خطط التنمية الخمسية لا تنجح مع الاستبداد

حجم الخط
1

ما هي الخطط التنموية الخمسية والعشرية والبعيدة المدى التي تعمل الانظمة العربية لتحقيقها؟ وما مدى فعالية وزارات التخطيط في وضع هذه الخطط؟ وايهما اكثر نشاطا وفاعلية ورسما لمستقبل هذه الدول: وزارات الداخلية (وبضمنها اجهزة الامن) ام وزارات التخطيط؟ ما مدى التنسيق بين هذه الوزارات؟
من يفحص الوضع العربي لا يستطيع ان يتغافل عن حقيقة واحدة: انعدام فرص نجاح خطط التنمية (ان وجدت) اما لضعف ما تحتويه او لان ما تفعله وزارات الداخلية واجهزة امنها يقطع الطريق على اية تنمية حقيقية مستقبلية. فالبلد الذي يخطط حكامه لتصفية معارضيهم، ويرسمون خطط المستقبل لتوسيع دوائر العنف والارهاب، ويخصصون ربع موازناتهم لشؤون الامن والدفاع، لا يمكن ان يتطور، ولو كانت لديه خطط تنموية مدروسة. فالتوتر السياسي والاجتماعي الذي ينجم عن السياسات الخاطئة لاجهزة الامن غير المحكومة بضوابط وقوانين صارمة يحول دون التطوير والتنمية. والمشكلة تتفاقم حين يتحول العنف الى سلاح يستخدمه اي من طرفي الصراع في العالم العربي، الحكومات او المجموعات المسلحة. فالدمار الذي يحدثه العنف المنظم في بلدان كالعراق او سوريا او ربما مصر أنهى عقودا من الاستقرار الضروري لاية خطط تنموية. وليس خافيا على احد ان ذلك العنف ليس من صنع ابناء البلاد وحدهم، بل ان جهات خارجية تدعم ذلك العنف.
وهذه هي القضية المحورية التي يجب ان يتم التعاطي معها بشكل ملح. المشكلة تالتي ستحول دون التوصل الى اي حلول ممكنة بشأنها ان العنف المرتبط بالارهاب اصبح سلاحا في المعركة السياسية والايديولوجية التي تدور رحاها في العالم العربي منذ ان قررت قوى الثورة المضادة الانقضاض على الحراكات الشعبية الهادفة للتغيير السياسي. الامر الواضح ان هذا العنف سيؤثر على الدول المتضررة على مدى السنوات القليلة المقبلة. ولكن هل ستكون الدول التي تمول العنف والارهاب بمنأى عن آثار ذلك؟
يمكن القول بقدر من الثقة بصحة المقولات المعروفة حول حتمية تضرر من يخطط للاضرار بالآخرين:
هذا الدرس كان من اهم ما تمخض عن الجهاد الافغانيب الذي حظيت بعض اطرافه بدعم من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعوية وباكستان. فكانت النتيجة ان المجموعات التي شكلتها هذه الدول ومولتها انقلبت ضدها فكانت حوادث 11 ايلول/سبتمبر الارهابية. واليوم ما تزال هذه الدول تمول مجموعات العنف والارهاب بشكل مباشر او غير مباشر، وتستعملها سلاحا في معركة التوازن السياسي والعسكري في المنطقة. هذه الدول تنظر لتحقيق انجازات على المدى القصير. ولكن ماذا عن المدى البعيد؟ فالانظمة التي تهدف هذه الدول لاسقاطها لا تختلف كثيرا في طبيعتها واستبدادها عن الدول النفطية التي ترفض تطوير انظمتها السياسية. واذا كانت الوفرة المالية النفطية تساهم بشكل كبير في تأجيل الحراك الشعبي، الا انها ليست العامل الحاسم الذي يحمي الانظمة. ففي مقابل ذلك هناك القوانين الاجتماعية والسنن الالهية التي تتضمنها الامثلة المذكورة، والتي تؤكد وجود ديناميكية طبيعية تفرض على من يخطط للشر ان يدفع ثمنه، عاجلا ام آجلا. وهنا يجدر استحضار مدى فاعلية الخطط الخمسية والعشرية التي ترسمها وزارات التخطيط في هذه الدول، فاذا كان العراق وسوريا قد دفعتا الثمن العاجل للعنف، فان امريكا ستبقى في حالة تأهب متواصلة لتحاشي وصول العنف وانعكاساته الى اراضيها. اما السعودية، فلن تكون بمنأى عن حتمية دفع فواتير العنف الذي تنظمه.
هذه الاستحقاقات تتمثل بعدد من التطورات المحتمل وقوعها في المستقبل المنظور. فعلى المدى القصير قد تكون القوى التي تدعم العنف بمنأى عنه، ولكن انشغالها باستحقاقاته يمنعها من تطوير انظمتها السياسية او تنفيذ خططها التنموية بكفاءة. وهذا بدوره سيعمق الشعور بالاحباط لدى الجيل الحالي الذي اكتسب ثقافة وعلما ولكنه يفتقر للحقوق السياسية الاساسية. وستتفاعل مشاعر الاحباط مع النزعة الانسانية للتمرد على الظلم لتؤدي الى توترات سياسية تجتاح البلدان التي تعتقد ان تصدير العنف سيوفر عليها الاحتقان السياسي والامني. وعلى المدى المتوسط يتوقع ان تكون هناك تطورات أربعة:’
الاول تعمق الاختلافات بين هذه الدول بسبب اختلاف تحالفاتها الاقليمية سواء مع الانظمة الاخرى ام حركات المعارضة. ويجسد الخلاف السعودي القطري الوجه الابرز لهذا الاختلاف الذي كاد يعصف بمجلس التعاون الخليجي .وقد اعلن الاسبوع الماضي عن اتفاق دول المجلس على وضع آليات لاحتواء الاختلافات من هذا النوع، ولكن لا يتوقع ان تنتهي الاختلافات تماما. صحيح ان الدول الغربية الصديقة تبادر دائما لمنع تفاقم الازمات البينية في الدول الصديقة، ولكن طبيعة تلك الاختلافات تجعلها مستعصية على الحلول السريعة. وليس مستبعدا حدوث تصدعات كبيرة في التحالفات التي تضم دولا تستخدم مجموعات العنف والارهاب اسلحة لتوسيع النفوذ الاقليمي.
الثاني: توتر علاقات هذه الدول مع دول الغرب الحليفة بسبب تباين الرؤى واختلاف الاولويات وتضارب المواقف. فمثلا ادى التقارب الامريكي الايراني لحالة من التوتر بين الرياض وواشنطن، الامر الذي انعكس على زيارة الرئيس اوباما للرياض مطلع الشهر. وبرغم محاولة الولايات المتحدة الحفاظ على مستوى العلاقات مع السعودية وسعي بعض المسؤولين السعوديين لما يشبه االتمردب على امريكا، فقد اتضح ان النظام السعودي اضعف من ذلك، وان الوضع الدولي والاقليمي لا يوفر لها القدرة على مواصلة التمرد. وعلى العكس من ذلك اتضح الآن ان واشنطن تمكنت من التأثير على التوازن داخل العائلة الحاكمة السعودية، وكان من نتيجة الضغوط الامريكية اقصاء بندر بن سلطان عن دائرة القرار. حدث ذلك علنا من خلال قرار ملكي نشر الاسبوع الماضي بتعيين بديل له في رئاسة الاستخبارات. ان ابعاد بندر يعتبر تطورا كبيرا وانصياعا سعوديا للضغوط الامريكية. وكان بندر قد شن حملة على امريكا بسبب رفضها التدخل العسكري في سوريا لاسقاط بشار الاسد، وهدد بالتوجه شرقا، وزار موسكو في الصيف الماضي وعرض عليها شراء اسلحة بعشرة مليارات دولار. وانعكس الموقف الغربي الداعي للضغط على المجموعات المتطرفة في اجراءات عديدة اتخذتها الدول الاخرى بمجلس التعاون. وفي الاسبوع الماضي اتخذت العائلة الحاكمة في البحرين اجراءات هادئة ضد بعض عناصر التأزيم والتطرف، من الذين دعموا تنظيم االقاعدةب علنا وروجوا للتوتر الطائفي والعنف. وفي خطوة مفاجئة طلب من بعض هؤلاء مغادرة البلاد للاختفاء عن الانظار.
وهذا يعكس ان امريكا قد تسمح لبعض الانظمة بالتحرك السياسي في محاور محددة ولكنها لن يسمح لها بتجاوز خطوط حمراء حين يتعلق الامر بالامن القومي للدول الغربية. وفي الكويت اعلنت الحكومة عن اكتشاف مخطط انقلابي ضد عائلة آل صباح الحاكمة، وما يزال هناك تكتم وتعتيم على ما حدث، بدعوى ان القضية تم تحويلها الى القضاء.
الثالث: ان التطورات التي حدثت في المنظومة الخليجية مؤخرا تؤكد احتمال توسع الخلاف داخلها بسبب عدم توافق رؤية دول الخليج ازاء ما يمكن عمله لمنع الاحتقان السياسي في هذه المشيخات النفطية. ولا يخفى على عاقل حالة التوتر في العلاقات بين دول مجلس التعاون نتيجة الاختلاف على الاولويات والعلاقات الاقليمية والتحالفات الخارجية. وتجدر الاشارة الى التوتر الذي تمثل مؤخرا بسحب ثلاث دول خليجية سفراءها من الدوحة، وانه لا يمثل المصدر الوحيد للاختلاف والتشنج.
