الأجندة

حجم الخط
0

بشير زعبيه

الأجندةكعادته حين تخونه الذاكرة أو هو يبحث عن رقم لاسم ما.. فتح الصفحة عند الحرف الذي اختاره باحثا بنظره وأصبعه معا من أعلي الي أسفل ثم بتمهل قلب الصفحة والصفحة التي تليها وهنا سحب أصبعه فجأة وبدأ يقلب الصفحات بسرعة ويلاحقها بنظرات مرعوبة، ثم ألقي بها جانبا وكأنها عقرب خشي أن تلدغه متراجعا عن مشروع مكالمة هاتفية كان يعد لها.. جلس علي حافة السرير لبعض الوقت وهو في حالة شرود قبل أن يعود اليها ويعيد تصفحها ولكن ببطء هذه المرة فتستوقفه بعض الصفحات ثم ينتقل الي غيرها شاردا ولم يعد يبدو عليه أنه يبحث عن شيء محدد.. كان ذلك منذ زمن عندما دون أول اسم في هذه الأجندة التي يفتخر بأنه حافظ عليها طوال هذه السنين ولن يغيرها.. بدأها بأسماء الأصدقاء ثم بعض رفاق الدراسة فزملاء العمل لتخرج فيما بعد عن النطاق المحلي فتضم أسماء تعرّف عليها في رحلات ومهام خارجية.. يتذكّر أول اسم أنثوي دونه وكيف كان يكتب تلك الأسماء في البداية مموهة.. تغيرت أرقام وكبرت أسماء وصارت تسبقها أحرف ونقطة تعرف باختصار عن أصحابها فهذا (أ). وذاك (د). وآخر (م). وأسماء النساء لم تعد مموهة.. اختفت أسماء وعادت بأرقام جديدة وغابت أخري ولم تعد.. تعود بين حين وآخر أن يفتح الأجندة ويتصفحها بتمهل مستعرضا الأسماء حسب ترتيب أحرفها فيختار أحدها ويهاتفه ثم يكرر ذلك مع آخر وهكذا يحس أنه أدي واجبا كان لا بد منه، والا لماذا وجدت تلك الأسماء في هذه الأجندة ولماذا يحرص عل تدوينها و يحافظ عليها كمن يحافظ علي كنز قديم؟ تعود أيضا ومنذ مدة أن يرسم خطا عريضا بلون بني لا يعرف لماذا اختاره تحديدا فوق الأسماء والأرقام التي يرحل أصحابها الي الأبد فيخفيها.. ولما فتح الأجندة هذه المرة متصفحا فوجئ بخطين بنيين علي الصفحة الأولي ما كان ليعيرهما اهتماما لولا أنه عندما بدأ يقلب الصفحات اكتشف للمرة الأولي أن الخطوط البنية قد ازدادت وأن اسماء عديدة لم يعد يراها لا بد أنها قد اختفت تحت تلك الخطوط.. لذلك ارتعب وبدا شاردا وهو يتذكر بعض تلك الأسماء التي كان الي وقت قريب يلتقط أرقامها من هذه الأجندة وبلمسات معدودة يمكنه أن يرفع سماعة الهاتف لتأتيه أصوات أصحابها مفعمة بالحياة، والآن قد غابوا ولن يعودوا.. لم يشعر من قبل أن وقتا طويلا مرّ منذ أن دون الاسم الأول في هذه الأجندة الي آخر اسم فيها أخفاه خطه البني.. حتي ورقها بدأ يفقد بياضه الأول.. سارع باغلاق الأجندة فانتبه الي وجود بقع بنية بدأت تتشكل وتنتشر علي غلافها الذي لم يره قديما باهتا كما هو الآن.. لم يعد يريد الرجوع الي هذه الأجندة… سيخفيها.. يمكنه استخدام جهاز الهاتف نفسه في تخزين الأسماء والأرقام وهو الذي ما كان يستهويه ذلك.. اتجه الي خزانة الملابس، سيدسها هناك في رف أو درج ما أو في جيب سترة قديمة.. وعندما فتح الخزانة تراجع علي الفور وهو ينظر الي ملابسه وكأنه يعدّها ويعيد.. فوجئ أيضا أن ملابسه بدأ يغلب عليها اللّون البنّي.. لم تكن هذه ألوانه.. يتذكر أنه كان يختار ملابس ألوانها فاتحة ومزهرة.. دسّ الأجندة وأقفل باب الخزانة علي عجل فوجد نفسه وجها لوجه أمام صورته في المرآة المثبتة علي أحد بابيها.. رفع يده في حركة آلية محاولا أن يصلح من شعره لكن يده توقفت فوق رأسه في الوقت الذي دنا برأسه قليلا الي الأمام حتي كاد أنفه يلمس سطح المرآة وها هو اكتشاف جديد.. الخطوط المرسومة علي وجهه تحت العينين وتلك التي تنحدر من جانبي الأنف أو من أسفل الذقن الي الرقبة بدت واضحة بلون بنيّ.. تحسسها بباطن أصابعه وكأنه يحاول مسحها ثم استدار بسرعة متجها نحو باب الغرفة. لم يعد يطيق البقاء هنا.. سيخرج الي الشارع.. منذ أول استعمال لها أصبحت هي الشيء الأهم الذي يحرص علي أن يكون برفقته.. تغمره بهجة كلما فتحها وهمّ باضافة اسم جديد.. انها تزدحم بالحياة.. هكذا كان يقول لنفسه وهو يري أجندته وقد ازدحمت صفحاتها بالأسماء. اليوم فقط اكتشف أن هذه الأسماء يمكن أن تنقص أيضا وتختفي من الأجندة.. وقد اختفت أسماء كثيرة.. طقس بجو الخريف يستقبله في الشارع وهو الذي لم يكن ليهتم من قبل بالفصول وتعاقبها.. فهي عنده اثنان، صيف حار طويل وشتاء بارد قصير.. لكن الآن لا حر ولا برد.. سماء لا تظهر زرقتها وشمس تطل بين غيمة وغيمة.. وأوراق سقطت من شجيرات الرصيف يحس بها ويراها بلونها البنّي تتكسر بين خطوة وأخري تحت قدميه اللتين لا يعرف الي أين تقودانه فكل ما أراده فقط هو أن يهرب من الغرفة ومن الأجندة ومن المرآة ويخرج الي الشارع.. لكن من المؤكد أن وجهته ستكون تلك المقهي التي اعتاد التردد عليها منذ مدة في غير هذا الوقت، لذلك يعلم أنه ربما لن يلتقي فيها أحد من الوجوه التي تعود رؤيتها هناك.. أراحه هذا الاستنتاج فاستسلم لقدميه وهما تقودانه الي المقهي.. وهناك قصد المقعد المعتاد في الزاوية نفسها.. مكان يتيح له مشهدا بانوراميا للمقهي من الداخل وللخارج عبر الواجهة الزجاجية التي تفصله عن الشارع.. وفي امكانه هذه اللحظة وهو في وضعه هذا أن يميز بوضوح حتي حركة الشفتين لذلك الشاب والفتاة وهما يتهامسان في مجلسهما عند الركن المحاذي للمدخل الذي يجلس قبالته.. يمكنه أيضا أن يسمع بعضا من حديثهما اذ يعلو مرفقا بضحكتين.. تدني الفتاة رأسها قليلا نحو الشاب وهي تبتسم مقربة بين حاجبيها مع حركة ناعمة من الرأس توحي بأنها تسأله، هكذا فسرها حين سارع الشاب بدس يده تحت فانلته وأخرج من جيب قميصه شيئا عرف علي الفور أنه أجندة فيما مدت هي قلما أخرجته من حقيبتها الصغيرة.. أعاده المشهد فجأة الي الغرفة التي غادرها قبل قليل.. ركز نظره تجاه الأجندة قبل أن يهم الشاب بفتحها.. لاحظ أنها جديدة ولها غلاف بلون فاتح جميل ينسجم مع ألوان الملابس التي يرتديانها.. أجندته كانت كذلك في البداية.. لاحظ الشاب والفتاة بدورهما أن رجلا علي المقعد المواجه يراقبهما ولا يبدو أنه يحس بأنهما تنبها اليه.. بقي لحظات جامدا متسمر العينين كتمثال الشمع غير أنه انتبه أخيرا للفتاة وهي تنظر اليه وتهمس في أذن الشاب الذي كان قد خط شيئا في الأجندة وأعادها الي جيبه.. فابتسم بارتباك وهو لا زال ينظر اليهما وكأنه يقدم اعتذارا ثم قام متظاهرا بالبحث عن النادل وانسحب تاركا الشاب والفتاة والمكان خلفه وخلفهم الغرفة والمرآة والأجندة والشجر الذي يتعري.. عليه الآن أن يبحث عن مكان آخر.. كاتب من ليبيا يقيم في مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية