، وأكثرها بالتأكيد إثارة هي تلك التي تمس معاداة السامية. هكذا، تم اكتشاف رسالة سنة 1929 ينبه فيها هيدغر HEIDEGGER قائلا: إما نهب من جديد حياتنا الروحية الألمانية لقوي ولمربين حقيقيين؛ ينبعثون محليا، أو نسلمها نهائيا إلي عملية تهويد متنامية بالمعني الواسع والضيق كذلك للكلمة. تأكيد، قد يوضع بشكل متواز مع ذلك الذي جاء به هوسرل HUSSERL حينما كتب سنة 1935 إلي ديتريش ماهنيك DEITRICH MAHNEKE، في غمرة من المرارة أمام هذا التطور لتلميذه القديم: (لقد عبر عن معاداته للسامية بطريقة قوية أكثر فأكثر، هذه السنوات الأخيرة. نفهم من ذلك، خلافه مع فريق من طلبته اليهود الأكثر موهبة داخل الكلية). علي النقيض، فإن المدافعين عن الفيلسوف يشيرون إلي عدد فلاسفته اليهود. أما دفاعه الذاتي فقد كتبه إلي حنا أرنت HANNAH ARENDT بالضد لما أشار إليه باعتباره محض وشايات (رسائل ووثائق أخري، غاليمار 2001 ص70-71). أو أيضا انتقاده الحاد لـ البيولوجية التي تتوخي إقامة نظرية عرقية. استقل هيدغر HEIDEGGER من وظائفه كرئيس للجامعة في نيسان/ابريل 1934 لكنه احتفظ ببطاقة الحزب واستمر في الالتزام بتسديد اشتراكاته إلي غاية انتهاء الحرب، وكذا نسج علاقات جيدة مع كتاب نازيين مثل: إيريخ روتاكير ERICH ROTHACKER وكارط لوفيط LOWITH الذي التقاه بروما سنة 1936 حيث يروي في كتابه: (حياتي في ألمانيا قبل وبعد الحرب 1933 هاشيت 1988). بأنه لم يخف أي سر بخصوص إيمانه بهتلر HITLER معتبرا بأن الوطنية الاشتراكية هي السبيل المحدد لألمانيا.2 ـ نقاوم لكن ضد أي شيء؟ لكن يمكننا أن ننتظر كذلك، تأكيد هيدغر HEIDEGGER بأنه ظل تحت مراقبة بل واضطهاد النظام عندما قاومه روحيا ما بين 1934/1935 والحال أنه، إذا وجدت تقارير سرية بخصوص هيدغر HEIDEGGER فبإمكاننا أن نلاحظ بأن أولئك الذين اطلعوا علي أسرار ارشيفات الوزارة الفرنسية للشؤون الخارجية، إما فضلوا مثلا (التركيز علي أن هيدغر HEIDEGGER، ظل إلي غاية 1938 محل ثقة سياسيا. ولم يعط أية إشارة ملموسة تؤكد معارضته للنظام ). أو استصحبوا إشارات محددة لطبيعة حزب ضم كتابا مثل ارنست كريك الذي ترأس مجموعة ضده داخل الحزب. توضيح كهذا، ليس مهما فقط لإظهار أن مقاومة هيدغر HEIDEGGER لم تدركها بعد أجهزة المخابرات سنة 1938. لكنه يذكر أيضا بأن صلة الفيلسوف مع ما يمكن إدراكه كشكل من الإيديولوجيا المهيمنة للنازية، هو مظهر يجب أن يتميز عن التزامه داخل الحركة السياسية. إنه خطر كبير جدا، في مثل هذا النوع من التقصي بالحديث عن نازية كجوهر متجانس وغير تاريخي ثم ننسي بأنه كان من البديهي، ليس أقل من أية حركة سياسية أخري، اجتياز توترات ايديولوجية قوية. بتوخينا إظهار هذه السمة المنعزلة أو تلك كرمز للنازية (أو بالتماثل رفض النازية) فإننا نوشك دائما علي السقوط في الكاريكاتور. أن يكون هيدغر HEIDEGGER قد هوجم بطريقة قوية جدا من قبل بعض النازيين فذلك أكيد. شيء سيأخذ معني مختلفا إذا ذكرنا بأن الآخرين هم الذين دافعوا عنه. كذلك تخلصه الفوري وبشكل صريح جدا من كل مفهوم احيائي BIOLOGISANTE للجنس LA RACE ، لا يأخذ المعني نفسه إذا عرفنا بأن هذا المفهوم الذي دافع عنه بالخصوص ألفرد روزنبرغ ROSENBERG ALFRED يتعارض داخل الحزب مع مفهوم ثقافي للجنس. هذه الملاحظة ليست أساسية من أجل تجنب بعض الإيجاز، لأنه بدونها تستحيل ببساطة قراءة وفهم النصوص. هكذا وجدنا في درس شهير لسنة 1935، فصلا واضحا بين ما وجد اليوم في السوق باعتباره فلسفة للوطنية ـ الاشتراكية التي تخلص منها هيدغر HEIDEGGER بشكل حازم، ثم ما يحدده باعتباره حقيقة وسمو هذه الحركة (مدخل إلي الميتافيزيقيا. صدر سنة 1953 وترجمه إلي الفرنسية ج.
