المصالحة ‘سيئة السمعة’ والبحث عن مخرج لمصر

حجم الخط
1

ربما تكون المصالحة من أكثر المصطلحات التي باتت لا تحظى بالقبول في مصر حاليا، ووُضعت في خانة المفردات ‘سيئة السمعة’، بفضل مناخ الاستقطاب العام الذي وصل إلى أعلى درجاته، وخطاب الكراهية والتحريض الذي تعمل عليه وسائل الإعلام المرتبطة بالسلطة التي يقودها الجنرال السيسي مع أبناء مبارك، فضلا عن الرصيد السلبي الذي تركه الإخوان، بعد عامين ونصف في الحكم، سواء بالشراكة مع المجلس العسكري، أو الحكم شبه المنفرد، أو الإسهام في رفع مستوى التوتر الأمني والسياسي في المجتمع، بكل تداعياته الكارثية على حياة الجماهير، بعد خروجهم من السلطة بالاحتجاجات المتواصلة التي ترفع مطالب غير واقعية، ولصالح أجندة التنظيم لا الأغلبية، ما سهل على حكومة الجنرال وأدوات دعايته من إلصاق كل أحداث العنف والاضطرابات، بل والفشل الاقتصادي على الجماعة المطرودة من سدة الحكم، بالحق أو بالباطل، بل وشيطنتها، وجعل صفة ‘الإرهاب’ و’الخيانة للوطن’ لصيقة بهذه الجماعة التي كانت بالأمس قاب قوسين أو أدنى من الهيمنة على مصير مصر وشعبها، ربما لسنوات طويلة، وكان الكثير يخطب ودها، ويعقد معها الصفقات، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والحكومية وقيادات معارضة ونقابية ورموز ثقافية.
ورغم التصعيد المتبادل، مؤخرا، إلا أن حمى الوساطات قد عادت من جديد بقوة مؤخرا بين الإخوان والجنرالات، مرة بتدخل أفريقي من لجنة الحكماء، ومرة على يد الاتحاد الأوروبي، ومسؤولة السياسة الخارجية والأمنية كاترين اشتون، ناهيك عن الضغوط الأمريكية التي لا تزال ليست بالقوة الكافية لتكون ملموسة أو ذات أثر واضح، وكذلك الاتصالات غير المباشرة، كتلك التي كشف عنها القيادي الإخواني بالخارج يوسف ندا، في حواره الأخير على قناة ‘الجزيرة’، أو الرسائل المتطايرة في الإعلام من المقربين من السيسي كعمرو موسى، بعد موجة سابقة قادها حسن نافعة واحمد أبو المجد وطارق البشري.
ورغم شراسة الاتهامات، ونفي الآخر، وذلك الخطاب العدائي الذي يجري تصديره للجماهير وللأنصار من الطرفين المتصارعين، إلا أن ما يجري تحت الطاولة شيء آخر، حيث يدرك كل طرف من طرفي الصراع أن الأمر لن يستتب له دون تسوية، وان الضغط العنيف الذي يجري تجاه الآخر بغرض تحقيق اكبر قدر من المكاسب، وتقليل الخسائر، وهذه طبيعة اللعبة السياسية الانتهازية، حيث يرغب الجنرال وشبكة المصالح المحيطة به، الاعتراف بهما وبسلطتهما ودستورهما ومكتسباتهما المستعادة، بينما يرغب الإخوان في الحفاظ على التنظيم والبقاء في الحياة السياسية، ولو في مقاعد المعارضة وباعتراف رسمي، والأهم من ذلك إطلاق سراح قيادتهم وأنصارهم وإسقاط كل التهم، وأيضا الإفراج عن أموالهم وممتلكاتهم. وهذه الصيغة التي تعمل عليها الأطراف الخارجية وتريدها أمريكا، في تقديري، حيث العودة إلى وضعية ما قبل انتفاضة كانون الثاني/يناير، وهي تبدو مقبولة من الطرفين، رغم الممانعة الظاهرية، لكن المشكلة في تنفيذ وإخراج هذه التسوية أمام الرأي العام الداخلي وأنصار كل فريق، بعد رفع كل منهما سقف تطلعات أنصاره، والوصول إلى تكفير وتخوين الآخر ومرحلة حافة الهاوية، وشيطنة كل لخصمه، وهو الأمر الذي يحتاج لبعض الوقت، لتمهيد الانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن الحدة إلى المرونة، وإيجاد آلية لتبرير هذه التسوية، وإعطائها مبررا وطنيا وسياسيا، بحيث لا تأتي برد فعل سلبي يخصم من رصيد القوتين جماهيريا.
وبصرف النظر، عن الخطابات الدعائية، وصراع السلطة المحتدم، والمعادلة التي تبدو صفرية، إلا أن لا مفر من التسوية، والجلوس على مائدة التفاوض في النهاية، كطبيعة كل الصراعات في العالم.
وإن كان المرجح أن واشنطن ستتدخل في الأخير، بعد أن يستنزف كل طرف الآخر، ويصل إلى أقصى مداه في المواجهة، لتفرض رؤيتها التي تحقق مصالحها، وتبقي الجنرالات ورجال مبارك، والإخوان في المشهد من جديد، هؤلاء في مقاعد الحكم، وأولئك في مقاعد المعارضة، مع ضمان ولائهما، طالما لم تتمكن القوى المدنية من أن تصبح رقما صعبا، أو تمثل ثقلا في ميزان القوى، وعلى النحو الذي يعيد مصر إلى الوضعية القديمة، ويقطع الطريق على أي تغيير ديمقراطي أو بناء مصر الجديدة المدنية الديمقراطية الحديثة المنحازة للعدل الاجتماعي وللاستقلال الوطني.
وإن كان لي تحفظات على رئيس حزب الوسط المهندس أبو العلا ماضي، وحجم التغيير في خطابه وسلوكه في أعقاب انتفاضة كانون الثاني/يناير، وخاصة خلال حكم الإخوان، واصطفافه إلى جانبهم، بالحق والباطل، والحديث بنبرة استعلائية عنيفة غير معهودة عليه، ظنا، مثل غيره من الكيانات الدينية، أن ثمة فرصة سانحة لهيمنة اليمين الديني، وفرض إرادته بالقوة، وتوجيه ضربة قاصمة لغيرهم، إلا أن مبادرته التي أطلقها من محبسه، تعد من مبادرات الخروج من الأزمة الراهنة الجيدة رغم أنها لم تلق حظها من الاهتمام، وتبدو صعبة، بالمنطق الواقعي، إن لم تكن مستحيلة، لكنها أفضل من المطروح محليا ودوليا، وتصب أكثر في المسار الديمقراطي، حيث أن الحراك الدولي منصب على العودة لوضعية الإخوان ما قبل انتفاضة كانون الثاني/يناير، مقابل الاعتراف بالسيسي وترتيبات ما بعد 30 حزيران/يونيو، وهو ما يريده الجنرالات وأبناء مبارك، وليس مستبعدا أن يكون ثمة قبول إخواني به وراء الكواليس.
وما طرحه أبو العلا ماضي يتمحور حول تنازل الإخوان عن مطلب عودة مرسي، وتعهدهم بعدم تقديم مرشح للرئاسة الجديدة، مقابل سحب ترشيح السيسي وإبعاد المؤسسة العسكرية عن حلبة السياسة، وأيضا إبعاد النائب العام المعين من قبل الجنرالات، وإقامة دوائر قضائية خاصة تنظر في كل الجرائم التي وقعت خلال الفترة الماضية، والإفراج عمن لم يتورط في جرائم، ووقف حملات التحريض والكراهية في الإعلام، وعملية دمج للإخوان في المجتمع.
واهم النقاط، في تصوري في هذه المبادرة، إبعاد طرفي الأزمة، حيث أن من كان جزءا من المشكلة لا يمكن أن يكون جزءا من الحل، وخروج الجنرالات والإخوان من مؤسسة الحكم، سيكون له أثره الايجابي على المسار الديمقراطي، فضلا عن أن ثمة حاجة لإعادة تأهيل الإخوان للاندماج في المجتمع كمواطنين مثل غيرهم وليسوا كفئة خاصة، أو ‘غيتو تنظيمي أيديولوجي’، على أن يكون الانتماء للوطن أولا، وتكون ممارسة السياسة بقواعدها المتعارف عليها، في إطار من الدستور والقانون، وبعيدا عن المرجعيات الدينية وخلط السياسة بالدين أو العمل الحزبي بالعمل الدعوي أو الخيري الأهلي.
وربما، يكون من المطلوب أيضا، إدخال تعديلات على الدستور، تزيل منه طابعه العسكري التسلطي، مع تشكيل حكومة تكنوقراط محايدة، تقود إنجاز الاستحقاقات الانتخابية، وهي تقريبا ذات المطالب التي تم رفعها في وجه الإخوان إبان وجودهم في الحكم، وبعد استفحال الأمر وتعقد الأزمة السياسية.
وربما لو جرى الاستماع إلى هذا الصوت، لتغير وجه مصر، ولجرى وقف حالة الاستنزاف اليومي، والمصير المجهول الذي يذهب إليه الوطن.
لكن يبقى السؤال الجوهري، كيف يمكن وضع هذه الشروط موضع التطبيق، ومن لديه القوة على تقليم أظافر الجنرالات والإخوان وشبكات المصالح، وفرض رؤية تحقق الصالح العام، وتخدم مصلحة الوطن والمواطن، لا أجندات خاصة فاسدة؟!

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية