الفيلم الفلسطيني ‘جيرافادا’ … الصدفة التي لابد وأن تؤمن بها!

حجم الخط
0

والد زياد يقول ان الحياة صدفة، انه مدين لحياته لقّدر يمكن أن ينصفه أو لا، مثل الشجرة التي تربض هناك على أول شارعهم، والتي تظل على قيد الحياة لولا نسمات الهواء وقطرات المياه، التي يحدث أن الظروف قبلت طيعة بأن توفرها لها. زياد يمضي في التعجب من منطق والده، فكل شيء حوله لا يمت للصدفة بصلة، بالذات براوني وريتا فالله خلقهما بمحض ترتيب وعمد والكثير من السبق والإصرار. فالزرافتان هما حياته بأكملها، التي لا يفتأ أن ينفي عنها تهمة العبثية، لأن ذلك سيُحتم عليه بالضرورة أن يتنبه إلى عادية إستمرارية العيش دونهما، وهو ما يشابه دربا من دروب المستحيل بالنسبة له.
Giraada هو الفيلم الفلسطيني الذي عُرض في إطار مشروع زاوية بسينما أوديون، والذي يتناول في إنسانية شديدة النعومة قصة طفل رأى في الحيوان ما يحمله على المضي قدما بالحياة، تشبث به واختار ألا يخطو خطوة أخرى إلا في وجوده، إنها حتما حالة تستوجب الإلتفات، وقد صيغت في جذل وعاطفة قادرة على حمل المشاهد صوب غض الطرف عن ذلاتها ولو حتى مؤقتا. فالغريب أن ثمة جانبين لهذا الفيلم، أحدهما مشرق مهندم، والآخر هزيل باهت، وعلى قدر ما أضر الأخير بالأول، إلا أن حالة الفيلم بأكملها بقيت صامدة في وجه العثرات المتعددة بالسيناريو.
الجانب المشرق
نجح المخرج راني مصالحة أن يجيد خلق عالم زياد، فيما يخص أولا علاقته القوية ببروني وريتا، لهفته على رعايتهم والتواجد بقربهما دوما، وهو ما ساهم فيه طبيعة عمل والده بحديقة الحيوان. علاقة زياد بريتا وبراوني، مثلت أداة شفافة تنبىء عما يمتلكه هذا الولد الصغير في داخله من براءة وغشامة تجاه الكون حوله، فهو ينغلق على ذاته معهما، ويرى الوجود بعيونهما اللامبالية. زياد بداخله الكثير، فهو ولد ذو حساسية مفرطة، ولأنه يحيا من دون والدته، صار كالطبيعة التي دوما توجد لنفسها حلا آخر للعيش، فانجرف بعاطفته تجاه الزرافات، والتي إن لم تكن موجودة من الأساس لوقعت يده على أي كائن آخر لطيف، يخصه بكل هذا الحب الذي يملكه ولا يكفيه مشاركته مع والده. ومن اللفتات التي اهتم بها الفيلم، أنه حرص على أن يصور اهتمام زياد بالنباتات، و يوضح مداومته على سقايتها بشكل ملفت، فهذه هي سمات نفسية الولد الصغير والتي لا تتعلق بالزرافات قدر تعلقها بالفكرة، بالغريزة البدائية النقية للعالم، حيث أفسح لذاته مكانا هناك، وظن أنه ليس بمخلوق يقوى على انتشاله.
ولأن الفيلم أجاد التعامل مع هذه الجزئية، بات من المنطقي أن نرى كل هذه الثورة التي انتهى إليها زياد، حينما تموت احدى الزرافات في القصف الذي تقوم به القوات الإسرائيلية على المدينة، بينما تمتنع الأخرى عن الطعام بعد الحادثة وكأنها تطلب الموت. هنا، تمتد يد القدر التي رفضها زياد من قبل مصرا على عدم الإيمان بها، لتعبث في عالمه وتستحضره إلى دنيا الحقيقة التي تحاوطه، مات صاحبه براوني وريتا هي الأخرى تتأهب لرحلة فنائها، وهو يقف مكتوف الأيدي، لا يقوى على تغيير أي شيء، وبدءا من هذا الشعور يتكاثف ظهور لقطات الاحتكاك المثير للقلق بين المدنيين الفلسطينيين والعسكر الإسرائيلي بين شوارع المدينة، وكأن الحلم إنتهى، والفترة الغيبوبية ولت، هذه هي ماهية العالم المحاوط لزياد والذي كان يأنفه وينأى بنفسه عنه مرارا متعاميا عنها بقدرته على الحب.
جزئية أخرى، عبر عنها السيناريو في صمت وعذوبة متفردة، هي علاقة الطبيب بالصحافية التي لا تتورع عن مساعدة زياد ووالده بعد موت براوني. هذه العلاقة التي ترك لنا السيناريو مساحة فضفاضة للتفكير بها، عندما نقلها لنا بعيون زياد، مما ادخل عليها شيئا من الريبة وعدم الإرتياح، فبعد موت براوني، يتعرض زياد لتهديد آخر، فهو قد يفقد والده عندما يتزوج من هذه الأجنبية التي تلاصقه أينما ذهب، ساهم السيناريو في أن يعزز هذه المشاعر المتضاربة لدينا نحو هذه العلاقة، بينما اختزلها بين الإثنين في صمت، نظرات عيون تشي بنوع من السلام والرغبة، كلمات كثيرة تُقال لا يصل منها إلى مسامعنا شيء، بينما نرتقبها من على مبعدة مثلما يفعل زياد. هذا السكون أضاف رونقا قويا للرابطة التي تجمع الوالد والغريبة، منعكسة بدورها على حالة الفيلم بأكمله.
فضلا عن المشاعر التي يكنها الأب ‘صالح بكري’ لإبنه زياد، فهو يتعلق به، ولا تقف عاطفته تجاهه عند حد غريزة الأبوة، فمثلما يفرغ زياد طاقته في حب ريتا وبراوني، فالأب هو الآخر يصب كل ما يملكه في حب هذا الإبن الوحيد، يتأثر بغضبته ويهتم لحزنه، وتؤرقه رغباته التي يعجز عن تلبيتها له، يظل كالمجنون باحثا عن علاج لمشكلة إحجام ريتا عن الطعام، ليس بدافع الرغبة في حماية هذا الحيوان الضغيف وكفى، بينما لإنقاذ ابنه في الأساس، ولهذا كان من الطبيعي أن يتجرأ الأب على فعلته التي قام بها في آخر الفيلم، عندما نجح في أن يجلب بطريق غير مشروع زرافة أخرى لتؤانس ريتا، باعتباره الحل الوحيد لكي تأكل من جديد، ببساطة أخبر ولده أنه ‘راح يسوي معجزة’ وبالفعل قام بها، ولم يهمه العقاب الذي ناله، قدر رغبته في أن تعاود ابنه الحياة تارة أخرى.
الجانب المظلم
ثمة شخصيات لم يعبأ بها الفيلم، قدمها في نصف إطلاله فبدت سمجة أكثر من اللازم، مثل شخصية بائع السوداني والتي اداها النجم الكبير ‘محمد بكري’، فوجودها كان يصطبغ بالسمة الوعظية طوال الوقت، وكأنها مفروضة على السيناريو، ولا تُقدم أي إضافة، حتى في مشهدها الأبرز مع زياد، لم تفت المناقشة التي قامت بينهما من عضد الولد، ولم تساهم في رجعته عن قراره بالإضراب عن الطعام مثلما فعلت ريتا.
الفيلم في المنتصف أصاب إيقاعه بعض الترهل، فالقصة المطروحة كانت في حاجة إلى التكثيف في وقت أقل، لتتضاعف حدة وقعها على المتفرج، ولكن ما حدث في المقابل، أن منتصف الفيلم أصابه خواء واضح، وبالتالي ظهر شعور بالملل، أكل من الرونق الذي تقدم به الفيلم في البداية، وخلق بعض الاضطراب حياله، حتى بداية رحلة إحضار الزرافة التي ستُعايش ريتا.
آخركلمتين:
ـ زياد في النهاية، يُقر بكلمات والده عن الصدفة، والده الغائب الذي قبضت عليه القوات الإسرائيلية، بعدما حقق له معجزته التي كان يبغيها، نعم زياد الآن سعيد، لأنه قرب ريتا وروميو (الزرافة الجديدة) إلا أنه لم يعد يقبل عالمه الذي كان، وثمة براءة وحالمية كان يملكها انتفت عنه بغياب والده، بات الآن يؤمن بالصدفة، بات الآن يؤمن بالقدر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية