وستتوطد العلاقة بين الثلاثة مع اللقاء الثالث عام 1951، بعودة بولز الثالثة إلى فاس والسفر معا إلى إسبانيا التي سيقف فيها يعقوبي على أعمال هيرونيموس بوش ويزور متحف بْرادو. ينظم له صديقه معرضا بوكالة غاليمار بطنجة وتعرف أعماله نجاحا منقطع النظير. وبتطوان سيلتقي بالفنان روبرت روشنبرغ المقيم آنذاك بالمدينة. وفي سنة 1952 يصحبه بول بولزمعه في سفر دام ستة أشهر، إلى الهند وسيلان، ثم إلى إيطاليا التي سيظهر فيها في فيلم هانس ريختر وجان كوكتو (8 في 8)، وبعدها في فيلم مع جان فوندا. سيحلان ضيفين على بيغي غوغنهايم، بقصرها في فنيسيا. وأثناء عودتهما إلى طنجة سينظم له بولز معرضا برواق بيتي بّارسونز، بنيويورك أبريل نفس السنة. لتتوالى معارضه سنة 1953 بكل من كلافلاند، فيلادلفيا، نيويورك، ستامفورد، ويست بورت، وسيتعرف على مونتغومري كليفت، غلوريا فاندر بيلت، تينيسي وليامز وهيلمان… اهتمت به الصحافة في ظل هذا النجاح الغامر، مولية اهمية كبرى لعوالمه الفنية، لطاقته ولنضج رؤيته التي يمزج في تعبيراته عنها بين الواقعي والسحري، الملموس والمجرد ومستواهم المجرد، خصوصا بعد اقتناء متحف الفن الحديث بنيويورك زمتحف باريس لبعض أعماله.
وفي سنة 1954، سيرافق هذه المرة بولز وتينيسي وليامز إلى إسطنبول، وسيعرض أعماله المنجزة فيها، بطنجة، نفس السنة، برواق بروفونسا. ومنها إلى سيلان، سنغفورة، ماليزيا، هونغ كونغ، اليابان، وكينيا فيما بعد. وسيلتقي مع الفنان فرنسيس بيكون خلال زيارته إلى طنجة سنة 1955، سيرسمان معا احدى اللوحات، وسينظم له بيكون معرضا برواق هانوفر (1957) ومع روثْ، الفتاة الأمريكية التي سينجب منها، بعد زواجهما، ابنته كريمة (المتوفية سنة 2004 بلندن عن أربعة وأربعين سنة) التي لن يراها إلا بعد ثلاثة عشر عاما، منذ أن رحلت بها أمها إلى أمريكا ولم يكن عمرها يتجاوز الستة أشهر. بعد معرضه بالبرازيل، سيهاجر إلى أمريكا سنة 1966 وسيقيم بها إلى حين وفاته يوم 25 ديسمبر 1985، وعمره سبع وخمسون سنة…
في أمريكا توالى اشتغاله الفني، انتهت علاقات وبدأت أخرى، ارتخت علاقته بصديق عمره الفني وحياته؛ ونمت ثانية مع زوجته الثانية، كارول كانون، التي دامت سبع سنوات، تمخض عنها معرضان مشتركان… كان الرسام، ناسج العوالم السحرية، الغرائبية والسريالية، يتخفى وراء عدد هائل من الأعمال الأدبية التي أصدرها بول بولز، مثل ‘الرجل والمرأة’ (1956)، ‘ الرجل الذي يحلم بسمكة تأكل أخرى’ (1956)، ‘اللعبة’ (1961) وغيرها من الأعمال المسرحية الأخرى..
في خضم هذه الحياة القصيرة زمنيا، التي منحت ليعقوبي موقع الرواد في التشكيل المغربي، والتي عاش فيها كالضائق بالمكان الواحد، كأن الإبداع لا يأتي في الإقامة، حدث له أن اقتنع بالعودة إلى بلاده من طرف أحد أصدقائه العابرين، الذي نظم له ببيته معرضا دعا له نخبة الدار البيضاء، كما يروي كمال لخضر في كتاب ‘نظرات خالدة’. في مطار النواصر منع من الدخول إلى بلاده، لأن عليه أن يؤدي واجبات ضريبية على لوحاته، على شيء من صميم كيانه وروحه كما قال… بعد تدخل جهات عليا في البلاد، أقيم الافتتاح الخاص. بعد بضع دقائق، انسحب ‘العارفون’ الذين عضوا أصابعهم عندما رأوا أعمال يعقوبي تقتنى في أهم أروقة أمريكا ومتاحفها، ولم يبق سوى بعض الهواة المتنبهين لموهبة مماثلة، العارفين بأن الفن الحقيقي صادم دائما…
حياته، بكل حكاياتها، وتلك واحدة منها، حياته الحقيقية أقصد، تفيدنا أن فعلا ما يخلد هو ما يؤسسه المبدعون بتحريف صغير لعبارة غوته… لأن الإبداع هو ذاكرة الناس والعالم، هو الطاقة المحرّكة ليوتوبياهم، القادرة على تحويل متخيل الناس ورفعه إلى مستوى الإحساس والوعي القادرين أيضا على تغيير العالم… ولأنه كذلك، فإنه يلغي الزمن، يصيِّر الحياة حيوات، يلغي الحدود ويصب الناسَ في نهر الإبداع الذي لا حدود فيه، يعمّق حسَّهم المشترَك مع غيرهم في أصقاع الأرض، يؤسس لغة أخرى ويجعل الأموات معاصرين لنا… تجد كل هذا في أعمال السباقين في تاريخ فننا بالمغرب، كما تجد فيه احترام الغريب فيهم وإنعاشه في خيالهم على الدوام.
إن أثر يعقوبي الفني يثير فينا الكثير من الأسئلة التي سننساها عما قريب وسنعوضها بأشياء بعيدة عن الفن تماما، أشياء ستنبع من القيم التي راحت تستقر يوما بعد يوم في أذهاننا، كمبدعين ونقاد… وربما في هذا ما يكفي اليوم لتذكّر أحمد يعقوبي وحياته التي كانت في العمق أثرا فنيا حقيقيا.
*ناقد وتشكيلي مغربي