ليس هو اتفاق المصالحة الأول بين حركة حماس والرئيس عباس، وإن كنا نأمل أن يكون الأخير، وألا يلقى مصير اتفاقات مشابهة عقدت عبر سبع سنوات خلت، وحمل أغلبها اسم ‘اتفاق القاهرة’، وقبلها عقد ‘اتفاق مكة’ وبعدها ‘إعلان الدوحة’، وبعد مظاهر الاحتفال المعتادة بالاتفاقات، تعود ‘ريمة’ إلى عادتها القديمة، ولا ينفذ حرف من الاتفاق، ونعود إلى نقطة الصفر والهوان، والمماحكات والاتهامات المتبادلة بين حكومة رام الله وحكومة غزة، وتضيف إسرائيل لأفراحها فرحا بالمزيد من تمزيق الحركة الوطنية الفلسطينية.
وبديهى جدا، أن تغضب إسرائيل ـ كما غضبت من قبل ـ مع إعلان الاتفاق الجديد، وأن تغضــــب واشنطن، وأن يهـــدد نتنياهو عباس بالويل والثبور وعظائم الأمور، وأن يخـــيره بين الاتفاق مع إسرائيل أو الاتفــــاق مع حماس، وأن يرد عبـــاس على طريقته المعتادة، ويـــؤكد أن المصالحـــة مع حـماس لا تتـــعارض مع المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، بينما عباس يعرف يقينا بأنه لا قيمة للمفاوضات، التي قررت تل أبيب تعليقها عقابا لعباس، وأن الرعاية الأمريكية المدعاة للمفاوضات محض كلام فارغ.
وكلما انتهت مهلة تفاوض، طلبت واشنطن مهلة أخرى، فقد طلبت أمريكا عاما آخر للتفاوض بعد انقضاء التسعة شهور من التفاوض العبثي، ولا شيء مطروح سوى اتفاق إطار يجدد ســيرة أوسلو، ولا يصوغ حلا ولا تسوية قابلة للتنفيذ، بل مجـــرد ترتيــبات ووعود معلقة في الهواء، وأوضــــاع مؤقتة ظلت تتجدد تلقائيا على مدى العشرين سنة الماضية، ولم تنته إلى شيء يعتد به في حياة الفلسطينيين، سوى قبضة هواء اسمها حكومة رام الله، وأعقبتها بعد الانقسام قبضة هواء أخرى اسمها حكومة غزة، تأخذان عن سلطة الاحتلال مهمة توفير تكاليف معيشة الفلسطينيين، باللجوء الروتيني لجلب معونات مالية عربية وأمريكية وأوروبية.
صحيح، أن ثمة فارقا شكليا ظاهرا في أوضاع غزة قياسا لوضع الضفة الغربية، فقد جلت إسرائيل قبل قرابة العشر سنوات عن غزة، وقامت بتفكيك المستوطنات اليهودية فيها، ثم وضعتها تحت الحصار والضغط العسكري الدائم، ولم يكن لحكومة حماس، ولا لحكومة عباس، فضل في الجلاء الإسرائيلي عن غزة، فلم تكن هذه الحكومة ولا تلك قائمة وقتها، وكان الجلاء الإسرائيلي من طرف واحد عن غزة هو الثمرة الملموسة للانتفاضة الفلسطينية الثانية، والأخيرة إلى الآن، وفي غيبة الانتفاضات، وتلاشي أعمال المقاومة الفلسطينية المنتظمة ضد الاحتلال، اللهم إلا في أوقات تفرضها إسرائيل بالعدوان المتكرر على غزة، في غيبة الكفاح الشعبي والمسلح، تنعمت إسرائيل بأكثر الأوقات هدوءا، وتفرغت لابتلاع منهجي لأراضي القدس والضفة الغربية، والمضاعفة الطفرية لمعدلات الاستيطان اليهودي، ونهضت سلطة عباس بواجبها ‘الأمني’ في مطاردة خلايا الفدائيين، وإفساح المجال لإسرائيل عند الحاجة في القيام بعمليات اعتقال وقتل انتقائي، ومع احتجاجات كلامية عابرة، تبقي الحال على ما هو عليه، وبصورة شجعت إسرائيل على إكمال خططها الشيطانية الرامية لتقسيم المسجد الأقصى، بعد تهديد أساساته بالأنفاق المحفورة، وقد كان اقتحام شارون للمسجد الأقصى سببا مباشرا في إشعال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بينما لم تجد الحكومتان الفلسطينيتان من رد على اقتحام الأقصى هذه المرة، سوى إعلان اتفاق مصالحة، نخشى أن تذهب آثاره مع الريح.
