اعماله قرابين لحالات من العنف الفني

حجم الخط
0

شعرية العنف عند فرنسيس بيكون:

سعيد بوكرامي

1في قصة للكاتب الأمريكي تينسي وليامز يستسلم شخص أبيض وبقدسية روحية مطلقة ـ وكأنه يقدم نفسه قربانا لمحو ذنوب البيض اتجاه السود ــ الي شخص أسود يعمل في احدي حمامات التدليك. في البداية يعنف الأسود الأبيض الي حد بعض الكسور ثم بعد ذلك يلتهمه في غرفة معزولة داخل فندق متواضع. نحس في القصة أن كل واحد منهما يقوم بما كان عليه أن يقوم به اذ ليست هناك أزمة ضمير أو علي الأقل نحس بذلك بل هناك هاتف وحيد يدعوهما الي الخلاص.

استدعيت بدوري هذه القصة وأنا أحاول قراءة أعمال الفنان الايرلندي المولد الانكليزي الهوية فرنسيس بيكون (توفي سنة 1992) ذلك الرسام الغريب الأطوار الذي قضي حياته الفنية برمتها يلتهم بريشته وجوه وأجساد من يرسمهم وكأنه ينجز قداسا بدائيا محولا كل موتيفاته الفنية الي قرابين ووسطاء حالات من العنف الفني، عنف يتمثل الصراع الأبدي بين الشر والخير وربما بين الشر والشر نفسه.2دمر بيكون في لحظة ما من لحظات الاعاقة عن البحث الفني لاجتراح تصور وصياغة جديدة أغلب لوحاته منددا بالصمت والقسوة والقبح الذي يحيطه والذي بدوره يصبح قلقا انسانيا وعنفا وجوديا.

يحب بيكون التسكع في الظلمات السحيقة لهواجس الانسان وتصوراته الكارثية ومن جملتها ما أنتجه من كتابة ورسم تجسد حالات الصلب أو الحرب أو الجريمة أو الأجساد العارية التي يغص بها الفن الأوروبي. عن هذا المنجز وبهذا المنجز حاول بيكون بناء تصور فني كارثي لا للتدليل علي أن الانسان منذ وجوده في الحياة وهو يتلذذ بصناعة الفاجعة وكلما ازداد احساسه بالذنب ازداد الحاحه علي الانتحار في الحياة أو من اجل الحياة هاربا منها إلي حد الاستسلام أو مقبلا عليها إلي حد الغطرسة.

تحولت تصورات بيكون الوجودية الي تصورات فنية مؤمنا بأن العنف الفني ينبغي أن يكون مختلفا عن العنف في الحياة فهو لن يحيي الماضي ولن ينقل الحاضر. ما سيفعله بالتأكيد هو تحويل الاحساس بالعالم الشاذ والانسان المشرد الي صورته الحقيقية أي تمزيق تلك الأقنعة التي يتخفي وراءها الكائن المعاصر.3في مرحلة من مراحل ابداع فرنسيس بيكون قدم للوسط الفني متتاليات خصصها للفم بجميع أشكاله الغرائبية لكن ما يوحد هذه الأشكال هو الامتداد الانحنائي للأعناق التي يتصدرها فم مفتوح يهيمن علي سيماء الأشكال الي أن يغدو رؤوسا مستقلة بشكلها بعضها علي هيئة ديناصورات وأخري علي هيئة طيور ضخمة. الطابع المميز لهذه الأفواه أنها مفتوحة علي الصراخ والعويل. من وسط خلفية اللونين الأحمر والأصفر (المفضلين عند بيكون) تمارس هذه الكائنات تفجعها الأبدي. لكن لم هذا الصراخ الحاد ومن أفواه عارية من الملامح والمؤشرات الدالة علي الآدمية؟ لعلها صورة عن الألم الطاعن في القدم المترسخ في التاريخ الانساني منذ أقد العصور. يقدمها بيكون بطقوسه الداكنة كصدي للألم والاحباط والقبح الذي تحول اليه الانسان المعاصر. 4يقول بيكون عن أعماله المخصصة للبورتريهات: (الطريقة النموذجية لانجاز البورتريه هي أن نأخذ ملء اليد صباغة ثم نلطم بها القماش علي أمل أن يكون الوجه المطلوب أمامنا) طريقة غريبة تخرق طرائق فن التصوير التقليدي التي تشتغل بالخط فوق الخط وكأنها تحيك شيئا ما. ضد كل ذلك وظف بيكون التصوير الفوتوغرافي كسندات ثم قام بتشويه ملامح البورتريهات، جردها من آدميتها في قمة الاستقلاب نحو التلاشي والعدم وكأنه يسلخ جلودها تدريجيا أو ليس هو القائل: نحن هياكل عظمية بالقوة. عندما أذهب عند الجزار أجد دائما الأمر مستغربا أن لا أكون أنا هناك مكان الحيوان؟.

يعرض بيكون وجوها مقشرة من ملامحها كأنها تتجرد من كل ما يشكل خصوصيتها وهويتها وتميزها الظاهري يعرضها ضائعة في حقيقتها ومشردة عن عالمها المستعار. في سنة 1976 يقدم هذه المتتالية الثلاثية الاحتمالات: وجه واحد بنسخ ثلاث ممحوة السمات، مسحوقة بضربات ملساء مضغوطة بقوة وجوه ضائعة في مرآة الحقيقة تمحو بدورها ما تبقي من ملامح الانسان المعاصر. أحيانا لا نري الوجه الحقيقي، نلاحظ فقط نسخا مشوهة عنه مغبشة وراء بعد من الترميز والايحاء بغياب البعد الانساني في الانسان وأن حقيقته الداخلية هي تلك التي يواريها خلف مساحيق الحياة. يحاول بيكون في منجزه الفني بصفة عامة استكشاف هذه الاحتمالات دون تردد وباصرار خارق علي رسم ذاته نفسها وتقديمها في أوضاع مختلفة دون أقنعة في محاولة منه للحفر في سيرته واسمه أيضا. يقول بيكون: لقد أنجزت عددا كبيرا من الرسوم الذاتية (الأطوبيوغرافية) لأن ما حولي من البشر قد مات مثل الذباب ولم يتبق شيء أرسمه من حولي سواي. هنا يشير بيكون الي عزلة واغتراب الفنان وسط مجتمعه الآفل بالقيم الانسانية الي مزيد من الكوارث والدمار.5بالتأكيد هذا الاحساس هو ما دفع بيكون الي تخصيص لوحاته بموضوعة أو قناع الموت باستمرار. تتدافع الوجوه في موكب جنائزي كأنها خارجة للتو من قبورها. لا ريب أن الدلالة المقصودة من ذلك تقديم صرخة من العوالم الداخلية للانسان ضد القيامة النووية المؤجلة و السقوط والمسخ والجريمة المقترفة في كل مكان.

خطوط علي الجلد بل أخاديد دقيقة وتحكمية وطمسية لمعالم الوجه الآدمي العائم باستمرار في خلفية اللوحة السوداء. تجربة جديدة أطلقها بيكون بالاعتماد علي موتيفات الصور الفوتوغرافية التي تقدم ضبابية الوجه كأنها تعكس روح الجسد وليس الجسد نفسه. يذكرنا هذا بتجربة المصور الفوتوغرافي الشهير (جرد بونفير) الذي يعتمد في أعماله الخلفية السوداء والضوء الساطع لمحو ملامح الموتيف المصوّر. في لوحات أخري نجد أشخاصا آخرين وفي وضعيات عادية أو اعتيادية علي الأصح تقوم بطقوسها اليومية وفي وضعية نوم أو جلوس علي مقعد أو سرير أو في الحمام. يأتيها بيكون بلطخات ملونة بألوان فاقعة تاركا للمشاهد دهشة التلقي التي تلتقي بدهشة الفنان وغرائبية أحاسيسه الفنتازية. هي في العمق صدي متخيل ذهني محاصر بالحلم والكبت. يقول بيكون: أتمني أن يكون بمقدوري أن أنجز وجوها تخرج من جلدها.

وهو يقصد الانسان الغربي الذي يرفض ازاحة أقنعته ليري حقيقته المغلفة بدوامة الحياة وادعاءات القوة والهيمنة والتميز. بينما الفقر والأوبئة والحروب تسحق شعوبا أخري هي في الأصل صراخ ضميره المزيف.

وجوه بيكون معذبة تتحمل بصعوبة أجسادها وتتوق الي الانعتاق من غزو آلام العالم العنيف. ففي وضعيات الجلوس أو الانحناء أو التأهب للنهوض تكاد تنطق رغبتها العارمة في الخروج حتي من لوحات بيكون الآسرة والمخلدة لعذاباتها. أما المتلقي فيبقي حائرا ما بين هذا التأهب للاختراق وهذا المسخ المقيد بأغلال الانسحاق والتحلل.6توق مشروع لكل كائن في حالة أسر وجودي: أسر الجسد الذي نرفضه لأسباب فيزيولوجية أو نفسية/ أسر مكان نرفض ضغوطاته الاجتماعية/ أسر أفكار، وتقاليد وعادات وتراث / أسر خطيئة/جريمة /أو احساس بالذنب… يجسد بيكون مثل هذه الحالات من خلال شخوص في وضعيات شاذة قد تبدو عادية لكنها داخل أقفاص حديدية. في هذه التجربة الفنية الفريدة لبيكون يغلب عليها الاطار القفصي المتوازي السطوح المنعدم الجوانب الداخلية وكأن الفرد المأسور هو من شيد حوله هذه القضبان. غالبا هذه كوابيس بيكون نفسه الفار علي الدوام وراء الادمان والقمار والليالي والانسحاق. تجربة ضياع فني واهدار روحي. يرفض بيكون بمكر فني أن يكشف دلالات لوحاته الصارخة بالعزلة والاغتراب ليحتمي بالخلفية التقنية: أقلص شكل اللوحة بتسطير هذه المستطيلات التي تؤطر الصورة لعلها تشاهد بشكل أفضل.

قد تكون هذه التفسيرات التي يطلقها بيكون هنا وهناك خلال معارضه الفنية تقنية مضادة تمسخ بدورها كل التأويلات التي تناولت أعمال بيكون مثل قراءات: ( جيل دولوز، فليب سولرس، فليب داجن، ميشيل ليريس…) مع ذلك فالعمل الفني قابل لتعدد القراءات لأن أفق المشاهدة يختلف من شخص لآخر. لهذا فشخوصه المسطحة تتحدث عوضا عنه، فهي تنطق عزلتها وعذاباتها متجاوزة ترسانة بيكون التقنية. طبعا تقدم في حالات استسلام وتلاشٍ. تعيش تمزقها فقط داخل ما صاغته لنفسها من أقفاص مضيقة لحريتها وأحلامها. انها أحيانا تصرخ هاربة من روتين الحياة وكوابيس الشقاء والعجز عن تحمل صراعات الجسد الأبدية.

تعددت التأويلات لأعمال هذا الفنان المحير بشخصيته المتمردة والعدمية. لكنها تتفق علي أن بيكون يجسد بعمق روح الغرب المعاصر المتفاقم والمرتد عن قيمه: التحرر من اللاهوت انقلب الي حرية كارثية، الرفاهية انقلبت الي طاعون مادي يلتهم الروح والطبيعة والانسان. الثقافة المتنورة تحولت الي سديمية وعبثية وانتحار. الاخاء والمساواة والحرية تحولت الي كراهية ورفض الآخر المختلف والي صناعة الأعداء.

باختصار ان لوحات بيكون تعكس الروح المتفاقمة والكاووسية لهذا العصر ولعل الصراخ المتكرر والألم المعبر عنه بالتحلل والتفسخ والحصار علامات دالة علي ذلك.

المراجع عن:BEAUX-ARTS. MAGAZINE. N- 147 JUILLET 1996FRANCIS BACON. HORS SERIE ED CENTRE GEORGES POMPIDOU. PARIS. ہقاص وناقد مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية