في ساعات الظهيرة من يوم الجمعة قبل 15 عاما جلس وزير الخارجية الامريكي، جيمس بيكر، في ديوان رئيس الوزراء اسحق شامير في القدس، وتحادث معه حول الحاجة الي تطبيق المبادرة السياسية التي حملت اسمه.
التوتر كان شديدا، وقد قال أحد المشاركين الاسرائيليين في تلك الجلسة بأن شامير كان عصبيا وظل ينظر الي ساعته بضيق. شامير كان مذهولا من اسلوب بيكر في الحديث، وخصوصا من فظاظته.
كانت هذه زيارة من بين الزيارات الضاغطة التي قام بها الوزير من اجل اقناع القادة الاسرائيليين بالموافقة علي اجراء محادثات مباشرة مع ممثلين فلسطينيين. اسرائيل طالبت باجراء مباحثات مع فلسطينيين من المناطق، أما الامريكيون فقد طالبوا باجراء المحادثات مع ممثلي الشتات الفلسطينيين من اجل منح الشرعية الرسمية لـ م.
ت.
ف الموجودة في تونس. حكومة الوحدة كانت قبل ذلك قد انحلت بسبب الخلاف حول هذه النقطة.
عقارب الساعة تحركت ببطء. احد المشاركين في الجلسة اقترح فترة استراحة بسبب قدسية يوم السبت. إلا ان بيكر أصر علي المواصلة. وفجأة دخل مسؤول امريكي وهمس شيئا في أذن أحد مساعدي الرئيس الذي نقل ما سمعه للوزير. وجه بيكر أصبح باهتا ونهض قائلا بصوت مرتجف ان والدته قد توفيت وأنه يعتذر عن الاستمرار في الجلسة وخرج، وطاقم السلام يسير من خلفه.
في ديوان رئيس الوزراء تنفسوا الصعداء. أحد المشاركين الكبار شكر الله بصوت مرتفع لانه تدخل وأنقذ اسرائيل من أظافر بيكر. الا ان بيكر رفض ترك اسرائيل في حالها، ونجح في عقد مؤتمر مدريد بحضور ممثلين فلسطينيين وعرب. وعندما تعنتت اسرائيل هددها بايقاف المساعدة الامريكية الخاصة لاستيعاب المهاجرين من الاتحاد السوفييتي. مبادرة بيكر بدت في تلك الايام في نظر حكومة الليكود كمحاولة امريكية خطيرة لفرض التسوية السلمية علي اسرائيل. بيكر كان متحمسا لدفع التسوية بين اسرائيل والفلسطينيين الي ان انتقلت الشائعة بين اعضاء الليكود بأنه يتحرك بدوافع لاسامية، وإلا فلماذا يركز علي الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني بدون هوادة؟ ما هو الأمر غير السليم عند هذا الشخص لدرجة انه يقوم بالعمل بصورة استحواذية حتي يعيش الاسرائيليون في سلام؟ ما من شك ان هذا الشخص لاسامي بعض الشيء، قال أحد المسؤولين في ديوان رئيس الوزراء مُعبرا عن شعور شامير عليه ان يدعنا لحالنا، أوليست هناك صراعات غير منطقتنا في العالم؟.
المجابهة بين الادارة الامريكية واسرائيل انتهت باسوأ صورة وهددت بتعكير علاقات البلدين. في شهر حزيران (يونيو) 1992 خسر شامير الحكم لصالح رابين، وبعد نصف سنة ذهب بيكر وراءه مع رئيسه بوش الأب. الآن، بعد 14 عاما تعود روح جيمس بيكر للتحليق في سماء القدس حيث يجلس ايهود اولمرت علي مقعد شامير الذي كان وزيرا ثانويا وطموحا في تلك الايام. اولمرت أعاد الي نفسه ملابس الليكود فور دخوله الي المنصب وكأنه لم ينزعها عن نفسه أبدا.
لا غرابة اذا أن اصوات الارتياب قد بدأت تتعالي من محيطه حول بيكر الرهيب، ومرة اخري بدأوا يهمسون بتلميحات لاسامية. مرة اخري يحاولون إظهار تقريره في صورة الورقة الهذيانية هذه وثيقة امريكية داخلية ليست مخصصة لنا، وصف اولمرت تقرير بيكر ـ هاملتون في هذا الاسبوع.
لماذا دخلت القيادة الاسرائيلية في حالة دفاعية؟ بسبب شخصية بيكر التي تفوح منها رائحة امبريالية عدوانية، ولان مصدرا امريكيا رفيعا يعترف لاول مرة أن عدم حل الصراع في المنطقة يُسهم في حالة اللااستقرار في الشرق الاوسط وما وراءه. ما بقي فقط هو أن يتوصل أحد هناك الي استنتاج بأن هذا الصراع الذي لا ينتهي يحدق المصالح الامريكية في المنطقة وخارجها بالخطر. هذا الارتباط يُدوي في اوروبا ويسمعه القادة الاسرائيليون دائما، كل طفل يهودي في فرنسا يعرف كيف يوضح العلاقة بين اللاسامية الاسلامية الجديدة في بلاده وبين الانتفاضة الثانية. كلهم يدركون الثمن الفظيع المترتب علي هذا الصراع، واسرائيل وحدها هي التي تُصر علي تقليص أحجامه وكأنه مجرد شجار في أحد الأحياء.
تطرق تقرير بيكر لاسرائيل هو نتيجة مباشرة للصمت السياسي وتكريس الوضع القائم في كل الساحات من قبل اولمرت. هذا أحد الاسباب الي جانب الحرب البائسة في لبنان، التي أدت الي هبوط شعبيته بدرجة قوية جدا. هو سينقذ نفسه وأنفسنا فقط اذا بدأ في تجسيد ارادة الناخبين الذين منحوه ثقتهم. الإقدام علي مبادرات سياسية هو وحده الذي يزيد الحاجة الي اتخاذ موقف دفاعي من تقرير بيكر ـ هاملتون ويُزيل جزءا من الضيق الذي تفشي في البلاد منذ أن جلس ايهود اولمرت علي مقعد ارييل شارون.
دانيال بن سيمونكاتب في الصحيفة(هآرتس) 13/12/2006