كوهن سنة 1958 ) . مفهومه إذن واضح جدا بخصوص مسـألة: كل تساؤل جوهري للفلسفة يظل حتما لا آنيا. ولا يمكنه بأي حال من الأحوال، الاكتفاء بأن يكون تتمة لبعض من فكر الزمان. حيث ستسهل مهمة إظهار، بأن هيدغر HEIDEGGER عارض الفلسفة النازية. المسألة ليست هنا بل من الضروري معرفة إذا قامت هذه المعارضة أولا قياسا علي حقيقة وسمو هذه الحركة. أو كما فسر بوضوح ذلك هيدغر HEIDEGGER ، فإن المهمة الفلسفية شرعيا لا يمكنها الاكتفاء بأن تكون صدي للزمان (WIDERKLANG)، بل عليها مع ذلك الدخول في تناغم GEINKLAN، بل وأن تصير رنانة قبليا vorklang)). والوصول إلي فرض إيقاعها الخاص (مدخل إلي الميتافيزيقا. غاليمار ص20/21). أن يكون هيدغر HEIDEGGER معارضا للفلسفة الوطنية الاشتراكية. فإنها البداهة ذاتها لأن ما نبيعه في السوق تحت هذا العنوان، يتناقض مع ما يمكن أن نقصد به فلسفة بحسبه.
لكن هذا، لايقول أي شيء بالتأكيد حول الكيفية التي يقوم بها تناغم فلسفته مع النازية، نفهم من ذلك بعد استقالته من رئاسة الجامعة 3 ـ تفسير التفسير:
بالنسبة لدفاعه، يدعي هيدغر HEIDEGGER، بأن الدروس التي ألقاها بعد 1934 شكلت تفسيرا نزاعيا AUSIEN ANDERSTZUNG مع النازية. لايغيب عن المدافعين عنه، التذكير بأن نقد التقنية و إرادة القوة النيتشوية وكذا فلسفة القيم التي اعتبرت مثل (WELTANSHAUUNG)، كل ذلك يندرج في إطار أخذ مسافة حيال مع ما أصبح فعلا فلسفة رسمية التي شكل ممثلوها أعداؤها الأكثر حدة مثل (إرنست كريك ERNST KRIECK رئيس جامعة هايدلبرغ HEIDELBERG، والقريب من ألفرد روزنبرغ ROSENBERG ). لكن لاحظنا، بأن هذه الوقائع لا تحكم قط بمعرفة إذا كان هذا التفسير يتأتي من الداخل أو الخارج. من هنا، كل الصعوبة. إضافة كذلك، من الملاحظ أن هيدغر HEIDEGGER يوظف بالضبط نفس المصطلح لكي يشير إلي التزامه لسنة 1933 اعتقدت في هذه الفترة بأن التفسير من خلال الوطنية ـ الاشتراكية بإمكانه فتح طريق جديد ووحيد، قد يكون ممكنا للنهضة. يشير في الحوار الذي منحه إلي شبيغل SPIEGEL ). التبرير مع النازية، هذا يعني الصراع ضدها أو البحث عن طريق جديد ووحيد قد يكون ممكنا؟ في أي شيء يختلف تفسير 1934 عن تفسير 1933؟ يبين التأويل الذي يؤكد بأن هيدغر HEIDEGGER أقر بخطأه في التقدير منذ 1934 وأخذ علي الفور مسافات مع النازية حينما دخل في مقاومة روحية. وذلك الذي يتمسك بكون هيدغر HEIDEGGER قد خاب ظنه مما عاشه كخيانة بين سمو وكذا حقيقة الحركة الداخلية، وبأنه كان أكثر راديكالية مما رآه في: فلسفة الوطنية ـ الاشتراكية، الجدالات تثير الحنق. والحال، أنه بقدر ما تتراكم الوقائع للدفاع عن الفيلسوف أو إدانته، بقدر ما يبقي في الخلف دعمها الأكثر بداهة.4 ـ النقطة العمياء في القضايا:
لأن المنبع الأساسي لهذه القضايا، هو بشكل أقل عمل الفيلسوف إلي غاية 1945، من موقفه الصامت بعد ذلك. وبالتأكيد، فإن هيدغر، HEIDEGGER عمل سنة 1945 علي كتابة ملخص بخصوص التزامه، حتي يدافع عن نفسه أمام لجنة تطهير. حيث كان مبرره، وكما يمكن أن نتوقع أطروحة العماء، ثم أخذه مسافة بعد ذلك. لن يغير قط بخصوص هذه النقطة إلي غاية النص المكتوب بمناسبة إعادة إصدار: خطاب رئاسة الجامعة (الذي ظهر سنة 1983 تحت عنوان وقائع وتأملات ). لكن الملاحظ، هو أنه لم يبرهن بكلمات عن الحاجة في أن يقول بشكل مفتوح ما كان يفترض التحدث عنه بكلمات مضمرة في دروسه. إنه لا يبحث في كائنه الحي، علي أن يزيل بوضوح الغموض الذي يمكنه أن يحوم علي تموضعاته، سواء اعتبرنا تفسيره الملتزم بالنازية، يندرج في إطار نقد جدلي أو إرادة ليست أقل راديكالية في المحافظة علي حقيقة وكذا السمو الداخلي للحركة. حتي الحوار الذي أجراه مع شبيغل SPIEGEL سنة 1966 (تحت إلحاح كوستنير KASTNER)، وصدر بعد وفاته سنة 1976 يظل بشكل مدهش مخصص لهذا التفسير، مكتفيا بإدراج نقد النازية في إطار نقد آخر أكثر عمومية أي التقنية الكونية كما أشار إلي ذلك فعلا دومنيك جانيكو DOMINIQUE JANICAUD . النقطة العمياء لكل قضايا هيدغر HEIDEGGER تتجلي في: نقد التقنية الكونية، التي تستهدف أيضا الرأسمالية والشيوعية، فهل يكفي لتأسيس شيء ما يقوم باعتباره مقاومة للنازية؟ ألا يقوي، أكثر مما ينتقد وضعا للتفلسف يرتبط بالسياسة في شكل انتظار منعطف تاريخي؟ ألا يسحق ذلك كل خاصية للنازية، وبالتالي أيضا إمكانية التفكير فيها، مثلما هو الحال في النص المذهل لسنة 1949 حيث يشير هيدغر HEIDEGGER ـ الذي لم يتحدث أبدا مباشرة بخصوص المحرقة LA SHOAH ـ إلي أن الزراعة الصناعية كما هي في جوهرها، مثل صناعة الجثت في غرف الغاز ومعسكرات الإبادة (ندوة بريم )؟ هل يجب علي النقيض، أن ندين له، لأنه تناول جذريا ما كانت النازية تشتركه، مع ما شكل دراما مطلقة للقرن الماضي. كل واحد سيقيم هيدغر HEIDEGGER وهو يقرؤه علي القطعة كما يجب.
وموظفا لحسابه هذه الأسئلة التي كانت في العمق أكثر ردود الفعل أهمية لمختلف قضايا هيدغر. [email protected]