عيونٌ تترقرق العبرات داخلها، وينساب لظي الزمن الظالم فوق أريج الأوجه الظاهرة، أمهاتٌ ثكالي يبكين ما تبقي من انساننا العربي، ترثي جسداً وروحاً طاهريْن بعد أن جفّ الضمير العالمي، وتوقف نبضُ الأخوة المنشودة، وليل تحاكيه أيام عمرٍ يمضي بين أنات اليتامي. كم من نفوسٍ يسكنها ألم المشاهدة، وكم من جسد يقطنه وجع الصراخ، صراخ أمّ تبكي شهيدها في لحظة وداعٍ قاهر، تلك الدموع لم تتوقف لدي أعين نساء العراق، أو جنوب لبنان، أو فلسطين، ولماذا؟ لأنهن أنجبن ثمرات حقّ لا تزول. المجازر الوحشية باتت حقيقة وليست مسلسلاً درامياًَ أبطاله لا يحيون لحظات مرارة الواقع، لكننا سنتوقف عند وجهٍ آخر للحقيقة، حقيقةٌ يأسف اللسان أن ينطق بها، ويحزن الذهن أن يرتب أفكارها.
لم تتردد أمهات الأسري والشهداء الفلسطينيين في استصراخ العرب وفي توجيه النداء لمسلمي العالم للوقوف بجانبهن ضد أعداء الاسلام والعروبة مع أننا كمشاهدين فقط وكمستمعين لتلك الاستغاثات، فاننا نقوم ونشكر الله ان جيراننا من أبناء شعبنا يستصرخون غيرنا، ولا يخطر ببالهم أن هناك فلسطينيين غائبين عن المشاهد، ويعيشون في كوكب آخر برغم أن الأرض واحدة.
فقد خاض الشعب الفلسطيني انتفاضاته الباسلة وضحّي بخيرة أبنائه، لكن هناك عيناً ما بكت وقلباً ما شعر بأن الموت يجتاح أخوته، فمتي كانت المشاركة في مشروعٍ ما بلا رأس مال؟ ومتي كان الايراد بلا تكلفة؟
قد يكون ذاك فقط عند مغتصبي الثورة، فهناك من يري أن في سهرةٍ ليلية بكأس خمر أو بورشة عمل حول الحرية قمة الفروسية، وهناك من لا يعلم أن حرباً تدور في أرض فلسطين، وخير دليل علي ذلك أننا لو تجولنا ليلاً في مقاهٍ ليلية لرأينا شعباً آخرَ، قد لا يتكلم العربية بدقة. ولو قام أحدٌ بزيارة الي فندق ما في أرضنا المحتلة لفوجئ بورشة عمل أو ندوة تُنظم تحت عنوان لا طائل ولا فائدة منه للشعب المحروم سوي أن اسمه ملصق علي مداخل الفنادق، ونري في ذات الحين أن غداءً فاخراً يُرمي في سلة المهملات، بكل أنواع اللحوم والسلطات. هنا يكمن الفرق بين نضال شعب يموت وبين نضال قوم ما بعد درجة التضحية في سلم الدرجات، وفي ترقية ما بعد مغامرة القهر والجوع والحرمان التي عاشها ويعيشها شعبنا المكابد.
وكل ما يُصرف من أموال لا حصر لها ينتهي في أيدي مجموعة واحدة، وبالتالي يستأثر المسأثرون ويموت المناضلون، ويعيش من أدرك كيف يخون. في مركبةٍ لذوي الدخل المحدود، توقفت امرأة تحاور جليستها، فقالت: كم سنة حُكم علي ابنك في السجن؟ فترد الأخري: الحمد لله، لقد خففوا الحكم الي خمسة وعشرين عاماً. فلمَ يبيت البعض في ملاذ دافئ وآخرون خارج منازلهم؟ ولمَ يعيش شخصٌ ويموت آخر؟ ألسنا شعباً واحداً؟ مع العلم أن أملاك من لا يكترث بظروف الشعب الانسانية من أرضٍ ومتجر وآخري أكبر وأكثر قيمة من أملاك من يناضلون في وجه ترسانة الاحتلال.
أخيراً فان علي أمهات شهدائنا وجرحانا أن تستصرخ شعبنا قبل غيره وأن نتوقف عند معاني النضال والحرية والاباء، وأن يشعر كلٌ بمن يموتون من أجل أن يبقي. رياض أبو بكر فلسطين[email protected] 6