فرج بو العَشّة أحمد شريف سائق سيارة أجرة في نيويورك بنغلاديشي الأصل، صعد إلى سيارته راكب أمريكي (21 عاما طالب يدرس إنتاج الأفلام السينمائية)، يقول أحمد الشريف ان الراكب كان في البداية في غاية اللطف: ‘سألني: كيف حالك؟ فأجبت: بخير… شكراً.. ورددت السؤال كيف حالك أنت؟ فأجابني: بخير. وفجأة سألني من أين أنا؟ أجبته: بنغلاديش. ثم سألني إذا كنت مسلماً؟ فأجبت: نعم أنا مسلم. وعندئذ قال لي السلام عليكم، فرددت عليه: وعليكم السلام. وقال إنك الآن في شهر رمضان فماذا تفعل؟ فرددت: أفعل كل خير. ثم بدأ يسخر من شهر رمضان’. وفجأة انقض عليه بسكين وطعنه مرة وثانية من الخلف وهو يشتم ويلعن والسائق المسلم يرجوه: ‘من فضلك لا تقتلني. لماذا عليك أن تقتلني؟ ماذا فعلت؟!’شريف نجا من الموت باعجوبة بعدما أوقف سيارته وهرب منها واستعان بالشرطة التي كانت في المكان بالصدفة. هذه الحادثة ليست استثنائية، فمنذ تفجيرات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 تضاعفت جرائم الكراهية للمسلمين والإسلام في أمريكا، لكن حادثة أحمد شريف ترتبط بحملة الاسلام فوبيا ضد بناء مركز إسلامي ثقافي اجتماعي قرب موقع الهجوم على مركز التجارة العالمي. وهي الحملة التي: ‘تصاعدت إلى درجة بات فيها العنف حتميا… تجارة الخوف تؤدي إلى جرائم الكراهية.. وتجارة الخوف هي أساس ما حدث لأحمد شريف’. بتعبير بايرافي ديساي المدير التنفيذي لنقابة سائقي سيارات الأجرة في نيويورك. وقد أزدهرت تجارة الخوف هذه بمجرد الإعلان عن فكرة بناء المركز الإسلامي الذي اعتقد أصحابه في مؤسسة ‘مبادرة قرطبة’ أنه سيكون مركزاً للتسامح والحوار بين الأديان وفضاءً مفتوحا لغيرالمسلمين بـأنشطته الاجتماعية والترفيهية المتنوعة. وأطلق على المركز تسمية ‘بيت قرطبة’ تيمناً بقرطبة التي جسدت روح التعايش في سلام وتسامح بين المسلين والمسيحيين واليهود في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في الإندلس. أما المسجد فهو عبارة عن مصلى في غرفة واحدة في الطابق الأخير (الخامس عشر) من بناية ‘بيت قرطبة’. وهو بدون مئذنة وبدون قبة وبدون زخارف دينية. ومعروف أن المسؤول عن المركز المزمع إنشاؤه هو الإمام فيصل عبد الرؤوف (أمريكي من أصل مصري) الذي طالما مدحته وسائل الإعلام الأمريكية وقدمته على أنه يمثل نموذج المسلم ‘المعتدل’ يدعو إلى ‘إسلام أمريكي’ أو ‘أمركة الإسلام’ على حد تعبيره. أسس العام 2003 منظمة ‘مبادرة قرطبة’ للتقريب بين أمريكا والعالم الإسلامي. وقد استخدمته إدارة بوش الصغير ثم أوباما في الحملة الدعائية لتحسين صورة أمريكا عند المسلمين وإظهار احترام الإدارة الأمريكية للإسلام والمسلمين، حتى أنه اُعتبر، في نظر القوى الإسلامية في العالم العربي، مجرد عميل دعائي للتغطية على حروب أمريكا على العالم الإسلامي. وقد زار بتمويل دافع الضرائب الأمريكي عدة بلدان إسلامية، ومؤخراً كان في البحرين وقطر والامارات العربية المتحدة في إطار مهمته التوعوية الدعاوية. لكن ها هم أعضاء جمهوريون في الكونغرس ينددون اليوم بتمويل وزارة الخارجية لمهمته، بعدما ثار الجدل بشأن بناء المركز الإسلامي، حيث أصبح يوصف بـ’الإمام المتطرف’ بل و’سفاح إسلامي متعصب’…. لقد وافق مجلس بلدية نيويورك، بأعضائه الأثني عشر بالإجماع، على هدم المبنى القديم والبناء على أنقاضه المركز الإسلامي وضمنه مصلى (وليس مسجداً). وبالإجماع رفضت هيئة الآثار لمدينة نيويورك الطلب الذي تقدم به المحتجون لوقف هدم المبنى القديم بحجة أنه موقع أثري يعود بناؤه إلى العام 1857. وأيد عمدة المدينة مايكل بلومبرج، وهو يهودي ومؤيد لإسرائيل، بناء المركز قائلاً: ‘إن مدينتا تمثل ما ترمز إليه الولايات المتحدة من انفتاح وتسامح ديني، وأملي أن يساعد المسجد في التقريب ما بين سكان مدينتنا وأن يساعد في دحض الفكرة الزائفة والكريهة بأن هجمات 11 ايلول/سبتمبر تتفق بأي حال مع الإسلام’. وأسس عدداً من عائلات ضحايا هجمات 11 ايلول/سبتمبر تحالفا يضم أربعين جمعية دينية ومدنية باسم ‘جيران نيويورك للقيم الامريكية’ للتعبير عن دعمهم لبناء المركز الإسلامي، حيث جاء في بيانها: نرحب بصفتنا منظمات وجمعيات اهلية تمثل مئات الاف النيويوركيين، بالمركز الثقافي الاسلامي المقرر بناؤه جنوب مانهاتن، كما نرحب بأي مركز مقرر بناؤه على أساس جيران بنية طيبة’. وقالت دونا اوكونور المتحدثة باسم جمعية ‘عائلات 11 ايلول/سبتمبر من أجل غد سلمي’ ان العالم الإسلامي لم: ‘يكن من هاجمنا… نحن نؤيد المركز الثقافي الاسلامي في مدينة نيويورك تأييدا كاملا مئة في المئة’. كما دعم بناء المركز الكثير من الكنائس المسيحية وبعض الزعامات العلمانية الليبرالية، وكذلك زعامات دينية يهودية مثل الحاخام آرثر واسكو مدير مركز ‘شالوم’، الذي صرح بأنه: ‘ليس فقط لمركز قرطبة حق دستوري في بناء مركز ثقافي في مانهاتن، انه حق له، ومن الحكمة فعل ذلك، فعبر ذلك، يرفع اسم نيويورك كمنارة، وكذلك امريكا والعالم… منارة للإسلام الذي يبحث عن السلام وعن الحوار بين الأديان’. فمن هم إذن المعارضون وما طبيعة معارضتهم وأغراضها؟ انهم يتجمعون في حلف غير مقدس يضم الجمهوريين اليمينيين بقيادة كبار زعماء الحزب، ومن بينهم المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس سارة بيلين ونوت جينجريتش، علاوة على المسيحيين المتصهينين والمحافظين الجدد المختبئين واللوبي اليهودي المؤيد لإسرائيل. وهم لا يستهدفون، فقط، استغلال رفض غالبية الأمريكيين (68 بالمئة) بناء المركز الإسلامي، بحجة قرب موقعه من موقع الهجوم على مركز التجارة العالمي (غراوند زيرو) رغم أنه يبعد عنه بأكثر من مئتي متر، لصالحهم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في تشرين الثاني/نوفمبر، بحيث ينتزع الجمهوريون السيطرة على الكونغرس من الديمقراطيين، إنما يستهدفون، في العمق الايديولوجي، بث عُصاب الخوف من الإسلام (الإسلامو فوبيا) وترسيخه في الذهنية الأمريكية العامة، عبر وسائل الإعلام، كاعتقاد غليظ بأن الإسلام يُشكّل خطراً سوسيوثقافيا ـ سياسياً يهدد ‘الحضارة الأمريكية’، وإن المسلمين جمعيهم، أكانوا معتدلين أو متطرفين، يريدون بتعبير جينجريتش: ‘فرض الهدف الختامي، أي استبدال الحضارة الغربية بالشريعة Sharia، على نحو قسري راديكالي’. مع عزف جماعي، وبشكل مستمر لنوتة تحميل المسلمين جميعهم والإسلام كدين، المسؤولية عن هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. إن متعصبي الحزب الجمهوري، وبعد هزيمة حزبهم التاريخية النكراء، أمام أول رئيس أسود، اسم أبيه (حسين) مطابق تماما لاسم أب صدام، لم يكونوا ليغفروا، وهم سليلو الكو كلوس كلان، لسليل ‘العبيد’ أن يحتل البيت الأبيض. وهم الآن، من خلال أمثال نوت جينجريتش ـ قائد ثورة الجمهوريين في عام 1994، الذي ساوى بكل راحة بال بين الإسلام والنازية، وسارة بيلين القائد الفخري لحركة ‘حفلة الشاي’ اليمينية وغيرهما من القيادات المهمة، يسيطرون على التوجه السياسي ـ الايديولوجي العام للحزب الجمهوري، بل يحولونه إلى تنظيم يحرض على الإرهاب، وليس بالضرورة أن يكون تحريضاً مباشرا على القتل. تكفي حملة الإعلانات المدفوعة للتحريض على بغض الإسلام وتسيير المظاهرات العنصرية المحرّضة على كراهية المسلمين والإسلام، حيث الكراهية رحم العنف الأعمى، بحجة الاحتجاج على مشروع بناء المركز لإسلامي، محمولة على شعارات لا ينقصها سوى الرصاص، مثل شعارات حركة ‘أوقفوا أسلمة أمريكا’ وحركة ‘عملية إنقاذ أمريكا’ من الإسلام، والإعلان عن شعيرة ‘حرق القرآن’ في الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر تحت شعار ‘اليوم العالمي لحرق القرآن’. ونتيجة لهذه الحملة الجمهورية اليمينية ـ المسيحية المتصهينة، زاد منسوب تسمم الرأي العام الأمريكي بالكراهية والعداء للمسلمين والإسلام. ومن هنا فإن محاولة قتل سائق التاكسي احمد شريف لا تدخل في جرائم الكراهية الفردية وإنما تُعتبر إشارة مبكرة عن إمكانية حدوث جرائم فظيعة ضد المسلمين في أمريكا نتيجة للتحريض العُصابي الترهيبي ضد الإسلام والمسلمين في أمريكا لصالح أجندة سياسية ـ آيديولوجية يقف وراءها الحزب الجمهوري بتياره اليميني التقليدي وبن لادنييه المسيحيين المتصهينين وميليشاته العنصرية، بحيث لو كان هناك تقييم واضح وعادل لمفهوم الإرهاب لوضع الحزب الجمهوري الأمريكي في قائمة الارهاب، لتحريض قياداته، بصورة منظمة وعلى نطاق إعلامي واسع، على معاداة المسلمين واعتبار الإسلام صنوا للنازية، بما يعني تقديم التبريرات السياسية وإعطاء المشروعية الأخلاقية والدينية لتحويل الكراهية الذهنية واللفظية إلى عنف مادي سافر.
والسؤال إين أوباما من كل ذلك؟ لقد انطمر كجبان بعدما تراجع عن تصريحاته التي أيد فيه فكرة بناء المركز الإسلامي، بأسلوب الجبن نفسه الذي استخدمه في التراجع عن مطالبته الصارمة لإسرائيل، في خطابه بالقاهرة، بوقف الاستيطان. لقد تحول إلى رئيس أبيض متصهين في جلد أسود.’كاتب ليبي[email protected]