وهذا هو جوهر المأزق الذي لا يجيب عليه اتفاق المصالحة، فأيا ما كانت طريقة التفكير، وسواء كان التعويل على السياسة أو على السلاح، فإن إقامة حكومة فلسطينية موحدة، كما ينص الاتفاق، وبصيغة الكفاءات أو بصيغة التوافق الوطني، ثم التقدم إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تأخرت مواعيدها لسنوات، كل ذلك ـ بافتراض التنفيذ ـ لا يعني شيئا في معنى تجاوز المأزق، فقد تصلح صيغة المصالحات وتدابيرها في كيانات تخلصت من الاحتلال الأجنبي المباشر، وهذه ليست حالة الفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس، فلا توجد دولة فلسطينية حقيقية قائمة، بل كيان افتراضي مسجل في قرارات الأمم المتحدة التي تهلل لها سلطة عباس، فالدولة ـ أي دولة ـ هي سيادة على أرض يقيم فيها شعب تحكمه سلطة وطنية، وقرارات الأمم المتحدة لا تؤدي إلى معنى سوى وجود ‘دولة فلسطينية تحت الاحتلال’، وهو ما يؤكد حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بكافة السبل بما فيها السلاح، وبدون المقاومة تكون القرارات مجرد حبر يجف فوق الورق، وقد صدرت ربما مئات القرارات الأممية لصالح قضية الشعب الفلسطيني، ولم يتحقق للشعب الفلسطيني سوى نزر يسير من حقوقه، ليس بالقرارت الدولية، بل بفعل المقاومة والانتفاض، وهذه هي الحلقة الرئيسية للعمل المطلوب، أي توفير شروط التوحد ـ لا مجرد المصالحة ـ من استعادة الطابع الكفاحي للحركة الوطنية الفلسطينية، وتغيير موازين القوة على الأرض، ومن دون افتراض وجود قوة مسلحة للفلسطينيين مساوية أو مقاربة لقوة الاحتلال الإسرائيلي، فلم تملك أي حركة مقاومة في التاريخ الإنساني ذات القوة التي يملكها الاحتلال، وهذه قاعدة راسخة في تاريخنا وتواريخ غيرنا، فلم تنتصر مقاومة حزب الله لأنها تساوي قوة إسرائيل، ولم تنتصر المقاومة الفلسطينية في إجلاء إسرائيل عن غزة لأنها ملكت جيشا جرارا، بل انتصرت المقاومة في الجنوب اللبناني، وانتصرت في غزة، لسبب وحيد، وهو أنها عرفت طريقها، وامتلـــكت إرادة المقاومة، وجعلـــت اســــتمرار الاحتلال مكلفا للعدو الإسرائيلي، وكلما زادت تكلفة الاحتلال تراخت قبضته، وهو ما يحدث عكسه بالضبط في السيرة الفلسطينية خلال العشر سنوات الأخيرة، فقــــد اختفى برنامج المقاومة، وحل محله برنامج المساومة، كان غياب الرئيس عرفات سببا في نهاية المزج المناور بين البرنامجين، وبدت سلطة عباس عنوانا صريحا لبرنامج المساومة، فيما بدت حركة حـــماس معارضة لسيرة أوسلو وانتخاباتها وسلطاتها الورقية، ثم كان التطور السلبي في موقف حركة حماس، وانضمامها لسيرة أوسلو من باب الانتخابات، وبما أضعف من جديــــة برنامج المقاومة الذي انتسبت له حماس، ليحل محله برنامج سلطة انقسمت إلى سلطتين، ويحل الاحتراب الفلسطيني محل الحرب ضد إسرائيل، وقد يخفف اتفاق المصالحة ـ بافتراض تنفيذه ـ من وطأة الاحتراب الفلسطيني، لكنه لا يفتح طريقا سالكا بالضرورة لاستئناف الحرب ضد إسرائيل .
وحل السلطة الفلسطينية هو الاختيار الوحيد الأفضل لرد الاعتبار إلى برنامج المقاومة، فبقاء السلطة في ذاته، سواء ظلت منقسمة، أو توحدت مجددا، خدمة جليلة للاحتلال، يخفض تكاليف الاحتلال إلى أدنى حد، ويجعله احتلالا شبه مجاني، فلا ضرائب دم ولا ضرائب إنهاك ولا ضرائب مال تدفعها إسرائيل، بل تحكم كامل، وبـ’ريموت كنترول’ المعونات والحصارات، وإدخالنا في متاهات ودروب فرعية تلهي عن القصد الرئيسي، وتغيب معها قضية فلسطين كوطن سليب، يجري ابتلاع وتهويد ما تبقى من أرضه، ويعامل الفلسطينيون فيه كجماعة سكانية بائسة لا كشعب مقاوم، وبطريقة يتحول فيها الوطن إلى منفى يضاف لمنافي الشتات، وبسلطة افتراضية تحول الفلسطينيين إلى شعب افتراضى، وتفك ‘العروة الوثـــقى’ بـــين الشــعب والأرض، وهو ما يدفعنا للقول ان حل السلطة الافتراضية هو أول الطريق لاستعادة برنامج المقاومة، الذي تتعدد وتتكامل مساراته السياسية والشعبية والمسلحة، وبما يرد اعتبار قضية فلسطين في عالمها العربي والإسلامي، ويسترد لها ‘وزنها المركزي’ في ضمير الشعوب، وربما تكون العقبة في موقف جماعة عباس وحركة حماس معا، فلا عباس يريد حل السلطة البائسة، وإن لوح بالحل على سبيل المناورة، ولا حركة حماس تريد، فقد كونت السلطة الافتراضية طبقة امتيازات على حساب قضية الشعب الفلســــطيني، وطبقات الامتيازات في السلطتين تخدم الاحتلال الاسرائيلي بالوعي أو بدونه، وهم يعرفون ذلك يقينا، وربما لذلك يناورون، ويحــــاولون ستر العورات أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي، وبصياغة اتفاقات مصالحة لا تذهب إلى المدى المقاوم، بل تتوقف عند حد المناورة، وحل مأزق الحركتين، لا حل مأزق القضية الفلسطينية، فسلطة عباس تريد تحسين أوراق المساومة مع تل أبيب وواشنطن، وحركة حماس تريد تجاوز مأزق عزلتها في غزة، وبالذات بعد زوال حكم الإخوان في مصر، وهي العزلة التي تغري سلطة عباس بالعودة إلى غزة، ومن خلال انتخابات جديدة تستثمر تراجع شعبية حماس.
‘ كاتب مصري