حين تصبح منتحِلة اسرائيلية ماما تريزا التي ستخرج الفن الفلسطيني من الظلال !
نجوان درويشحين تصبح منتحِلة اسرائيلية ماما تريزا التي ستخرج الفن الفلسطيني من الظلال !ليس انتحال باحثة اسرائيلية لأطروحات الفنان كمال بلاطة هي المناسبة التي كنت أرجوها للكتابة عنه؛ فاهتمامي قبل كل شيء بأعماله الفنية ودراسته للفن الاسلامي واشتغاله علي خلق لغة بصرية عربية واشاعتها مصطلحاً وثقافة؛ وأطروحته التي عالجت تاريخ الفن الفلسطيني بقراءة غير مسبوقة مبنية علي وسائل البحث العلمي؛ تلك الأطروحة التي حررت الفن التشكيلي الفلسطيني، من القراءات الضيقة المتعسفة التي أرّخت له بالنكبة (1948) أو حتي بانطلاقة الثورة الفلسطينية؛ مغيبة بذلك عشرات التجارب والحيوات الفنية التي أسّست للتجربة التشكيلية في فلسطين قبل نصف قرن علي الأقل من وقوع النكبة ـ كما أظهر بُلاطة في دراساته؛ مستذكراً الآن ذلك التأريخ التحليلي الممتاز في كتابه استحضار المكان لميلاد اللغة المحلية في التصوير من مدينة القدس.لقد كان الخطاب الثوري الستيني المسيطر آنذاك، خطاباً اعلاميا بالدرجة الأولي، وغير مهتم بالانصات العميق الي سؤال الفن وحقيقة جذوره وتحولاته؛ الا بقدر ما كان سؤال الفن يخدم أهدافه المباشرة المتماشية مع محمولات الخطاب الثوري الأبوي اذا جاز التعبير. وقد تجنّد فنانون أو ـ اذا شئنا الدقة ـ ناشطون في المجال الفني وموظفون في دائرة الثقافة التابعة لمنظمة التحرير، لخدمة هذا التوجه وفق ايديولوجيا هي ككل أيديولوجيا قاصرة ومتعسفة وخصوصاً حين يتعلق الأمر بالفنون. وفي هذا المناخ الذي اختزل المفاهيم الثورية الي شعارات كشافة ، في بيئة تندر فيها الدراسات الجادة، قدّم بلاطة أطروحته وواصل عمله علي تطويرها وتوسيع مداها؛ ونحن لا نجانب الدقة حين نقول أن بُلاطة وخصوصاً في حقل الفنون البصرية هو من القلة التي أعطت فلسطين وقضيتها في مقابل كثرة اقترضت منها! وعليه فالاهتمام بتجربته، هو أكبر من مجرد الرد علي باحثة اسرائيلية محتالة، قامت دون أن يرف لها جفن بسرقة جوهر أطروحة بلاطة البحثية في تأريخه للفن الفلسطيني والتي قدمها علي مدار العقود الثلاثة الأخيرة.فهي ـ أي غانيت أنكوري، الأستاذة بتاريخ الفن في الجامعة العبرية والأستاذة الزائرة بجامعة هارفارد الأمريكية، وبحسب زعم موقع الجزيرة الالكتروني باللغة الانكليزية الذي أجري معها حوارا تسويقياً في كانون الاول (ديسمبر) الماضي ـ تعدّ كتاباً رائداً في مجاله، والذي أخيراً سيُخرج الفن الفلسطيني من الظلال الي النور. يعني كما لو أنها ذهبت الي مجاهل الغابات واكتشفت أن قبيلة من أكلة لحوم البشر تمارس الفن أيضاً! (الحوار ـ كما يبدو ـ جزء من حملة اعلامية تقوم بها الباحثة والناشر كنوع من تغطية استباقية علي موضوع الانتحال) وقد تحدثت أنكوري الاسرائيلية في هذا الحوار وكأنها ماما تريزا الفن الفلسطيني، التي تكتب أول كتاب يُعرّف بالفن الفلسطيني (تعرفون نحن أمة زومبي المجهولة وها هي الاسرائيلية الحنون الطيبة تكتشفنا!)