الرقة ـ (سورية) ـ “القدس العربي” ـ من أنور بدر: ما بين مهرجان دمشق المسرحي الثالث عشر ومهرجان الرقة المسرحي الثاني، عشرة أيام فقط. عشرة أيام انتقلنا خلالها من مهرجان مركزي تضمن (52) عرضاً إلي مهرجان يبعد (450) كم إلي الشمال الشرقي من العاصمة دمشق، واكتفي بعشرة عروض فقط. الأول توزعت عروضه علي عشر صالات مسرحية. فيما لا توجد في الرقة إلا صالة واحدة في مُدرّج مديرية الثقافة تصلح بالأساس كمنصة خطابات أكثر مما هي مُجهزة كخشبة عرض، ومع ذلك سقط مهرجان دمشق المسرحي بكل الدعم الذي قدمته وزارة الثقافة لإنجاحه، فيما نجح مهرجان الرقة بغياب أي دعم من وزارة الثقافة أو حتي مديرية المسارح والموسيقي، نجح في تحقيق أهدافه بتفعيل الحركة المسرحية في المحافظة، وتفعيل العلاقة الراكدة بين المنصة والجمهور، نجح بإمكانيات متواضعة علق عليها أحد أعضاء لجنة التحكيم في مهرجان الرقة والذي كان ضيفاً علي مهرجان دمشق المسرحي، بأنه كشخص مفرد كلّف إدارة مهرجان دمشق ما يُقارب (160) ألف ليرة سورية، بينما أقيم مهرجان الرقة بتكلفة لم تتجاوز (650) ألف ليرة.
بعيداً عن المقارنات السابقة والتي يُمكن الاستطراد فيها مطولاً، نقول ان مهرجان الرقة أقيم تحت شعار نحو مسرحة عربية أكثر عطاءً وأكثر حريّة وقد جري في حفل الافتتاح تكريم كل من الفنانين أسعد فضة، فايز قزق، زيناتي قدسية، مني واصف، نضال سيجري، حسن دكاك، كما كُرّم من مسرحيي الرقة الفنان محمود كعيّد والكاتب مصطفي حقي.
وبالتوازي مع الفيلم القصير الذي وثق للدورة الأولي من مهرجان الرقة المسرحي، حكت لنا رشا العجيلي بصوتها بدايات المسرح في الرقة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حيث قدمت فرقة عبد السلام العجيلي عرض ذي قار للمخرج عبد الرحمن الصطاف، وتتالت الأسماء المسرحية في هذه البلدة الصغيرة: مصطفي حقي، فواز الجدوع، أسعد الجابر، صبحي الدسوقي… كما ظهرت فرق مسرحية لاحقاً باسم اتحاد العمال والحرفيين والشبيبة، لكنها سُرعان ما دخلت في نفق الاستعصاء الذي مرّت به ثقافة المنظمات الشعبية الرديفة للحزب القائد، حتي ظهرت فرقة توتول المسرحية والتي قدمت ستة عروض منذ عام (1992) وحتي هذا المهرجان الذي شاركت فيه بمسرحية كفرنون من إعداد وإخراج حمدي موصللي.
مستوي العروض التي قدمت في هذه الدورة لم يرتق بكامله لمستوي المشاركة في المهرجان، فقدمت فرقة المسرح الجامعي بطرطوس مثلاً عرض المقولوية عن رحلة حنظلة لسعد الله ونوس. افتقد الحد الأدني لسويّة العرض المسرحي، مع أنه سبق وحظي بالمرتبة الأولي في مهرجان مصياف المسرحي، وقد حاول المخرج دانيال الخطيب تبرير هبوط مستوي العرض من خلال خلافه مع اتحاد طلبة طرطوس، حيث احتجز الديكور، وتغيّب قسم مُهم من الممثلين الذين جري تصنيع بدائل لهم من الهواة الذين لم يتح لهم الوقت الكافي لحفظ النص ناهيك عن الدخول في الدور. أما مقام إبراهيم وصفيّة لمحمد طيلون، فقد مثل فرع شبيبة الثورة في حلب، لكن هذا العرض كان قد رُفض من قبل مهرجان الشبيبة المسرحي كما صرّح الأستاذ يوسف مُقبل مدير المسرح الشبيبي، إلا أنه وبقدرة قادر شارك في مهرجان دمشق المسرحي.
كذلك جاءت المشاركة العربية الوحيدة في هذا المهرجان من خلال فرقة المدار العراقية بعرض مرحباً أيها الموت وهي فرقة من الهواة في مدينة البصرة، نجحت بالوصول إلي مدينة الرقة قبل أن تصل إلي بغداد، لكنها في أول نص مسرحي للكاتب ناهض الرمضاني وأولي تجربة إخراجية لمحمد قاسم، طرحت الكثير من الأسئلة عن الحرب والوطن دون أن نشاهد عرضاً بسويّة هذه الأسئلة. بالمقابل شاهدنا عروضاً جميلة أنت لست غارا عن نص للكاتب التركي عزيز نيسن، قدم في الافتتاح من إخراج لؤي شانا، السيدة الفاضلة عن نص للكاتب المسرحي والفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر من إخراج يوسف شموط، نهدا ساطور من مسرح العبث للكاتب غيوم أبو لينير من إعداد وإخراج كميل أبو صعب، العاري والأنيق للكاتب الإيطالي الحائز علي نوبل للآداب داريو فو من إخراج مولود داؤد، رجال محترمون من نصوص الروسي الكبير أنطون تشيخوف ومن إعداد وإخراج وتمثيل كل من نضال صوّاف وقصي قدسية- وهو العرض الوحيد من إنتاج القطاع الخاص العين الثالثة للإنتاج الفني بدمشق.
في هذه البانوراما المتنوعة من العروض كانت الإشكالية الأساسية في محاولة المُعد أو المخرج الذي لعب دور المُعد، أن يحمّل النصوص السابقة مقولات ٍ ومواقف سياسية أساءت غالباً للعرض دون أن تخدمه. وبشكلٍ خاص عندما يجري تقديم كركتر هزيل للديمقراطية في نهدا ساطور يحرّض المتلقي علي رفض الديمقراطية، إذا كان هذا الكركتر هو نموذجها فعلاً.
البطل الحقيقي في كل عروض مهرجان الرقة كان الجمهور الراقي بدون منازع، وهو جمهور متابع للعروض وللجلسات النقدية التي أعقبتها بدأب ٍ وحرص افتقدناه في مهرجان دمشق المسرحي، إذ لا زلت أذكر بعض الندوات التي تابعناها في قاعة الأمويين في فندق دمشق الدولي، ولم نكن نتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة في بعضها، أو عدد أصابع اليدين معاً في بعضها الآخر. بينما كانت تغص قاعة عبد السلام العجيلي في مديرية الثقافة حيث تجري جلسات الحوار بأكثر من طاقتها علي الاستيعاب، فيفيض الجمهور المتابع خارجها. ولم يكن هذا الجمهور متفرّجاً أو متابعاً سلبياً، بل كان فعالاً في الحضور وفي الحوارات المتميزة، بغض النظر عن رأي هنا أو رأي هناك، وأكثر من كان لافتاً للانتباه حضور شخص ضرير اسمه يوسف الثلجي شارك في نقاش أكثر من عرض، وبآراء متميّزة جعلتنا نحسد قدرته علي التلقي، حتي أنني اقترحت مع آخرين منحه جائزة تكريميّة باسم جائزة الجمهور، لكن لجنة التحكيم المؤلفة من الأستاذ فايز قزق، غسان الجباعي، يوسف مُقبل، عبد الفتاح قلعه جي، جوان جان رفضت ذلك، وقررت منح أفضل عرض لمسرحية السيدة الفاضلة من إخراج يوسف شموط، فيما حلت مسرحية نهدا ساطور للمخرج كميل أبو صعب في المرتبة الثانية، وحُجبت المرتبة الثالثة مع أنّ عرض العاري والأنيق كان يُمكن له أن يُنافس حتي علي المركزين الأول والثاني، وعوّضت عرض رجال محترمون لنضال صواف وقصي قدسية بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، ومنحت كذلك جائزة أفضل ديكور لمسرحيّة مرحباً أيّها الموت للمخرج العراقي محمد قاسم.
من جهة ثانية نال المخرج كميل أبو صعب جائزة أفضل إخراج تلاه مولود داؤد عن مسرحية العاري والأنيق، أما أفضل ممثلة فحلت يارا بشور في المركز الأول عن دورها في مسرحية السيدة الفاضلة، وتقاسمت المركز الثاني كل من عتاب نعيم عن دورها في مسرحية نهدا ساطور وشهناز سليم عن دورها في مسرحية كفرنون بينما جاءت ندي قطريب في المركز الثالث عن دورها في مسرحية العاري والأنيق.
وبخصوص أفضل ممثل جاء في المركز الأول ياسين عدس عن دوره في مسرحية مقام إبراهيم وصفيّة وحلّ أسامة جنيد في المركز الثاني عن دوره في مسرحية نهدا ساطور وتقاسم المركز الثالث عبد الناصر مرقبي عن دوره في مسرحية أنت لست غارا وفراس رمضان عن دوره في مسرحية كفرنون.
وكانت لجنة التحكيم قد أشادت بالدعم الشعبي والرسمي ضمن محافظة الرقة لهذا المهرجان، كما أوصت بضرورة إقامة دورات تدريبيّة في الفنون المسرحية لتطوير إمكانيات مسرحيي محافظة الرقة، في شتّي المجالات.
وهذه مسألة علي قدرٍ من الأهميّة، لأنّ الهدف النهائي لمهرجانات المسرح في المدن والمحافظات الطرفية هو دعم الحركة المسرحية فيها، وتشجيع مسرحيي هذه المدن علي خوض تجاربهم الخاصة، أي أننا نأمل في الدورات القادمة لمهرجان الرقة أن نشاهد أكثر من عرض مسرحي من داخل هذه المحافظة، خاصة وأنّ المسرح يقوم علي الحوار وثقافة الحوار فوق المنصة، وبين المنصة والجمهور. وهذا يتطلب من إدارة المهرجان أن ترتقي بسويّة العروض لمستوي هذا الجمهور الذي كان متميزاً علي مستوي كل المهرجانات والمناسبات الثقافية التي عرفتها محافظة الرقة.