كبسولات السينما المستقلة: اختزال الفيلم الروائي في دقيقة واحدة!
كبسولات السينما المستقلة: اختزال الفيلم الروائي في دقيقة واحدة!القاهرة ـ القدس العربي من كمال القاضي:كنا قد تنبئنا في كتابات سابقة علي هذه الصفحات بنهوض السينما المستقلة وأشرنا إلي تصاعد مؤشراتها في ظل الأزمة التي تمر بها السينما الروائية الطويلة علي خلفية القاعدة الكوميدية التي فرضت نفسها بالقوة علي الجمهور بعدما أسقطت القضايا الكبري من العقول والضمائر وصارت الفكاهة عنوان كل شيء!وجاءت بالفعل اللحظة التي أكدت صدق حدسنا، بعد انعقاد مهرجان أفلام دول الاتحاد الأوروبي بالقاهرة لمدة عشرة أيام تحت رئاسة الناقد سمير فريد حيث أقيم خلال فترة انعقاد المهرجان قسم خاص بالأفلام الروائية القصيرة ذات الإنتاج المستقل عرضت فيه تجارب جيدة وجديدة تستحق أن نتناولها بالنقد والتحليل، بغض النظر عن رأينا الكلي في المهرجان ومصادر التمويل والهدف من وجوده.. فنحن هنا لن نكتفي بعرض نموذج واحد من الأفلام القصيرة.. ولكن سنحاول التركيز علي التجارب الأكثر تميزا لعدة اعتبارات من بينها أن معظم الأفلام التي شاركت قصيرة جدا من الناحية الزمنية وعليه فإن التناول يحتمل دمج أكثر من فيلم في عملية التقييم، غير أن المساحة لا تسمح بتناول كل فيلم علي حدة، ومن ثم يستوجب الأمر تطبيق قاعدة التناول الجمعي كي تأخذ النماذج المختارة حظها من التقدير بما تستحقه، فأول الأفلام التي استرعت انتباهنا في مهرجان الأيام العشرة فيلم الأسانسير للمخرجة هديل نظمي، وهو رؤية درامية تدور أحداثها في 15 دقيقة تتمحور كلها حول شاب في سن الخامسة والعشرين تقريبا يعيش وحيدا ويعاني من عقدة الخجل والانطواء، ولا يعرف من سبل الترفيه والتكيف غير الممارسات الاجتماعية البسيطة المتمثلة في ابتسامات الأصدقاء المقربين وبعض الإيماءات التي يستقبلها من الجيران أثناء المقابلات القدرية التي قد تحدث بالصدفة في مدخل العمارة أو داخل الأسانسير صعودا أو هبوطا من وإلي الشقة.. وتمضي حياة الشاب الرقيق في هذا السياق إلي أن يحدث التغيير المفاجئ ذات يوم، إذ يشعر بحركة غير عادية خارج باب شقته في وقت متأخر من الليل فيخرج بالبيجاما والروب لاستطلاع الأمر فإذا به يجد نفسه مستدرجا من قبل بعض الشباب وبصحبتهم فتاة حسناء إلي الشارع فيركب معهم السيارة بدافع الفضول وبرغبة قوية في الخروج عن المألوف في حياته، غير أنه من ناحية أخري يستحسن الفتاة ويشتهيها فتكون هي الطعم الذي ابتلعه بسهولة وأدي به إلي قضاء ليلة شبه حمراء في الهواء الطلق بعيدا عن الأسوار والجدران وقفص الوحدة الذي سجن نفسه فيه طوال 25 عاما وبالفعل دخل الشاب دائرة اللهو والعــبث لأول مرة ويشرب حتي الثمالة نخب حريته لتكون الضحكات المتصاعـــدة هي نهاية الأحداث الدرامية وبداية الحـــياة الجديدة التي زاوجتها هديل نظمي بإتقان شيد داخل شخصية واحدة وعبرت عنها في زمن قصير جدا استخدمت فيه التكثيف لغة دالة علي الإشارات والدلالات البسيطة بالموسيقي والإضاءة والمونتاج والتصوير والأداء الحركي للممثلين وحسن التصرف في استخدام زوايا الكاميرا، فضلا عن اعتماد أسلوب أو نظرية الإيحاء لترجمة صفحات الســـيناريو المكتوبة في أقصر المشاهد لتعوض الصورة التي تســــــتغرق أقل من دقيقة علي الشاشة عــــما هو مسطر في صفحتين او أكثر، وهي إمكانية لا تتوافر إلا لمخرج امــــتلك حسا مرهفا، وثقافة رفيعة تمكــــنه من إدراك التفاصيل ورصدها دون عناء، وبالتالي يتم تصويرها للمشاهد بشكل ممتع ولائــــق من الناحية الفنية والمزاجية وهو ما يلخص أيضا الوظيفة الدقيـــقة للســــينما المستقلة أو الروائية القصــيرة حسبما اصطلح علي تسميتها كما أو كيفا.ومثلما لعبت هديل علي تيمة الوحدة والحاجة الإنسانية إلي ضرورة الانخراط في المجتمع ومجاراة الواقع بحثا عن الحرية جاءت كذلك تجربة رامي عبد الجبار في بيت من لحم المأخوذة وحيا ولغة وتعبيرا عن قصة الكاتب الكبير يوسف إدريس التي تجسد حالة الحرمان العاطفي أو الغريزي لدي الأسرة المكونة من أم وفتاتين يجمعهن فراش واحد يتقلبن عليه طوال الليل، يتحرقن بنيران الغربة وينشدن إطفاء نيرانهن في حضن رجل، وبالفعل يتم ذلك بعد ما تتزوج الأم من رجل كفيف يشاركهن المعيشة ويشاطرهن الفراش الساخن، ويتم الاتفاق بين الزوج والأم علي شفرة خاصة لتحقيق اللقاء الجنسي في صمت تحت جنح السكون والظلام، حيث تلبس الأم في الليلة الموعودة خاتماً يلمسه الشيخ الكفيف فلا يضل طريقه بين زحام الفراش إلي الزوجة، وهكذا يرسم يوسف إدريس صورة عبثية لحالة الجوع الغريزي والاحتياج الإنساني ولا يتورع في أن يزيح ستار القيم الاجتماعية والمحظورات الدينية والأخلاقية، فيجعل الفتاتين تعربان عن رغبتهما في أن يلبسا الخاتم لتصل إليهما يد الشيخ، وهي الصدمة التي أراد يوسف إدريس في قصته الإبداعية الخالدة أن يستخدمها للفت النظر إلي أهمية الجنس في حياة كل إنسان، وحرية التعبير عن مكنون النفس البشرية وأسرارها، وهو ذات المعني الذي استلهمه المخرج رامي عبد الجبار حين قدم رؤيته السينمائية لمعالجة القضية الإنسانية والتأمل في احتياجات البشر المشروعة التي باتت بفعل قسوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية صعبة التحقيق والمنال، الأمر الذي استعصي معه استمرار رحلة الإنسان في دوران مستقيم ومنتظم، إذ يفقد الإنسان جزءا كبيرا من طاقته الذهنية من جراء عدم إشباع رغباته بشكـــل حيوي.. ويعود التميز في المعالجة الفنية لهذه القضية لأدبية ورقي أدوات التعبير وإعمالها داخل النسيج الدرامي دون ابتذال أو انتهاك لطبيعة المتلقي وحيائه الفطري وســـجاياه الخلوقة، ويعد ذلك النوع الدرامي هو الأصعب علي الإطلاق فالمبدع يكون محاطا بالكثير من الروادع والمحاذير التي تفرض عليه أن يتمتع بقدر وفير من الحرفية والبلاغة في توصيل المعني بأقصر العبارات والمشاهد بما لا يزيد عن الزمن الدرامي المحدد ســـلفا وهو 15 دقيقة ، ذلك التحدي الصعب الذي تزيد ضراوته فـــي أفلام أخري لم تبلغ مساحتها اكثر من دقيقة أو دقيــــقتين، فمثلما حدث في أفلام مصر 98، ست أسئـــلة للبنــــانيين، زمان آخر، 100 بورتريه، الطــــموح الأعمي وكلها أفـــلام من إخـــراج حسن خان وتتراوح مدتها بين دقيقة ودقيقتين!و لعل هذه المسحة السينمائية الجديدة التي تمثل قمة الحداثة الفنية هي إفراز لحالات التطويق الإبداعي التي سيجــت بها المؤسسات الإنتاجية الواقع السينمائي فكان من نتائجها أفلام تحمل كثيرا من الشجون وقليلا من الكلام، ليبقي الغرض الأساسي هو تنشيط الوعي والتحايل علي المتعة البصرية وتوفيرها ولو لمدة دقيقة واحدة علي الشاشة!0