هل يمكن أن تشكل حادثة ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية إلى روسيا الاتحادية بالقوة منعطفا خطير الأهمية على مستوى السياسة العالمية؟ وهل يمكن لهذه الأهمية أن تكون بالقدر الذي لا يمكن أن يضاهيها على هذا المستوى في التاريخ الحديث إلا انهيار جدار برلين؟ إذا كان جدار برلين يمثل انقسام العالم إلى نصفين وإيديولوجيتين متناقضتين بل فلسفتين متناقضتين في الحكم وحتى في العيش، أدى انهياره كما هو معلوم، إلى ما عرف بالأحادية القطبية التي مكنت الولايات المتحدة الأمريكية من أن تعتلي وحدها عرش الزعامة في العالم كقوة عظمى مسيطرة ووحيدة طيلة العقدين المنصرمين. تمكنت خلالهما من فرض ما عرف بالنظام العالمي الجديد، على العالم، الذي من خلاله أتت على تدمير العراق ونهب تراثه وثرواته وتشويه هويته، وتدمير الإنسان في أفغانستان والـصـــومال وأماكن أخرى من العالم. فهل يمكن أن تشكل حادثة ضم شبه جزيرة القرم محطة تاريخية مماثلة، وعلى ذات المستوى، يمكن أن تفضي بالعالم إلى عكس ما كان عليه من أوضاع سياسية مجحفة في حق الأطراف الضعيفة؟ أي: نهاية حقبة القطبية الأحادية وبداية حقبة الأقطاب المتعددة، وكسر الهيمنة الأمريكية على العالم، وتأسيس نظام عالمي جديد آخر يضع في الحسبان وجود قوى عظمى عالمية أخرى لا يجب الاستهانة بها تتمتع بكل مزايا التأثير في سير الأمور في العالم السياسي. كروسيا والصين وربما الهند أو البرازيل. مما سيجعل العالم أكثر توازنا من ناحية القوة العسكرية. وربما، هذا، سيجعل العالم أكثر عدلا وأمنا. أم أن تصرف روسيا على هذا النحو المعادي لتطلعات الشعوب، خاصة في أوكرانيا، والمهدد للسلم العالمي بضمها لشبه جزيرة القرم وإثارة النعرات الانفصالية في الشرق الأوكراني، سيجلب لها نقمة المجتمع الدولي خاصة من الأمريكيين والأوروبيين الذين بادروا إلى فرض عقوبات اقتصادية واضحة على روسيا. الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى عزلها عن العالم شيئا فشيئا إذا ما استمرت هذه العقوبات في التصاعد؟ وها قد بدت واضحة للعيان تأثيرات ذلك على الاقتصاد الروسي منذ تدخلها في الشأن الداخلي لأوكرانيا خاصة من خلال بورصة موسكو الآخذة في خسارة رساميل مهمة بسبب انعدام مناخ الثقة الضروري لكل استثمار سواء في البورصات أو مباشرة في القطاعات الأخرى المنتجة، وأيضا من خلال العملة الوطنية التي تعرف هي الأخرى تراجعا جليا مقابل العملات العالمية الأخرى. الأوكرانيون متوجسون من كل حركة أو سكنة تقوم بها القوات الروسية بالقرب من حدودهم الشرقية التي تعرف نعرات انفصالية قوية تطالب بانضمام الأقاليم الشرقية إلى روسيا الاتحادية. أو على الأقل إعادة النظر في النظام المركزي القائم على المركزية من أجل إعادة صياغته لصالح نظام فيدرالي يعطي الصلاحيات الكبرى للأقاليم على حساب المركز في كييف. هذه التحركات المدروسة التي لا تبدو كأنها تحركات جماهيرية عفوية من خلال شكلها ووتيرتها وتنظيمها. وهذا ما يعطي الانطباع حتى للمتابعين العاديين بوجود البصمة الروسية في الطبخة الشرق أوكرانية، حيث امتدت تداعياتها إلى احتلال المتظاهرين للمقرات الحكومية من بلديات ومؤسسات أمنية بما في ذلك الاستيلاء على أسلحة في سيناريو مشابه لما حدث بشبه جزيرة القرم. ويتساءلون متى ستصل القوات الروسية مشارف كييف، خاصة بعد أن فتحت شهية الروس إلى مزيد من الأراضي الأوكرانية، سيما بعد نجاحهم في ابتلاع قضمة صغيرة من الكعكة الكبيرة التي تشكل الخريطة السياسية لأوكرانيا، هي شبه جزيرة القرم، بسهولة تامة تركت أمريكا مشدوهة في ما يحدث مكتفية بالاستنكار والإعراب عن الأسف عاجزة عن فعل أي شيء من شأنه أن يضمن سلامة كل الأراضي الأوكرانية بما فيه شبه الجزيرة التي تعرضت للقضم، خاصة أن المعارضة الأوكرانية الموالية للغرب، التي أصبحت تعتلي سدة الحكم في العاصمة كييف بعد فرار الرئيس المخلوع الموالي للروس، كانت تعول على الهيمنة الأمريكية على العالم في دفع شر الروس المحتمل. بيد أنهم وجدوا الأمريكان منكمشين على مشاكلهم الداخلية وصراعاتهم الانتخابية فاكتفوا بالاستنكار، ووجدوا أوروبا الغربية خارجة لتوها من أزمة اقتصادية خانقة عصفت باقتصاديات دول مهمة كانت تقف على حافة الإفلاس بما في ذلك إسبانيا وإيطاليا إضافة إلى بولندا واليونان كلفت أوروبا مليارات الدولارات إلى درجة أن المواطن الأوروبي في عدد من الدول الأوروبية الرئيسية كألمانيا وفرنسا وانجلترا أصبح يشكو من أوروبا نفسها بالقول أنه خسر من أجل أوروبا أكثر مما ربح. مما يدلل على أن حالة الاتحاد في الظرفية الحالية ليست في أفضل أحوالها. وهذا ما يدلل على الضعف الأمريكي والأوروبي في التعاطي مع الأزمة الأوكرانية ككل، مقابل تفوق واضح للروس سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهو ما يجعل هذا الحدث يأخذ منحى وبعدا عالميين جديدين، ويثير من ثم معنى خاصا يحيل إلى أن الحرب الباردة لم تنته بعد ويمكن في أي وقت أن تتحول إلى حرب ساخنة يمكن أن تستعمل فيها كل أنواع الأسلحة، فتقع الإنسانية في المحظور، وعندها ستكون المسؤولية مشتركة بين الغرب والشرق. هذا ما تخشاه أوروبا تحديدا التي عانت من ويلات حربين كونيتين مدمرتين للحجر والبشر ما زالت تشكل أزمة للضمير الأخلاقي الأوروبي حتى الآن، وحتى أمريكا تخشى ذات الشيء وإن بقدر وكيفية مختلفتين. من الواضح أن العالم بعد ضم شبه جزيرة القرم لروسيا الاتحادية بهذه المرونة ليس هو العالم قبلها. لا يهمنا هنا إن الأوكرانيين كانوا قد دخلوا في حرب بالوكالة ضد بعضهم البعض لصالح القوى الكبرى المعروفة وهذا يعني أن أشياء كثيرة تغيرت في العالم، منها أن أمريكا لم تعد بذلك الثقل الذي كانت تقيمه على العالم. أو على الأقل لم تعد بذلك التأثير الذي كانت عليه وكذلك أوروبا التي ما زالت تحن لماضيها الاستعماري لكن دون جدوى، وأن قوى أخرى عظمى آخذة في الظهور على المسرح السياسي العالمي بزخم وتأثير كبيرين على رأسها روسيا، وإن لم يقم لها الغرب وزنا فسوف يدفع ثمن ذلك غاليا.