وبرغم وجود جهود كبيرة من الاطراف الصديقة لدول مجلس التعاون لاحتواء الخلاف السعودي ذ القطري فان من الصعب توقع عودة المسيرة الخليجية الى ما كانت عليه قبل الربيع العربي. فالسعودية لم تعد تحظى بتوافق خليجي حول مسائل القيادة وقيادة العمل المشترك، خصوصا مع دخول العامل الايراني على خط العلاقات الخليجية بشكل قوي مؤخرا. ويمكن اعتبار تطور العلاقات بين دولة الامارات وايران في الفترة الاخيرة بعد اللقاء المهم بين وزيري خارجية البلدين تدشينا لعهد جديد من العلاقات المتميزة بين ايران وبعض دول مجلس التعاون. وفيما ستتطور العلاقات الايرانية مع قطر والامارات وعمان، فسوف يوازيها تراجع في علاقات طهران مع كل من الرياض والمنامة. ولدى الايرانيين نمطهم في تشكيل العلاقات الخارجية، وذلك بالضغط الاخلاقي والاعلامي على الدولة الاخرى لحملها على التراجع والدعوة للحوار. وقد لوحظ تركيز المسؤولين الايرانيين على ضرورة تطوير العلاقات مع السعودية، فيما يتضح مدى الاختلاف بينهما خصوصا ازاء قضية سوريا ولبنان والبحرين، الامر الذي يجعل من الصعوبة بمكان ظهور سياسة خليجية موحدة تجاه الجمهورية الاسلامية في ايران. ولذلك فمن المتوقع ان يؤدي دعم العنف المسلح الى نتائج عكسية تؤثر سلبا على العلاقات بين دول مجلس التعاون نفسها، وتضعفها اكثر حين تعيد النظر في استراتيجيتها الخليجية وعلاقات المنطقة مع الغرب.
الرابع: ان من المؤكد ان ثمة توجها عاما داخل الدول التي تحارب التغيير وتعمل ضمن قوى الثورة المضادة قد تبلور، وان جيلا جديدا من الشباب بدأ يتحرك على طريق التغيير داخل حدود بلاده. وفي الاسبوعين الماضيين ظهرت دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بالاصلاح السياسي في السعودية، كبرى دول مجلس التعاون. هذه الدعوات طرحت من عناصر شابة طرحت آراءها المطالبة بالاصلاح بلغة واضحة، ليس فيها لبس او غموض، وعبر اصحابها عن تمردهم على المشروع الطائفي الهادف لإلهاء الشعوب العربية عن المطالبة بالاصلاح. وما اعتقال الناشط الحقوقي وليد ابو الخير وعبد الرحمن الحامد، الا مؤشر لحالة التوتر والاضطراب التي يعاني الحكم السعودي منها بسبب عدم قدرته على تلبية مطالب قطاع كبير من الشعب بتطوير النظام السياسي والتصدي للفساد. فربما استجاب البعض للاثارات الطائفية نتيجة التعبئة غير المسبوقة من قبل قوى الثورة المضادة، ولكن الطائفية سلاح سرعان ما يكل لان فطرة الامة تدفعها للخير والتوحد ونبذ نعرات التفرق والتمزق، وحتى حين تتعرض للتشويش فانها سرعان ما تستعيد قوامها وتتمرد على تلك النعرات وتتصدى للظلم والاستبداد.
والمتوقع ان يكون الفصل التالي من الحراك الشعبي شاملا واكثر اصرارا على اجتثاث انظمة الفساد ورفض التعايش معها. مع ذلك يجب الاعتراف بان الصحوة المنشودة لن تحدث الا بعد انتهاء الفصل الطائفي الاسود الذي حال دون التغيير وأفشل الربيع العربي وأعاد الاوضاع الى أسوأ مما كانت عليه قبل اندلاع الثورات في مطلع 2011’الامر المؤكد ان الصراع بين قوى الاستبداد ودعاة الحرية ستتواصل وتشتد وطأتها في المستقبل المنظور اي في المدى القريب، وعلى المدى المتوسط ستحدث المفاصلة بين الطرفين، وستحسم المواجهة لصالح قوى التغيير. ان الاصلاح السياسي لا يتم بصفقة مع الغربيين الذين اثبتت التجربة عدم وفائهم للديمقراطية وتلكئهم في دائرة حقوق الانسان. وستثبت الايام ان الانقلاب غير الشريف ضد قوى التغيير والديمقراطية قد أسس لحراك مستقبلي اوسع لن يترك مجالا لبقاء الاستبداد المدعوم من الغرب ومن المال النفطي الهائل. انه صراع ارادات تستحسمه ارادة الشعوب العربية بدون تراجع او تردد، خصوصا بعد ان اثبتت قوى الاستبداد انسلاخها من الانسانية واستعدادها لازهاق الارواح وتعذيب الابرياء وتشييد الامجاد على جماجم الشهداء. ولن تكون هناك تنمية حقيقية الا اذا وضعت خطط لتنمية الانسان واحترمت حقوقه، واعترف به مواطنا له حق المشاركة السياسية التي تبدأ بالاعتراف بحق انتخاب حكومته، وحتى تغيير نظام الحكم في بلده بالطرق السلمية المشروعة.
‘ ‘ ” ‘ ‘ ‘
‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية