ماذا تنتظر فصائل المعارضة الفلسطينية التي لا تزال تعلن عن تمسكها بعضويتها بمنظمة التحرير الفلسطينية؟ فهذه المنظمة انهارت وتلاشت وانتقلت إلى رحمة الله وقرأنا الفاتحة على روحها. أما نحن فقد استبشرنا خيرا عندما شاهدنا عصابات الأجهزة الأمنية وزمر القمع والبلطجة وهي تهاجم الذين احتشد وا في قاعة ‘البروتستانت’ برام الله من قيادات هذه المعارضة وبعض المستقلين من الشخصيات الوطنية التي حضرت لتشاركهم في ذلك المؤتمر الصحافي، الذي ظنوا أنه سيكون منبر حرية وديمقراطية وحتى يعلنوا من على منصته عن رفضهم لذهاب السلطة إلى مذبح المفاوضات المباشر الذي نصبت مقصلته وأصبحت جاهزة لاستقبال من لبوا الدعوة الأمريكية للحضور في الثاني من ايلول/سبتمبر القادم. الجرذان التي خرجت من جحورها لتغتال الديمقراطية والحرية وحق إبداء الرأي تحقق لها ما تريد، وأخرجت الحاضرين بالقوة والزعرنة، ولاحقتهم إلى الشوارع المحيطة بالقاعة، ومنعتهم من عقد مؤتمرهم، وضربت الصحافة ووسائل الإعلام، وحطمت الكاميرات التي جاءت لتصور وتنقل الحدث. اليوم الأسود يقترب، ورئيس السلطة ومن معه من فريق المفاوضات يستعدون لمغادرة البلاد بعد أن أصدرت لهم من سلطات الاحتلال التصاريح وأذونات السفر، ومن يهن يسهل الهوان عليه، وبالتالي فلن يتأثروا ولن يفزعوا ‘لخيال المآتة’ الذي حاولت قوى المعارضة أن تقيمه لهم على أمل أن يردعهم ويخيفهم، فقد داسته وحطمته أقدام الفاسدين من أفراد وعناصر درك وجندرمة هذه السلطة التي وضعت الآن كل أجهزتها في حالة استنفار قصوى لضرب وإفشال أي تحرك يمكن أن يعكر عليهم الأجواء، فهذا وعد قطعوه على أنفسهم وتعهدوا به أمام الأمريكان والصهاينة بأن يكونوا على مستوى الثقة التي وضعها فيهم الجنرال دايتون، وها قد جاءتهم الفرصة للإعلان عن ولائهم وانتمائهم الفعلي فاغتنموها وأبدعوا في تنفيذها. توقعنا، ولكن خابت توقعاتنا وذهبت أدراج الرياح، ويبدو أن الليالي الملاح التي تعيشها هذه الفصائل مع هذه السلطة لا تسمح بأكثر مما حاول الجماعة القيام به، ولذلك عادوا إلى مضاجعهم ليغطوا في نومهم وشخيرهم، بالتالي سقطت كل المراهنات التي راهنت على أن الحدث لن يمر بسلام، قلنا بداخل أنفسنا اننا سنرى مظاهرة أو اعتصاما وحلقات احتجاج على هذه الفعلة النكراء، ولكن ومع بزوغ شمس اليوم التالي، سرعان ما اكتشفنا اننا ذهبنا بعيدا في التوقعات وانتظرنا تحركا أو حتى تململا في أوساط ‘قواعد’ هذه المعارضة في مدن وقرى الضفة ولكن شيئا من هذا القبيل لم يحصل، وهذا يعني أن نغمة ‘ماكو أوامر يا عبدالله’ عادت من جديد، ولم تصدر هذه الأوامر ولا حتى توجيهات من هذه القيادات التي لا تزال تتربع على مقاعد المكاتب السياسية واللجان المركزية!
ليست هذه المرة الأولى التي يذوب فيها ثلج هذه الفصائل ويتكشف الغطاء عن مرجها اليابس والمقفر، وتتعرى معارضتها الضعيفة والهشة، فهم أعجاز نخل خاوية لا روح فيهم ولا حياة، ولذلك سيغادر الوفد الفلسطيني إلى واشنطن وهو مطمئن ومرتاح، ولن نبالغ إذا ما قلنا ان هذه الفصائل قبضت العيدية من الرئيس قبل سفره، والذي لا شك في أنه ومهما أجزل في العطاء لها بمناسبة العيد فلا بد أن يخصم عليها ومن باب دفع الغرامة على ما حاولت القيام به والمشاكسة التي أقدمت عليها وما تسببت به له من ازعاج حتى يكسب سكوتها، فهل نتجنى على أحد إذا ما قلنا ان هذه الفصائل لا علاقة لها بالمعارضة لا من قريب ولا من بعيد، بل هم شركاء ويتقاسمون الخراب والدمار الذي سيحل بالبلاد والعباد جراء هذه الجولة القادمة، والتي يرجح كل المراقبين والمحللين على أنها ستكون الأخطر منذ أن جرت عملية الارتهان والانخراط بمؤامرة أوسلو ومدريد وحتى وقتنا الراهن. في الثاني من ايلول/ سبتمبر سوف تنزل قيادات هذه المعارضة للتسوق، وشراء لوازم العيد من ملابس وحلويات وبعد أن خرخش المعلوم في جيوبها، ومن المؤكد أنها سوف تشارك في صلاة العيد التي سيتولى قراءة خطبتها وزير الأوقاف الهباش الذي لم يدخر جهدا في الفترة الأخيرة لتضييق الخناق على الإسلام والمسلمين، ولكن المساجد التي ستبقى تصدح مآذنها بالتكبير الصادق من حناجر الرجال الذين ما ركعوا ولا سجدوا إلا لله الواحد القهار، والذين ستبقى المقاومة معقودة بلوائهم، وسيبقى الأمل مناطا بهم وبسواعدهم ولذلك فلهم وحدهم سندعو في ليلة القدر، إنه هو السميع المجيب، أما الباقون فهم غثاء السيل ما لم يرتقوا بمعارضتهم إلى مستوى الطموحات التي يحلم بها شعبنا.
د. امديرس القادري