تستعرض أنكوري في حوارها مع الجزيرة قصة اكتشافها للفن التشكيلي الفلسطيني وجهودها في دراسته والتأريخ له (وهي بحسب مقدمة محاورها الأشوس في الجزيرة أخيراً ستخرج الفن الفلسطيني من الظل )، والحقيقة أن جهدها المضني الحقيقي الذي يستحق التنويه بالفعل، هو سطوها علي المجهود الفكري للفنان كمال بُلاطة الذي استغرقه أكثر من ثلاثة عقود من البحث والتنقيب، ودوّنه في كتاباته العديدة التي ظهرت في الموسوعة الفلسطينية (1989) و موسوعة الفلسطينيين (2000) ـ باللغة الانكليزية وفي كتابه استحضار المكان: دراسة في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر ( منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 2000) والذي هو في تقديري أهم مرجع عن الفن التشكيلي الفلسطيني وعلاقته بالمكان، ودراسات أخري منشورة في كتالوغات معارض ومجلات عالمية، كما أن بعض هذه الدراسات قد تمت ترجمتها الي اللغة العبرية. وقد فصّل بلاطة في رسالة ضمت تقريراً من احدي عشرة صفحة، وجهها الي أنكوري وناشرها، بلغة دقيقة وصارمة مواطن الانتحال وأساليب التمويه والتضليل التي أتبعتها الكاتبة الاسرائيلية في اخفاء مصدرها. وقد كانت الكاتبة قد أرسلت له مسودة الكتاب قبل ارسالها للمطبعة، تلبية للشرط الذي وضعه بلاطة حين قبل باجراء مقابلة معها، والذي اشترط أيضاً حق مراجعة ما يرد بخصوص أي استشهاد منه أو من نصوصه، وقد كان توجسه في محلّه تماماً! ہہہفي حوارها مع موقع فضائية الجزيرة الالكتروني ذهبت الباحثة الاسرائيلية الي ترداد سخيف لموشح يساري صهيوني مطوّر؛ مفاده أن الفلسطيني بني آدم ويمارس الفن، في شيء قريب من طريقة الممثلة بريجيت باردو نصيرة الخراف، ولكن بالطبع بريجيت أكثر شجاعة لأنها تتصدي للذين يذبحون الخراف بطريقة غير لطيفة، أما غانيت الاسرائيلية فهي معنية أكثر بـ التأريخ للفن الفلسطيني بوصفها مناضلة و مكتشفة أدغال!بالمناسبة، لقد صارت أنسنة الفلسطيني خطاباً رائجاً في السنوات الأخيرة، وهو برأيي وجه آخر للخطاب العنصري الذي كرسه اعلام اسرائيلي غربي منحط، طوال العقود الماضية. وهو ـ أي خطاب أنسنة الفلسطيني ـ يقدم ضمناً نظرة عنصرية، وكأن الفلسطيني بحاجة الي شهادات تثبت انسانيته! والعنصري في العادة لا يعرف (ومن الصعب عليه أن يعترف) بأنه عنصري، والفاشي أيضاً لا يعرف بأنه فاشي، فكم قرأنا لعنصرين نظريات في المساواة والأخوة الانسانية، وكم كتب فاشيون مطولات في حب البشرية!ہہہوتتبجح أنكوري في حوارها مع الجزيرة بأنها لقيت مساندة من الفنانين الفلسطينيين باستثناء شخص واحد وهي تقصد بالطبع ضحيتها كمال بُلاطة، كانت أنكوري تتوقع من ضحيتها تعاوناً كاملاً معها وغضاً للطرف عن انتحالها لثلاثة من فصول كتابها من كتاباته التي هي حصيلة عمر من البحث! أليس هذا ما يحدث تماماً علي المستوي السياسي حين يُطلب من الفلسطيني الاعتراف بكل ما يمليه عليه الاسرائيلي في مفاوضات من جانب واحد يجريها الاسرائيلي مع نفسه بصوت مسموع! لقد تحوّل كمال بلاطة في نظرها ـ ولأنه لم يتعاون معها ـ من فنان فلسطيني رائد الي مجرد شخص واحد . هذا الشخص الواحد الذي أسقطت عنه أنكوري صفة الفنان هو نفسه الذي سبق وأن خصّت تجربته الفنية بفصل في كتابها حسب المسودة التي عرضتها عليه قبل اكتشافه لواقعة انتحالها المدروس والمقصود تماماً. ربما ظنّت أن بلاطة قد يقبل رشوتها بالتبجيل الزائد الذي كالته له في مطلع الكتاب وكتابتها لفصل كامل عن تجربته الفنية؛ ولكنه قلب الطاولة علي باحثة محتالة تصدر عن ثقافة استعمارية، لم تكتف بسرقة بلاد بأكملها وباحتكار الألم علي اطلاقه، بل ذهبت وبصفاقة شديدة تتعامل مع الفن الفلسطيني وتأريخه كأرض سائبة وسائغة لتخيلاتها كـ ماما تريزا ، وراحت تقص وتفصّل علي مزاجها كأنها ابنة لـ حارس أملاك الغائبين ؛ ذلك الحارس الاسرائيلي الذي وفقاً لقوانين الاحتلال بعد عام 1967 كان له أن يستولي علي أملاك الغائبين الفلسطينيين عقب نزوحهم في فترة الحرب وفق صلاحيات كاملة للتصرف في هذه الأملاك ببيعها وتأجيرها، حتي وان تبين أنهم لم يغيبوا، فان هذا القانون الصهيوني العجيب ظل يتعامل معهم كغائبين بالقوة.تري كم ترسّب مفهوم حارس أملاك الغائبين في الثقافة الاسرائيلية في تعاملها مع الفلسطيني الغائب كموضوع بحثي خفيف لا يستحق كثيراً من الحذر المعرفي كالذي تستحقه الموضوعات الأخري، وأيضاً لا تستحق الدراسات المحلية (مهما بلغت أكاديميتها) التي أنتجها الغائبون اهتماماً ـ بحسب هذه الذهنية الصهيونية المعدلة جينياً ـ الا بقدر ما يستعين بها الباحث الاستعماري، والذي يتعامل معها وكأنها مصادر شفهية لا ترقي الي درجة المرجع، ومن المستساغ عنده انتحال ما يعجبه منها! ہہہبطبيعة الحال نحن لا نطالب بقطع رأس أنكوري علي طريقة الشجب اللفظي والتنديد الرسمي المعتادين. وحتي صاحب الأطروحة المنتحلة نفسه لم يطالب بمنع اصدار الكتاب، كما أنها ليست أول واقعة انتحال اسرائيلية في المجال الثقافي ولن تكون الأخيرة، في سياق كانت فيه ولا زالت القرصنة والتزوير والانتحال أدوات أساسية بيد المشروع الصهيوني. ولكن ما يثير الدهشة فعلاً هو عقدة النقص المزمنة لدي البعض منّا اتجاه ما يكتبه الآخر المتفوق وخصوصاً حين يكون هذا الآخر اسرائيلياً، فالذي يقوله كمال بلاطة منذ ثلاثين سنة يصير فجأة مثاراً للاهتمام حين تنتحله كاتبة اسرائيلية! ان هذه الظاهرة تستحق مزيداً من التأمل والتحليل لمكوناتها وأيضاً الرد عليها، فحتي وان كانت لحظتنا السياسية لحظة مهزومة بامتياز، فهذا لا يعني أن نُصاب بعمي ألوان حضاري يجعلنا نري في باحثة منتحلة تصدر عن ثقافة عنصرية؛ قديسة يسارية تُناصر قضيتنا، وأن يهلل بعضنا ويفرحوا بقرب صدور كتابها ؛ فحبر أخيهم المسروق ودم خياله ـ الذي لم يجف بعد ـ يملآن صفحاتها!كاتبة من فلسطين0