بيت الداء في قضية ‘التشرميل’

حجم الخط
0

الجدال الذي تزامن مع ”ظاهرة التشرميل” ونشر شبان منحرفين لصور سرقاتهم وغنائمهم على صفحات فيسبوك والتباهي بها، وما رافق ذلك من سيل للمداد على أعمدة الجرائد، وتحركات وتصريحات السياسيين ورجال الأمن الذين تسمروا أمام الكاميرات وخلف الميكروفونات من أجل تخفيف الهلع الذي بدأ ينتشر بين صفوف المواطنين، لم يكن يمشي في سياق إيجاد الحلول الجدرية لهذه الظاهرة واجتثاثها من الأصل، فنهج السياسة الأمنية لتطويق الظاهرة ما هي إلا الحل الأقصر لمواجهة المشكل، لكن لن يكون الأنجع.
تجفيف منابع الجريمة لا يحل دائما بالمنطق الآمني، وكل المغاربة أصبحت لديهم فكرة مسلمة مائة بالمائة، بأن السجون المغربية أصبحت مدارس لتخريج لصوص ومجرمين محترفين عوض أن يكون السجن مؤسسة تربوية ردعية للخارجين عن القانون ويأخذوا العبر من سجنهم ويغيروا سلوكهم إلى الأحسن، وتكون إدارة السجن مؤسسة تساعد على إصلاح سلوك السجين وإدماجه في محيطه الإجتماعي بما يضمن عدم عودته إلى سلوكات إجرامية مرة أخرى.
لكن تحركات الداخلية المغربية بعد تعليمات الملك محمد السادس، والتي تلتها لقاءات ماراثونية على كل الأجهزة الأمنية بشتى تلاوينها السرية منها والعلنية لن ولم يحل المشكل، بل سيزيد الطين بلة، فقد ألفنا مع مرور السنين أن الحكومات المغربية دائما ما تلجأ إلى الحلول السهلة والتي لن تكلف من ميزانية الدولة كثيرا، ليس في مجال مكافحة الجريمة فقط وإنما في جميع المجالات والأصعدة، فظاهرة التشرميل كأي ظاهرة اجتماعية لا يمكن أن يكون الفراغ الأمني وحده هو السبب وظهورها ليس وليد اللحظة وإنما تراكمات لاختلالات لسنوات عديدة في مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تخربها معاول ماكرة عن سبق إصرار وترصد، ولنكون واقعيين لنناقش الأمور ونسميها بمسمياتها، لنضع النقاط على الحروف، ونجد أصل الداء، ليسهل إيجاد الدواء.
فظاهرة التباهي بالمسروقات والتعدي على الناس في الشارع العام وما شابهها من أفعال انحرافية شاذة، ليست أفعالا صادرة عن شخصية مستوية ومتزنة، وإنما شخصية مريضة تراكمت لديها العديد من العوامل النفسانية والاجتماعية والأسرية لتفرز أشخاص يقومون بأفعال شاذة تضر بهم وبالآخرين.
لا يختلف إثنان، على أن مؤسسات التنشئة الاجتماعية أصبحت خارجة عن السياق ولا تقوم بالأدوار المنوطة بها، فظاهرة التشرميل ما هي إلا محصلة لتراكمات أخطائنا وتقاعسنا في تطوير وسائل وآليات التنشئة الاجتماعية، فالمدرسة مثلا أصبحت عوض تخريج ”المواطن الصالح” الذي يخدم بلده ويدفع بعجلة الاقتصاد والنماء إلى الأمام، أصبحت المدرسة فضاء لا يمت للعلم والأخلاق والقيم إلا بالإسم.
أمام غياب سياسة تعليمية واضحة المعالم تجيب عن إشكالات القطاع وترسم خريطة المستقبل، وتحد من النقصان المتزايد في الأطر ونقص الخبرة وتخرج البلاد من الانحدار التعليمي الذي تتخبط فيه، وتقطع مع البرامج التعليمية الفاشلة ومخططات كوبي كولي التي أثبتت لسنين للوصيين على القطاع أكثر من غيرهم أن الزلزال التعليمي على وشك ضرب البلاد وآنذاك يكون قد فات الأوان.
