عصام عبد الله
بلغت العقدة في الساحة اللبنانية بين المعارضة والموالاة حد عدم الرجعة. فالمعارضة لا تستطيع انهاء الاعتصام من دون الحصول علي مكسب سياسي تستطيع ان تقدمه الي الجماهير التي وقفت معها، والموالاة لا يمكنها ان تتنازل عن حقوق سياسية تمسكت بعدم التخلي عنها، والا لفعلت ذلك قبل لجوء المعارضة الي الاعتصام، فضلا عن المخاطر والمحاور التي يمكن ان تدفع بلبنان اليها.
من هنا فان اي حل بين الطرفين يجب ان يكون اكبر من كليهما، ويجب ان يكون الضامن لهذا الحل مقبولا لدي الجانبين.
واذا تم عرض مواقف الطرفين علي واقع الخطابات المتبادلة يتضح ان قوي المعارضة تنطلق من قواعد باتت تشكل ثوابت لديها لا يمكنها التراجع عنها، وفي مقدمها:
ہ ان الحكومة الحالية لن تتوقف عن الحديث علي انهاء سلاح حزب الله، تحت اي ذريعة كانت. الحوار، استراتيجية الدفاع، الانضواء في الجيش اللبناني، اعتبار المقاومة بمثابة حرس وطني، انسحاب اسرائيل من بلدة الغجر ومزارع شبعا، اذا تم. وغير ذلك من الصيغ التي سيكون مؤداها في نهاية المطاف، نزع سلاح حزب الله من المقاومة.
ہ انه لا يمكن القبول ببقاء رئاسة الجمهورية علي النحو الحالي، وبالتالي، فانه يجب اعادة الاعتبار لرئيس الجمهورية من خلال ازالة المقاطعة عنه من الداخل اولا تمهيدا لازالة هذه المقاطعة من الخارج، وهذا يكون من خلال مشاركته في اي صيغة حكومية مقبلة، بحيث يكون الثلث المعطل بيده. وتعتبر المعارضة ان موقف رئيس الجمهورية اميل لحود مع المقاومة، منذ توليه مهامه الدستورية، كان عاملا مساعدا في تغطية المقاومة وحماية سلاحها والدفاع عن موقعها في الداخل والخارج. واقل ما يمكن ان تقدمه المعارضة للرئيس لحود ان تعيد له ما خسره من حراك سياسي نتيجة هذه المواقف.
ہ انه لا يمكن القبول الا بمشاركة حلفاء حزب الله في حكومة الوحدة الوطنية، من التيار الوطني الحر، الامير طلال ارسلان، سليمان فرنجية والحزب السوري القومي الاجتماعي، فضلا عن حركة امل، بالنظر الي المواقف التي اتخذوها الي جانب المقاومة، تأييدا ودعما ومشاركة.
هذه هي ابرز النقاط التي تتمسك المعارضة بتحقيقها بنتيجة الاعتصام الذي اعلنته كي توافق علي العودة عن الاعتصام.
في المقابل تتمسك الحكومة والموالاة بمبدأ الديمقراطية علي قاعدة الاكثرية النيابية التي تملكها في المجلس النيابي، وهي تعتبر ان نزولها عند مطالب المعارضة يؤدي الي المخاطر التالية:
ہ ان بقاء سلاح حزب الله من دون سقف سياسي يضمن حركته وقراره السياسي، قد يحول هذا السلاح الي الداخل اللبناني وفق اجندات ومصالح اقليمية، اذا اقتضت الظروف. وتعطي الحكومة والموالاة امثلة مختلفة من الحرب اللبنانية علي كيفية انتقال السلاح من جهة الي اخري ومن موقع الي اخر وفق التداخلات الدولية والمناخات الاقليمية. وبالتالي، فان الحكومة وحدها، والسلطة وحدها يفترض ان تحمي لبنان. والمثال علي ذلك، ان سورية التي ترتبط باتفاق امني مع اسرائيل تعيش حال استقرار وثبات، لان الدولة والسلطة والحكومة تملك السلاح وحدها، مما يحمي قرارها السياسي ويحصن امنها الاجتماعي والاقتصادي وحرية الناس وامنهم واستقراهم.
ہ اما في ما يخص رئاسة الجمهورية فإن اركان الموالاة يعتبرون ان لديهم شكوكا في مشاركة او موافقة الرئيس اميل لحود بجريمة اغتيال الرئيس الاسبق رفيق الحريري، وان كل التقارير التي قدمت الي مجلس الامن الدولي، سواء من المحقق الالماني الاول ديتليف ميليس او البلجيكي الحالي سيرج براميرتس، تشير الي مسؤولية لبنانية وسورية في الجريمة، تخطيطا او تنفيذا.
وبالتالي، فإن الحكومة والموالاة لن يتخليا عن قرار التعامل مع رئيس الجمهورية علي قاعدة معالجة اوضاع الناس، من دون الموافقة علي اعطائه حرية القرار السياسي او الحركة السياسية، والاستمرار في مقاطعته او في اعطائه اي دور.
ہ ان الحكومة الحالية لا تعارض مشاركة المعارضة في الحكومة بدليل ان وزراء حزب الله كانوا في الحكومة قبل ان يستقيلوا. كما ان الحكومة عرضت علي التيار الوطني الحر الذي يترأسه العماد ميشال عون ان يتمثل في الحكومة باربعة وزراء، لكن المشكلة في طرح المعارضة انها تريد الحصول علي الثلث المعطل.
وتبعا لما تقدم فإن البون شاسع بين الطرفين، وان المعالجات التي بذلت من اكثر من جهة محلية واقليمية ودولية لم تصل الي نقطة تجمع بين الطرفين تؤسس لانطلاق اي حل، علي الرغم من مبادرة البطاركة الموارنة التي رحب بها الجانبان، كل من وجهة نظره.
من هنا، فان اي حل يجب ان يقوم علي النقاط التي لا يمكن للطرفين التنكر لها او المجادلة فيها او رفضها، وهذا يكون وفق التالي:
أ ـ بما ان الطرفين يشيدان بموقف الجيش اللبناني ونجاحه في العمل علي حماية الامن والاستقرار الداخلي في كل المراحل ومع كل الاطراف وفي كل المراحل، ب ـ وبما ان الجيش اللبناني اظهر قدرة فائقة في التعامل مع الظروف الصعبة التي واجهها نتيجة الحرب الاسرائيلية واثبت قدرة فائقة علي الانتشار وتأمين الامن والتعامل مع القوي الدولية والمحلية، وحتي مع العدو الاسرائيلي، من خلال ابعاده الي الحدود الدولية بعد محاولات حثيثة لتجاوزها في اكثر من منطقة، ج ـ وبما ان قائد الجيش الحالي العماد ميشال سليمان اظهر مناقبية عالية في التعاطي مع القضايا السياسية اللبنانية من دون ان يكون له اي تدخل فيها الا من زاوية حماية الامن والحفاظ علي حقوق جميع الشرائح اللبنانية باستخدام الوسائل الديمقراطية، حتي انه بات ليلة في الجنوب في خيمة تابعة للجيش، من منطلق القول بأن هذه الخيمة تحمي الحدود ومن الحدود يمكن حماية الداخل، د ـ وبالنظر الي ان المرحلة الراهنة وصلت الي حال من التعقيد باتت تتطلب معالجات استثنائية وفوق العادة، لذلك، فان الحل الممكن والمقبول من الجميع والذي يمكن ان يساهم في الخروج من الازمة الراهنة ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي السياسي علي الساحة اللبنانية يكون وفق التالي:
دعوة مجلس النواب الي الانعقاد لاجراء تعديلين دستوريين:
الاول: تقصير مهلة رئيس الجمهورية الحاليالثاني: الموافقة علي اجراء تعديل دستوري، لمرة واحدة، يجيز لموظفين في الفئة الاولي الترشح الي منصب رئيس الجمهورية.
ثم انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.
ووفق الدستور اللبناني، فان الحكومة اللبنانية تتقدم باستقالتها بعد الانتخاب ويعمد الرئيس الجديد الي اجراء استشارات نيابية ملزمة حول شخصية رئيس الحكومة الجديد، ويكون البيان الوزاري للحكومة المفترضة علي قاعدة ايجاد قانون انتخابي يؤسس لانتخابات نيابية مبكرة. وبذلك، يبدأ الحل ويعود الجميع الي الحياة السياسية من خلال المؤسسات والاحتكام الي آليتها الديمقراطية بمعزل عن الشارع واحتقاناته ومخاطر الاستمرار فيه.
اعلامي لبناني ـ لندن8