تجاهل وثيقة باول رغم خبراته العسكرية وترك العراق يسقط في ايدي شبكة من الميليشيات
واشنطن ـ من مارتن سيف:
أشارت التقارير الاعلامية في الأسبوع الحالي الي أن الرئيس الامريكي جورج بوش يميل نحو رفض نصيحة مجموعة دراسة العراق وسيحافظ بل حتي يزيد عدد القوات الامريكية في العراق. غير أن مثل هذه السياسة تبدو أنها لن تؤدي سوي الي زيادة حجم حركة التمرد والحرب الأهلية التي تجتاح البلاد.
لقد مر وقت كان فيه نشر مئات الآلاف من الجنودالامريكيين في العراق يؤدي الي فرض الأمن والنظام بسرعة.
وهذا الوقت كان مناسباً ـ كما حذر دون جدوي رئيس أركان الجيش الامريكي السابق الجنرال أريك شينسكي ـ مباشرة عقب الاطاحة بالديكتاتور العراقي السابق صدام حسين.
وسرعان ما أدرك شينسكي أنه لا يوجد أي بديل عن نشر مئات آلاف الجنود الامريكيين علي الأرض في العراق لتأمين النظام والأمن بعد سقوط صدام.
لقد كان العراق يخضع لديكتاتورية قاسية منذ انشاء جمهورية حزب البعث الثانية في العام 1968. لم يدرك العراق حتي صورة الحكم الديمقراطي منذ الاطاحة بنظام الملكية الذي كان يحظي بدعم من البريطانيين والنظام البرلماني في انقلاب دموي في العام 1958. وكما حصل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن هناك بديل لمئات الآلاف من قوات الاحتلال التي وصلت بهدف تأمين الأمن والنظام في المانيا.
وكانت اقتراحات شينسكي متماشية مع وثيقة باول التي وضعها الرئيس السابق لأركان الجيش الامريكي ومستشار الأمن القومي السابق الجنرال كولن باول. لقد كان باول وزيرا للخارجية الامريكية في الوقت الذي كانت تتخذ فيه القرارات الرئيسية بالنسبة لاحتلال العراق. لكن وعلي الرغم من خبرته الواسعة وسجل نجاحاته العسكرية، التي لا يمكن لأي شخص في ادارة الرئيس بوش مجاراتها، فقد تم تجاهلها من قبل جميع زملائه.
لقد أبقي وزير الدفاع دونالد رامسفيلد باول ووزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية خارج مسيرة صنع السياسة حول احتلال العراق. لقد سلّم رامسفيلد القرارات الرئيسية في الأيام الأولي من الحرب الي قلّة من منظري المحافظين الجدد اختارهم نائب وزير الدفاع آنذاك بول وولفوفيتز ومساعد وزير الدفاع لشؤون السياسة دوغلاس فيث. ودعم الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني بالكامل رامسفيلد وتركا باول دون حول ومعزولا، ما حولّه الي أكثر وزير خارجية في التاريخ الامريكي الحديث يشبه البطة العرجاء.
لقد كانت نتائج هذه القرارات كارثية. وكانت وثيقة باول تنص علي أن تذهب الولايات المتحدة الي الحرب بأكبر قوة عسكرية ممكنة. كما كان باول خلف قانون حظيرة الفخار (تحطمه.. فأنت تملكه) التي رسمت حدود مسؤولية الولايات المتحدة والقوي العظمي الأخري لتصحيح ما تكسره وتولي مسؤولية اعادة الأمن الي العراق.
غير أن سياسة بوش التي حظيت بدعم المنظرين المحافظين الجدد، رفضت هذه المبادئ التي تم اختبارها سابقاً وحققت نجاحاً. لقد ركّزت علي محاولة بناء ديموقراطية مثالية في العراق انطلاقاً من الصفر وفي سرعة تحطم الأعناق.
ونتيجة لذلك، أصبح في العراق نظرياً نظام ديموقراطي برلماني صيغ بعناية فائقة. لكن لا توجد بنية حكومية ذات مصداقية أو قوية، ولا شركة فعالة أو جيش ليحمي البلاد. لقد أصبحت القوة الحقيقية بيد شبكة من الميليشيات المحلية، غالباً ما تتناحر في ما بينها لكنها منقسمة علي طول الخطوط السنية ـ الشيعية. وفي أكثر من 10 محافظات من المحافظات العراقية الـ18 التي تنعم بهدوء أمني نسبي، فان حكومة بغداد المركزية لا تستطيع أن تحكم أو تبسط سلطتها فيها الا بموافقة من الميليشيات المهيمنة علي هذه المحافظات.
في هذا الوضع، أصبح الوقت متأخراً اليوم لتخيل زيادة حتي 100 ألف جندي امريكي علي الأرض في العراق، فكيف اذن بمجرد 20 ألف جندي يدعو بعض المتشددين الجمهوريين لنشرهم، وأن يؤدي ذلك الي احداث التأثير الايجابي الأدني علي الفوضي التي تعم بغداد ومعظم أنحاء البلاد.
لا تملك الولايات المتحدة احتياطاً من عدة آلاف من الجنود الامريكيين، فكيف اذا كان الأمر يتطلب مئات الآلاف من الجنود الذين يجب نشرهم في العراق! وحتي لو كانت تملك هذا العدد، فهذا الالتزام قد يترك الولايات المتحدة دون قوات برية كافية لتدافع عن التزاماتها الأخري حول العالم.
ونشر عدد كبير من القوات الامريكية في العراق، حتي لو كانت هذه القوات متوفرة، سيكون بمثابة دعوة الي القوي المعادية للولايات المتحدة وحلفائها بشن هجمات علي مصالحهم في أنحاء متفرقة من العالم. ومن دون وجود بنية ذات مصداقية وطنية لحكومة عراقية قوية قادرة علي المحافظة علي وحدة العراق، فقد يعني ذلك صب الذهب علي الرمال المتحركة. واليوم، فان الالتزام بنصف مليون جندي امريكي قد لا يكون كافياً لدعم الحكومة العراقية في الحالة التي هي عليها الآن. وحتي لو كان هذا العدد من القوات الامريكية متوافراً وبامكانه احداث الفرق، فعليهم أن يلتزموا البقاء في العراق لأربع أو خمس سنوات مقبلة علي الأقل وربما لفترة أطول. ومع ذلك لن تكون هناك أي ضمانة للنجاح. لكن بما أن هذا العدد غير متوفر حتي، فان هذه النقطة تصبح جدلية.
ان انقاذ العراق عبر نشر المزيد من القوات الامريكية، واحدة من الخرافات العديدة التي حلّت مكان أي نوع من السياسة الامريكية الواقعية بالنسبة للعراق. غير أن التاريخ يشهد أن الأشخاص غالباً ما فضّلوا الخرافات علي الحقائق القاسية غير المرضية. (يو بي آي)