سليم عزوز
لما كانت ‘الجمعة اليتيمة’ لرمضان هذا العام، جلست أمام التلفزيون، فقد جرى العرف أن يصلي الرئيس حسني مبارك هذه الجمعة في مسجد النور بالعباسية، منذ أن أعيد بناؤه، لكن الرئيس كان في هذه الجمعة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومعه نجله السيد جمال مبارك، ولما كان الرأي قد استقر على انه لا توجد له صفة رسمية تبرر سفره ضمن وفد رسمي، فقد استقر الرأي عندي على انه سافر إلى هناك ليشتري ‘كسوة العيد’. في غياب الرئيس حضر مجلس الوزراء بكامل تشكيلته ليحيي هذه العادة بالإنابة، وشعرت بتوتر يشع من الشاشة، فكلما حطت الكاميرا على من بداخل المسجد شاهدت ‘دواليب’ بشرية تتحرك.. تروح وتجيء، وتوشوش الجالسين ويوشوش كل دولاب الآخر.. بدا لي أن كل وزير اصطحب حرسه الشخصي معه إلى داخل المسجد. منذ أيام ارتكبت جريمة الأخذ بالثأر داخل مسجد، وكان القتيل يصلي التراويح، ودخل القتلة بأحذيتهم.. انها جريمة غريبة على المصريين.
لم أتمن بطبيعة الحال ان يقتل القوم بداخل مسجد النور أو خارجه، ولكن سيطرت علي فكرة لبعض الوقت وهي أن يخر عليهم سقف المسجد، ولم تسيطر علي الفكرة كثيرا، فهم لا يليقون بهذه الميتة.. في بيت الله، وفي أيام مفترجة، إذن لفتنونا في ديننا.
عندما مات شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي في الأراضي المقدسة، ودفن بالبقيع قلت لقد فتننا الرجل حيا وميتا، إلى ان أصدرت جبهة علماء الأزهر بيانا للناس، تقول فيه ان دفن الموتى في هذا المكان لا يعطيهم امتيازاً دينياً.
يقدس المصري الحياة، كما يقدس الموت، وأظن ان المصري هو الوحيد دون غيره، الذي يهتم بان يدفن في بلده إذا كان يعيش في الغربة، وقد يجد رفاقه صعوبة في إعادته الى ارض الوطن، لكن هذا واجب عليهم، وان تسولوا نفقات نقله ليدفن في مدافن العائلة.. إلا من مات بالمملكة العربية السعودية، فانه لا يعود، لكن احمد نظيف رئيس الحكومة المصرية كان مصراً على عودة جثمان شيخ الأزهر ليدفن في مصر، وكان يعتقد انه يفعل أمرا عظيما، يدل على تقديره للراحل ولمكانته الدينية، لكن أسرة الفقيد رفضت الاستجابة له، وسط دهشة المصريين من هذا الإصرار الغريب لرئيس الحكومة، فالرجل بدا لي انه ليس من هنا.. انه مستشرق، لا يعرف طبيعة الشعب المصري.
عندما مات الدكتور طنطاوي شيخ الأزهر كان الرئيس مبارك في رحلة علاج، وعندما عاد من رحلته الأولى، ومن إجراء جراحة في العمود الفقري، بدأت أشاهده عبر التلفزيون في الجمعة اليتيمة وفي صلاة العيدين يجلس في مؤخرة الصفوف ليسند ظهره الى الجدار، لكن كاتبا مستشرقا شاهد هذه الجلسة بعد ثلاث سنوات ولأول مرة فظن انه اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، وكتب يرجع هذا الى الهاجس الأمني، وعاد وزاد ولت وفت، وكان يمكن للفضائيات ان تخلع عليه بسبب هذا التحليل الجبار صفة ‘محلل’.. قلت لكم في السابق إن الجلوس أمام تلفزيون الريادة لمشاهدة نقل شعائر صلاة الجمعة عادة قديمة، وفي مثل هذه المناسبة فإنني أمارس عادة أخرى تتمثل في النظر الى وجوه السادة المسؤولين، عندما تحط عليهم الكاميرا لكي ادقق النظر لعلي أتمكن من الوقوف على من فيهم يحيط به عزرائيل، ومن سيشيع المصريون إلى مثواه الأخير.. والى آخر جثمان.
مذهب الإمام بن عزوزتغيرت تقاليد البث المباشر لصلاة الجمعة، وفي السابق كان المذيع يذكر اسم المسؤول الأول وربما الثاني، ثم يجمع الباقين بعبارة: ‘كما يحضر معنا الصلاة عدد من القيادات السياسية والتنفيذية’.. الآن أصبح يذكر صغار الموظفين بالاسم، والقيادات الأمنية أيضا بالاسم، ومن السيد مدير الأمن، ومدير مكتب مباحث أمن الدولة بالمحافظة إلى عم عطية صول قسم الشرطة، ومن السكرتير العام للمحافظة، والسكرتير العام المساعد، ورئيس الوحدة المحلية، وأمين الحزب الحاكم، الى مدير العلاقات العامة بالمحافظة، بما لا يتفق وقدسية المكان.. كثير منهم مجرد ذكر اسمه ينقض الوضوء ويبطل الصلاة، على مذهب الإمام بن عزوز.
لم تنجح تلاوة القارئ الطبيب احمد نعينع (قارئ الرئيس السادات المفضل) في الحيلولة دون إحساسي بأن القلق يخيم على المكان، فصناديد قريش لم تتوقف عن الحركة والوشوشة، وكان المسجد وعلى غير العادة فارغا من المصلين، والصف الأول به أماكن لم تشغل بجانب شيخ الأزهر.. لماذا يجلس هذا الوزير بعيدا عن الشيخ؟.. هل يخاف من إصابته بانفلونزا الخنازير؟.. لكن فجأة دخل رئيس الوزراء متأخرا، ومعه وزير الأوقاف، وعدد آخر من الوزراء، ليشغلوا الأماكن الفارغة.. امتلأ المسجد الى حد ما بالمصلين عقب دخولهم، ربما كان الأمن يمنع دخولهم ويحتجزهم بالخارج.
في اليوم التالي عرفت السبب.. فهذا المسجد شهد منذ أيام مظاهرة ضد خطف واحتجاز كاميليا شحاتة.. زوجة كاهن كنيسة ‘مار جرس’ بمحافظة المنيا. احتشد عدد من المسيحيين داخل الكاتدرائية، وقالوا ان زوجة القس مختطفة من قبل عناصر مسلمة، وهتفوا: ‘يا جمال قل للريس خطف بناتنا مش كويس’.. وفي مناسبة أخرى دغدغوا مشاعره الجياشة بـ’يا جمال أنت الريس’.. لا يتوقف قادة الكنيسة الأرثوذكسية عن إعلان تأييدهم للسيد جمال مبارك رئيسا وذكر مناقبه التي لا تعد ولا تحصى، وبدون طلب من احد.
وهذه مناسبة لرد الجميل، فتحركت قوات الأمن وألقت القبض على الزوجة وقيل انها لم تكن مختطفة ولكنها كانت على خلاف مع زوجها القس تركت على أثره ‘عش الزوجية’.. ولأن من ضمن مهام جهاز الأمن هو استقرار العلاقات الزوجية بين الآباء الكهنة وزوجاتهم، فقد تم تسليم كاميليا للمقر البابوي، وعاد المتظاهرون أدراجهم الى المنيا.. ولم تعد كاميليا.
إشهار الإسلامقيل ان كاميليا كانت بصدد إشهار إسلامها بالأزهر، وجرى التواطؤ بين قياداته والأمن فلم يتم إنهاء الإجراءات لها قبل ان يتم اختطافها، وتسليمها للكنيسة، التي قامت بسجنها بأحد الأديرة.. وفي شهر رمضان خرجت أربعة مظاهرات تندد باختطافها من قبل الأمن، وحبسها بقرار من البابا. الأولى كانت في مسجد النور بالعباسية، والثانية في مسجد الفتح برمسيس، والثالثة في مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية، والرابعة في مسجد عمرو بن العاص بمصر القديمة.
هذا الهرج الأمني الذي سيطر على القوم الذين يؤدون صلاة الجمعة اليتيمة في مسجد النور، وانتقل إلي بالإحساس، تبين انه راجع إلى ان الأمن يقوم بإحباط مخطط لمظاهرة في حضور السادة المسؤولين تهدف إلى إشعارهم بالحرج والخجل مما جرى ونجح الأمن، لكن احد المصلين هتف في مواجهة رئيس الوزراء وشيخ الأزهر: ‘اتقوا الله في كاميليا’.. شعرت بانه يحملهما من البلاء ما لا يطيقان، فهما ليسا أكثر من موظفين وان علت درجتهما الوظيفية.
مؤخرا ارتفعت الأصوات منددة بما جري لكاميليا، وأعلن شيخ سلفي اسمه أبو يحيى في فيديو مذاع عبر الانترنت، ان كاميليا جاءت له من اجل ان يساعدها في إنهاء إجراءات إسلامها، وانه تم الاعتداء عليهما من قبل الأمن في الطريق العام، كما تم اعتقاله لمدة ثلاثة أسابيع وأعيد اعتقاله مرة أخرى بعد ذلك. ومن يومها دخلوا بنا في دوامة الجدل: كاميليا اعتنقت الإسلام.. لا كاميليا لم تعتنق الإسلام.. كأن هذا هو الموضوع.
مستشار البابا شنودة نجيب جبرائيل قال انه مستعد لمناظرة الشيخ أبو يحيى تلفزيونيا ليثبت ان كاميليا لم تدخل الإسلام، وبدوره أعلن الشيخ أبو يحيى استعداده للمناظرة، وعلمت ان احد البرامج بقناة ‘دريم’ قرر إجراء المناظرة بينهما.
عبر ‘الجزيرة’ أعلن مستشار البابا أن كاميليا لا تزال على دينها.. ومثل هذه القضايا أصبحت مهمة لمن يريدون الظهور التلفزيوني، ولدينا حالة إسراف في طلب المناظرة تلفزيونيا.. احد رؤساء الأحزاب الذي جاء إلى موقعه الحزبي بقرار حكومي قال أكثر من مرة انه يريد مناظرة الدكتور محمد البرادعي المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية.. على الرغم من ان صاحبنا ليس في نيته ان ينافسه إذا ترشح لكنه يتقرب الى أهل الحكم بما قال زلفى.
وعندما سئل عن نقاط الخلاف بينه وبين من يطلب مناظرته قال لان مطالب البرادعي للتغيير ليست جديدة وانه نفسه سبقه في المطالبة بها.. مع ان البرادعي قال في برنامج ‘العاشرة مساء’ ومنذ اليوم الأول.. انه لم يخترع ‘العجلة’. كل من الشيخ أبو يحيى وجبرائيل لا صفة لهما ليتناظرا تلفزيونيا فكاميليا هي الموضوع، وموضوع إسلامها من عدمه ليس هو بيت القصيد، ولكن الجريمة تتمثل في اختطاف الأمن لها بدون تهمة، وفي قيام البابا بحبسها مع انه ليس سجانا، وأديرته ليست من الأماكن التي حددها القانون كسجون للخارجين عليه.
يوم الأربعاء الماضي تم بث فيديو قيل انه لكاميليا عبر مواقع بالانترنت تعلن فيها أنها لا تزال في معية المسيح.. وبدت للاعمى أنها ليست هي، ولكن ومع ذلك تمت المطالبة بإغلاق الملف.. لا بأس لماذا إذن يحتجزها البابا، وهي معلمة معرضة للفصل من وظيفتها في حال استمرار غيابها، وعندها طفل وزوج لا يجوز أخلاقيا ان يحرما منها.. ولماذا يحرمان منها وتُحرم منهما، وبأي صفة يحتجزها البابا شنودة؟
لدي رغبة أكيدة في مناظرة نانسي عجرم عبر شاشات التلفزيون حول الوضع السياسي الراهن، والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
أرض ـ جوـ أبدع يحيى الفخراني في مسلسل ‘شيخ العرب همام’، وتفوق على نفسه.. وأعطى نموذجا للممثل المبدع.. ومع ذلك يقولون ان جمال سليمان هو أفضل من قام بدور الصعيدي.
ـ عندما انطلقت الـ ‘بي بي سي’ العربي لفت انتباه زميلنا توفيق رباحي أن كل ضيوفها من مصر.. فعندما يكون الحديث عن القضية الصومالية يتم استدعاء مصري متخصص في الشأن الصومالي، وعندما يتم الحديث عن الخلاف الإيراني الإماراتي يتم استدعاء ضيف مصري وهكذا.. ومؤخرا علمت ان المحطة البريطانية تعمل وفق قاعدة ‘أبو بلاش أكثر منه’.. بالمناسبة ليس لي أبيض أو اسود عند القوم لكن كثيرين لهم.
ـ نهاية مسلسل ‘الجماعة’ تليق بنهاية حلقة، كما قال ناقدنا السينمائي محمود عبد الشكور، وهذا ما يجعلني ميالا لما قاله الإخوان من ان يد المباحث تدخلت وحذفت حلقتين.. لأنها تتضمن اغتيال الشيخ حسن البنا، مخافة تعاطف الناس معه.. كأن هذا المسلسل لم يجلب التعاطف، على غير ما أراد أصحابه.
ـ 500 مليون جنيه، هي ثمن شراء التلفزيون المصري للمسلسلات التي عرضت على شاشاته في شهر رمضان، مقابل مئة مليون جنيه فقط إعلانات.. لو ان سفيهاً بالوراثة هو من يتولي الأمر في تلفزيوننا الباسل لانتحر لأنه بدد أموال الشعب المصري على هذا النحو.’ صحافي من مصر[email protected]