فالمدرسة قناة أساسية في التربية والتعليم وتكوين الناشئة على قيم وأخلاق راقية، وتلقين التلاميذ روح الإبداع والابتكار والتعلم والتحلي بالأخلاق وتوطيد روح التطوع ومساعدة الناس والغيرة على الوطن، قيم وأخلاق نبيلة يجب أن تكون حجر الزاوية في مدارسنا وغاية وزارتنا ونقابتنا وأطرنا التعليمية، المدرسة المؤسسة الأولى لصناعة رجالات الغد وقيادات الوطن في المستقبل، أصبحت مقاولات ربحية في نظر البعض، ومؤسسات تثقل كاهل الدولة نظرا لحجم الغلاف المالي الذي ينفق من الخزينة العامة.
أما الأسرة فتعتبر هي كذلك من ركائز التنشئة الاجتماعية وحلقة مهمة جدا في تربية وتنشئة الأطفال تنشئة حسنة ومنها يكتسب الطفل كثيرا من المعارف والأشياء التي يتعلمها وتبقى راسخة في مخيلته طيلة حياته، ولكن مع تكالب المعاول الهدامة على الأسرة أصبحت هذه المؤسسة مغلوبا على أمرها، تتعرض للتدمير من كل ناحية.
فمن إخراج أيقونة التربية ومربية الخلف بدعوى التحرر والمساواة من البيت، وإلهائها عن أدوارها الأساسية والتي لا تقدر بثمن إلى ركضها وراء سراب الحقوق والحريات والإنصاف، وقصف الأسرة بقذائف الرذيلة والمسخ والمجون عبر فوهة التلفزيون، وبث سمهم الخبيث في برامجهم المائعة، فمن مسرح الجريمة إلى صولات قصة الناس مرورا بالخيط الأبيض واللائحة طويلة، والتي تعتبر من معاول بني مسخون، هدفه الأول والأخير هو نسب المشاهدة ولو على حساب الأسرة وقيمها وأسسها، وكلنا نعرف خطورة الصورة في تمرير الرسائل المشفرة والخطر الذي يمكن أن تفعله صورة أو برنامج أو فيلم مدبلج في أسر تنتشر فيها الأمية بشكل كبير، فالتفريط في مؤسستين بهذا الحجم كفيل بهلاك الأمة بأسرها وتفشي ظواهر من هذا القبيل.
البحث عن حلول لقضية التشرميل لا بد أن يمر من إصلاح هذه القنوات التي تحدثنا عليها أولا لكي نصل إلى القضاء على التشرميل، أما نهج سياسة اجتثاث الظاهرة عن طريق السياسة الأمنية فسوف يكون حلا مؤقتا للقضاء على هذه الظاهرة وجزئيا، وما يلبث أن تظهر ظاهرة جديدة بمعطيات جديدة وضحايا جدد ويكذبها وزراؤنا الأشاوس كالعادة وننتظر الملك مجددا ليعطي تعليماته المولوية إلى وزير الداخلية الذي سوف ينقل حمى الظاهرة إلى كل مكاتب الأجهزة الأمنية وتتكاثف الجهود للقضاء على الظاهرة وهكذا دواليك..ظاهرة اجتماعية جديدة تهدد الأمن وتبث الذعر في المواطنين، لا تحتاج إلى فرق خاصة من الشرطة فقط، لتعقب الخارجين على القانون وتلقي القبض عليهم، بل تحتاج كذلك إلى علماء اجتماع ودكاترة في علم النفس وأبحاث ميدانية تدرس الحالة من كل جوانبها وتخرج بتوصيات للقضاء على الظاهرة وتجاوز الإختلالات التي أدت إلى الظاهرة، وتضرب بيد من حديد لكل من تورط، وتعمل على تحقيق المساواة والعدل والكرامة لكل مواطن مغربي أينما كان بدون تمييز أو محسوبية، آنذاك يمكن أن نقطع مع ظواهر من هذا القبيل.
يوسف أريدال

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية