بغداد ‘القدس العربي’ ـ من صفاء ذياب: غالباً ما ننظر لأنفسنا بأننا مقصرون في تشكيل أنماط إبداعية جديدة، على صعيد الأسلوب أو الرؤى وتأثير هذه الأنماط على المجتمع تأثيراً مباشراً. هناك من يقول إن هذا التلكؤ لعدم وجود اتفاق من المثقفين والأدباء والفنانين على منهج فكري يحاولون من خلاله انتاج هذه الرؤى الجديدة، وهناك من يقول أيضاً إن غياب الجماعات الثقافية والفنية في الوسط الثقافي العراقي أثّر تأثيراً واضحاً على بطء تطور النتاج الإبداعي بشكل عام.
لكن، هل أثرت الجماعات الأدبية التي تأسست منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى الآن على تنشيط الوعي الفكري في المجتمع عموماً وفي بيئة المثقفين خصوصاً؟ وما أسباب عدم تشكّل جماعات ثقافية مؤثرة منذ أواخر الستينيات وحتى الآن؟
سعينا في تحقيقنا هذا تتبع هذه الأسئلة والاجابة عليها، في محاولة لفهم الواقع الثقافي العراقي:
عن تأثير الجماعات الثقافية
يقول الدكتور ناظم عودة إن للمنتديات والجماعات الأدبية والثقافية امتداداً طويلاً في تاريخ العراق الثقافي، وإنْ كانت المنتديات أسبق من ظهور الجماعات التي ظهرتْ بعد تكوين الدولة العراقية وانفتاح الثقافة العراقية على مصادر متنوعة حينئذ، وبروز ميل اجتماعي وثقافي واضح للدخول في العصر الحديث واستلهام الأفكار والمفاهيم العصرية مما أفضى إلى بروز طبقتين ثقافيتين واجتماعيتين: طبقة محافظة، وأخرى حديثة تؤمن بقيم العصر الحديث في الثقافة والأدب والسلوك الاجتماعي والتفاعل مع منتجات الحضارة الحديثة التي بدأت تتدفق على الأسواق التجارية، فتأثرت بذلك العمارة والأزياء ونمط السلوك الاجتماعي والفن واللغة والتعليم وسوى ذلك.
ويضيف عودة أن المنتديات والجماعات لم تقتصر على العراق وحده، وإنما لها تاريخ في الحياة الثقافية الحديثة في البلدان العربية، فشعراء المهجر لهم جماعات خاصة كالرابطة القلمية والعصبة الأندلسية، وفي مصر تشكلتْ جماعتَا: الديوان وأبوللو، وهما من أشهر الجماعات الأدبية التي تركتْ أثراً في الأدب العربي الحديث، وفي لبنان جماعة مجلة شعر، تلك المجلة ذات التأثير الكبير في حركة الحداثة الشعرية في العالم العربي. وفي العراق، ظهرت جماعة الفن الحديث، وجماعة المسرح الحديث، وجماعة كركوك والستينيين وغير ذلك. ولا يمكن لنا أنْ نحكم بعدم تأثير هذه الجماعات لكنها لم تستطع أن تقود حركة أدبية أو ثقافية ذات تأثير حاسم في الثقافة العراقية، فقد كان تشكل بعضها وظهورها فجائياً واختفاؤها سريعاً، وغلب على بعض أصحابها الميل إلى الدعاية الإعلامية، أو الوقوع في شرك الاحتواء الأيديولوجي، لذلك بقيتْ ذات تأثير محدود. ومما يميز الجماعات العربية هو اشتراكها في بعض المؤلفات الأساسية كجماعة الديوان، أو إصدار مجلة خاصة بهم كجماعة أبوللو الذين خلّفوا مجلة (مجلة أبوللو) التي تعتبر مصدراً مهماً من مصادر الأدب العربي الحديث. وكان هذا دأباً ثقافياً مؤثراً لأن المكتوب أكثر مضاءً من الشفاهي في عصرنا هذا، وفي العراق أسس الستينيون مجلة الشعر 69 صدرتْ منها أربعة أعداد وتوقفتْ.
ويؤكد عودة أن ظهور الجماعات والمنتديات مهم في الحراك الثقافي، لكنّ الجماعات الأدبية والثقافية التي ظهرت في العراق بعد 2003 لم يكن لها أي تأثير لأنها تكونت في الغالب من أسماء غير مؤثرة في نتاجها الفردي أصلاً، بحسب قوله، مضيفاً أن بعض المنتديات الثقافية اقترنت بأهداف سياسية ودينية معينة أراد من خلالها أصحابها أن يشيعوا أفكارهم من خلال هذه المنتديات لأنّ من يرتادها هم الصحفيون والكتّاب، فهي فرصة لنشر تلك الأفكار عبر الإعلام والملتقيات الثقافية، لكن انتشار المنتديات في العراق في المدة الأخيرة ليس له أي تأثير لأنّ هذه المنتديات غير معنية بجماليات الحداثة الأدبية وغير معنية بالحركات الفكرية الحديثة، فكان أنْ وجد فيها عدد من الأدباء التقليديين والكتّاب الثانويين فرصتهم لـتأكيد ذواتهم عبر نتاجات غير أصيلة. ولو اتجهت هذه المنتديات والجماعات لاستلهام قيم جمالية حديثة وفكر حديث وقامت على فلسفة عقلانية وتنويرية غايتها خلق مناخ ثقافي يسمو عن السطحية ويغور بعيداً في تبني قيم الحداثة والعقلانية وتنمية النزعة العلمية في البحث، وتنمية الحوار العقلاني، والذوق الجمالي الحداثي، لكان لها أثر بيّن في الحياة الثقافية في العراق.
في تاريخ الجماعات الثقافية
الكاتب جمال الهاشمي يقول إن نشوء الأدب العراقي الحديث تزامن مع نشوء الدولة العراقية، لهذا نجد أن أول تشكل أدبي ثقافي كان في جامع الحيدرخانة، وهي مثلت الجماعة الأولى التي شكلها حسين الرحال، بعد الحرب العالمية الأولى، وكان معه محمود أحمد السيد وجميل صدقي الزهاوي وعوني بكر. وكانوا مجموعة من المثقفين أصدروا صحيفة يسارية بعد زيارة حسين الرحال لألمانيا ولقائه بعصبة سبارتكوس، وكانت هذه الصحيفة انعطافة كبيرة في تاريخ الحركة الثقافية العراقية، نقلت أفكاراً وتجارباً ثقافية من ألمانيا وانكلترا والهند. وقد ترك هذا التجمع بصمة كبيرة، وأنتج نخبا سياسية ووطنية وثقافية. بعد ذلك تأسست جماعات اخرى أغلبها كانت متأثرة بالتجربة الغربية، الانكليزية والالمانية.
مشيراً إلى أن التجربة الثانية كانت بعد تأثر المثقفين بمرحلة باريس، بعد أن ظهرت تجارب عديدية فيها كالدادائية والسريالية، انعكست على العالم العربي، ففي العراق تشكلت جماعة ‘الواق واق’، وضمت مجموعة من المثقفين بقيادة حسين مردان. كانت كتابات هذه المجموعة تشبه الاعلان عن النثر المركز أو الشعر المنثور. بعد ذلك تشكلت مجموعة في القصة والرواية على رأسها الكاتب عدنان رؤوف، وعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي، أطلقوا على أنفسهم جماعة ‘الوقت الضائع’. مؤكداً أن هاتان المجموعتان تمكنتا من تغيير الخطاب الشعري والقصصي.
ويذكر الهاشمي أن هناك جماعات أخرى تشكلت لكنها لم تترك أثراً واضحاً مثلما تركته هاتان الجماعتان. وصولا الى جيل الستينيين، الذين تأثروا بالتغيير العالمي، الثقافي والسياسي والاقتصادي، خصوصاً بالوجودية والماركسية والفكر القومي العروبي. كان الستينيون جيلا كاملا يمثل جماعة متكاملة، لكن جماعة كركوك هي الأبرز في هذا الجيل، فقد كانت جماعة ومدرسة متماسكة بخطابها وكتاباتها القصصية والشعرية، فقد مثَّل هذه الجماعة يوسف الحيدري وسركون بولص وفاضل العزاوي وانور الغساني وغيرهم.. وعندما انتقلت هذه الجماعة من كركوك الى بغداد تحولت الى مركز أنتج قصيدة النثر وقصصاً قريبة من أعمال كافكا، والكتابات الغرائبية واللاواقعية.
وعن الجماعات الثقافية في الوقت الحاضر يقول الهاشمي لم تستطع أية جماعة أن تتشكل بسبب هيمنة نسق السلطة. فقد جاء هذا النسق من خلال قوة حزب سلطوي، وهيمن على كل المؤسسات الثقافية وأصدر قوانين تقيد من الصحافة ومن الجماعات الادبية، وقام بتحويل السلطة الثقافية لمنظمات كتب الحزب نظامها الداخلي كنقابة الفنانين واتحاد الادباء وجمعية التشكيليين، على الرغم من تشكل هذه المنظمات قبل سيطرة حزب البعث. وكان اتحاد الادباء الواجهة الوحيدة التي تمثل الادب العراقي بعد 1968، ومع الاسف اشترك اليسار مع هذه المنظمات.
أدباء مؤدلجون
الشاعر زعيم نصار يشير إلى أن الجماعات الادبية والفنية تشكلت في الستينيات والخمسينيات، وكانت لها بيانات ورؤى كبنية للخطاب الأدب، كان لها رؤية خاصة للنص، كبيان القصيدة اليومية وبيان جماعة الأربعة التشكيلية. هذه الجماعات كانت تشكل تأسيساً للأعمال الإبداعية. وكان لها تأثير كبير على تطور الأدب العراقي، خصوصاً في مجال الشعر، فالجماعات التي تشكلت في الخمسينيات والستينيات أسهمت في تطور النص الشعري الحديث، عملت بجد من خلال المجلات المتخصصة لهذه الجماعات.
ويقول نصّار إنه في الوقت الحالي، منذ الثمانينيات وحتى الآن، فبسبب الحرب ووجود السلطات القامعة، وخوف الجماعات أن تتشكل ويؤشر عليها على أنها جماعات معارضة، كجماعة تضاد، التي تهتم بالقصة، والتي أسسها شوقي كريم حسن وحميد المختار، كانت تعاني من قمع السلطة ومراقبتها لها. غياب الجماعات الان سببه تشرذم المثقفين وعدم إجماعهم على رأي واحد، خصوصاً المثقفين الليبراليين الذين تراهم متشظين بين الحكومة والاتحاد والوزارة. فتجد الأديب إما منتمياً للحكومة ويعمل بأمرها، أو تراه مقرباً للوزارة أو اتحاد الأدباء ويعمل بأمر أحدهما. هذه الأسباب أثرت على تشكل الجماعات الأدبية التي يفترض أن يكون لها بيانات ومشاغل ومجلات ومشاريع خاصة. أدعو الى إعادة تشكيل هذه الجماعات وإصدار دوريات خاصة بها.
جماعات جيلية
كان للدكتور صادق رحمة رأياً مغايراً في طبيعة الجماعات الادبية في العراق، فيقول إن الافتراض بأنه لا توجد لدينا جماعات ثقافية افتراض خاطئ، فقد كانت لدينا جماعات وتأثرت بجماعات أخرى وتبنت طروحات متقاربة، على الأقل على مستوى التنظير الآيديولوجي، وشكلوا مساحة جيدة. الان الوضع اختلف تماماً، ربما تختلف التسمية، فارى أن الأجيال، بمسمياتها، ضمن التطور الشعري العراقي، مثلا، جماعات. ألم ينبر شعراء من أجيال مختلفة للدفاع عن جيلهم؟ هؤلاء، باعتقادي، يشكلون جماعة، غير أنهم لا يسمون أنفسهم بجماعة، بل جيل.
ويضيف رحمة أن التسعينيين وما بعد ذلك؛ بتصوري، يشكلون جماعة مختلفة لا تشبه الأجيال السابقة. أظن أن المشكلة في التسمية لا في المنهج والتطور الأدبي ضمن هذه الجماعات. هنالك جيل يدافع عن نفسه ويرى أنه يمتلك مميزات كتابية معينة تختلف عن الأجيال التي سبقته. الآن نستطيع أن نتحدث عن جيل السبعينيين، وهو يختلف في طريقة تقديمة للنصوص الابداعية وفي بنية هذه النصوص عن جيل الستينيين، بل وجد نفسه في قطيعة مع جيل الستينيين، ثم هنالك جيل الثمانيين، وظروفه الخاصة كالحرب والنص الآيديولوجي او المضاد للآيديولوجية، وجاء جيل التسعينيين.. فهذه الأجيال لا تختلف عن بنى الجماعات الادبية، وهي أجيال أثرت وتأثرت أيضاً.
مشاريع فردية
يؤكد الشاعر ماجد طوفان أن وجود الجماعات الأدبية كان ظاهرة في فترة زمنية معينة، وقد أنتجت نتاجاً أصبح يشار له في العراق، لكن مع التطور الزمني لم يعد لهذه التكتلات أو الجماعات شأن يذكر، وأصبح المشروع مشروعاً فردياً، ‘وأتحدث هنا عن المنجز، بمختلف أشكاله الأدبية، كالشعر والقصة والرواية. أثبت الزمن أن هذه الجماعات لم تكن قائمة على نفس المفاهيم التي قامت عليها الجماعات الأولى، فقد كانت الجماعات الأولى صاحبة مشاريع حقيقية، فلو أردنا أن نأخذ نموذجاً واحداً كجماعة كركوك، فرغم السنوات الطويلة التي مرت على تأسيسها، ورحيل أغلب مؤسسيها، إلا أن تأثيرهم ما زال فاعلاً حتى الآن. هذه الجماعة قامت ضمن حراك أدبي يبحث عن منجز أدبي جديد، وكانت هناك جدية لدى المؤسسين، ولم تكن هناك نفعية، كما موجودة الآن’.
ويضيف طوفان أن مرحلة التسعينيات شهدت بعض الجماعات، جماعة قصيدة الشعر، التي لا أعدها جماعة ولم تنجز أي شيء مهم على الإطلاق، كانت عبارة عن ترديد لما هو جامد، ولم تأت بمنجز حقيقي، واسم قصيدة شعر كذبة لا تنطلي على أحد.
ويرى طوفان أن الرؤى اختلفت وأصبحت المشاريع فردية، مع عدم وجود مؤسسة ثقافية حقيقية، وهذا سبب عدم تشكل جماعات أدبية فعلياً. المنجز الادبي مشروع فردي وثقافي ومعرفي، بحب قوله.
ثقافة المهاجرين
الشاعر ركن الدين يونس يقول إن الجماعات الثقافية التي تشكلت سابقاً كانت لأسباب موضوعية تتعلق بالواقع الثقافي وبالفترة التي تشكلت بها. ‘أستطيع الان التحدث عن جماعة كركوك وجماعة الاسكندرية، لأن هناك تشابهاً بين الظروف الموضوعية التي صنعت الجماعتين. فالاسكندرية منطقة صناعية، وكركوك منطقة نفطية وصناعية، ففي هاتين المدينتين تجمعات من مختلف المدن العراقية، هذه التجمعات فيها تعددية ثقافية واللهجات والحاضنات الثقافية، لان هاتين المدينتين مدينتي وافدين، وعادة ما يصنع الثقافة المهاجرون وليس أبناء المدن الراسخة، فكل الجماعات الثقافية التي تشكلت في بغداد، مثلا، تشكلت من قبل الوافدين وليس من أبناء ومثقفي بغداد’. فنرى تطور الشعر الثمانيني كان في مقهى حسن عجمي من قبل أدباء المحافظات.
ويضيف يونس أن جماعتي كركوك والاسكندرية قدمتا خطاباً يختلف عن الخطاب السائد في العراق، فجماعة الاسكندرية كرست لقصيدة النثر، والدعوة لاختلاف النصوص، فعندما نقرأ النصوص الثمانينية نشعر أن جميعها لشاعر واحد، بسبب التواصل اليومي والقراءات المتشابهة والمكان الذي يجمعهم. لكن الاسكندرية تمكنت من كسر هذا المناخ، كما كسرته قبل ذلك جماعة كركوك.
ويرى يونس أن هناك محاولة الآن لخلق معادل موضوعي للجماعات من خلال الانترنت والفيسبوك، فنرى جماعات كبيرة على الفيسبوك تنادي بالتغيير وكتابة النص الجديد.
وهم فكري
من جانبه، يتساءل الدكتور أثير محمد شهاب: ‘من الذي يقول إن الجماعات هي التي تخلق حركة ادبية؟ أتحفظ على هذا التساؤل، ويأخذني تصوري إلى أن الجماعات التي تشكلت في بلدان أخرى ربما كانت أكثر أهمية من الجماعات داخل العراق، بسبب قسوة السياسة وتبعاتها على المثقف’. ويضيف شهاب أن الجماعات مهما ادّعت أنها ثقافية فهي تصطف بطريقة أو أخرى إلى مناطق آيديولوجية ويتحول الصراع الثقافي من الديالكتيك الجمالي إلى نوع من القسوة العضلية أو الكاتم الثقافي. و’تجاربنا كثيرة، ابتداءً من إعدام جماعة كركوك وسعي الجيل الستيني للوقوف بحزم تجاههم وكتابة التقاير ضدهم، وقبل ذلك السياب وما تعرض’.
ويؤكد شهاب أن الثقافة العراقية ستبقى حبيسة الآيدولولوجيا. و’الجماعات الثقافية هي جزء من هذا الوهم الفكري، نقدس الأفكار الحزبية ونطعن بالمثقف. ضمن منطق الجماعات الثقافية، يلعب الإعلام دوره في رفع رصيد أفراد هذه الجماعة مهما كانت ثقافتهم’…
تحولات الوعي الجمعي
إلا أن الشاعر ميثم الحربي يعترض على تسمية (الجماعات الثقافية)، لأنه يعدها كلمة عريضة يتحرك في باطنها ضدان، الضد الأول أن هناك مشاريع مشدودة إلى بنى ارتكاسية وإلى تراجعات فكرية، وهناك جماعة بالضد. وهذه مشكلة العالم العربي اليوم، بث الحداثة وبث الرؤى الجديدة يأخذ شكل الصراع التالي: هناك من يعتقد أن على الشعوب العربية والعراق تحديداً تحديث البنى الاجتماعية من الإرث والراسب، يتم الاستثمار من طاقة الرواسب في بناء المجتمع، وهناك أيضاً وجهة نظر تقول إن الإصلاح يأتي من فوق، بما يعرف بالنخبة التي خبرت تفاصيل وتجليات الديمقراطية في الغرب. هذان التياران يتصارعان حاليا في المنطقة العربية التي أخذت شكل التخندق الطائفي والتخندق داخل الهويات القاتلة، بتعبير أمين معلوف.
ويضيف الحربي أن الثقافة حارسة على الوجدان الجمعي، و’نرى أن الوجدان الجمعي العراقي مريض ومهشم، وعلى الثقافة أن ترمم هذا الوجدان من خلال طرح مشاريع خلاقة غير انفعالية’.
ويرى الحربي أن العراق شهد تحولات عديدة، في ما مضى شهد تحولا مهما، من الوعي الطائفي الى الوعي القومي، ثم تحددت الجماعات الثقافية بقاطرة الشعر وتمغنطت بالآيديولوجيا، وعندما نقول إنها تمغنطت بالآيويولوجيا فليس هذا من باب أنه مؤشر سلبي، لأن العالم كان يسير بهذا الاتجاه. كانت الأحلام الستينية في ترسيخ رؤى وبلورة أشياء ماضية في التطور، ليس على صعيد الشعر فحسب، بل على صعيد العمارة والموسيقى، فهذه البنى تتحايث في عملية النمو. الذي حدث في العراق هزة كبيرة أدت إلى الانهيار الكلي، وبالتالي أخذ الشعر حصته من التشويه كما أخذ المعمار والموسيقى حصتهما من التشويه. لكن من المهم ان نتذكر رأي الدكتور علي الوردي عندما يتحدث عن مدحت باشم الكوزلكلي، صاحب النظارات، ويقال انه أول من وضع النظارات على عينيه. هذا الرجل قال إن العراق من الممكن أن يستلهم ويستثمر ويتعامل مع حكومة حديثة. وهذا يثبت أن في العراق جذوراً مدنية راسخة وعميقة. لكن الفكر النقدي والتحديثي قام به رجال أفراد، لكن هذا الفرد تتجلى فيه روح الجماعة، بكل شهيقها وزفيرها.