ربما يغدو رثاء أحد يموت ميتة طبيعية ضرباً من ‘الترف’ في وطن مستباح يموت فيه المئات يومياً بفعل آلة الإجرام التي لا تهدأ، وتحت وقع البراميل المتفجرة التي تعمم الموت والدمار والكوارث. لكن حين يرحل أحد ممن لا تتوقع رحيلهم، فإنك تجد نفسك في دوامة الحزن القاهرة رغماً عنك.
جلال محمد عكيد، الفتى المشاكس في حارتي في عامودا، يرحل اليوم في كردستان العراق إثر نوبة قلبية. أعلم أن الموت لا يستثني أحداً، ويظل يحصد ضحاياه ‘خبط عشواء’، إلا أن يفاجئنا ويفجعنا دوماً بأناس نتخيل أن الموت لا يناسبهم. على الأقل لزمن آخر.
جلال من الأطفال الذين كانوا من معالم الحارة الصغيرة، وعادة فإن المعالم الاجتماعية في أية حارة تتكون من عجائز؛ رجالا ونساء، لا يتحركون كثيراً من أماكنهم المحجوزة لهم أمام أبواب بيوتهم أو في زوايا الشوارع، أو أمام أبواب المحال الصغيرة المنتشرة في الشوارع.
كان جلال صديقي الذي أستمتع برفقته وأحاديثه، آخذه معي في جولات على دراجتي النارية في تلك المدة التي نقلت تعسفياً فيها من عامودا إلى قرية نائية قرب تل تمر. يضع الأشياء التي أشتريها بيده ويلوح بها وهو خلفي على الدراجة، يحكي بصوت عالٍ، يتطاير شعره الناعم الطويل على وجهه في الهواء. يروي لي النكات ويقيم شخصيات الحارة، يطلق أحكامه في كل الاتجاهات بطيبة وبراءة وعفوية. يتحدث في كل شيء، يسترسل شرقاً وغرباً، ويكون ممتعاً بأحاديثه.
كان يحدثني عن مشاريعه المستقبلية، واحتمال ذهابه إلى ألمانيا، كان يحدثني عن جمال الجيل الجديد من الفتيات، وهو الذي يغدو ويروح من شارع ثانوية زنوبيا للبنات التي داومت فيها قرابة عشر سنوات. يفتعل المصادفات ليمر من هناك، ولاسيما أنه هو شارع بيتهم نفسه بعد نقل زنوبيا إلى المنطقة الغربية من عامودا، أي هو شارعه الأثير الذي لا يثير حوله أية شبهات، ومن حسن حظه أن إعدادية البنات أيضاً كانت بالقرب من بيته. لم يكن يضايق ولا يتحرش بأية فتاة، كان خجولاً بقدر جرأته، كان الإسراع بدراجته والسير بطريق منعرج وأداء الحركات الرياضية بها وعبرها إحدى وسائله لإظهار تميزه.
جلال أحد ضحايا الشوق، قتله داء الحنين لعامودا، لم يتحمل عناء بعده عنها، وجد نفسه كملك انتزع منه حكمه وألقي به في ميدان غريب عنه. يصعب عليه بناء عالم شبيه بعالمه العامودي، ويصعب عليه تكييف نفسه وفق معطيات العالم الجديد ومقتضياته.
بشكله الظريف، وطوله الأنيق، ونحافته البارزة، وبعض الانسجام بين ملامحه التي تأثرت بصعوبات الولادة، كان الطفل الرجل، يمكن الاعتماد عليه في الطلبات، يلبيها بحب ومتعة، يعتلي دراجته البيجو المهلهلة ويسرع بها نحو الوجهات المحددة.
كم مرة غافله الموت..! سقط مراراً عن ‘بسكليته’، لكنه كان ينجو كل مرة بمصادفات غريبة، وكأنه كان منذوراً للموت بعيداً عن عامودا التي عشقها ولم يستطع أن يبدلها بأي مكان.
كان دائماً مستعجلاً، يعشق صيد الحساسين والحديث عنها، يعرف تفاصيل حياتها وتنقلاتها وهجراتها، يوقع بها في شراكه التي ينصبها لها. ها هو جلال مستعجلٌ في موته الباكر، كما ظل مستعجلاً في حياته القصيرة. لم ينتظرني كي أحدثه عن الفتيات البريطانيات ولا عن القصص الكثيرة التي احتفظت بها له.
جلال زينة الحارة، قلبها النابض، روحها المرحة.. كيف أرثيك يا صديقي ونحن في الحزن والرحيل سواء بسواء..!
جلال.. ما أصعب الرثاء حقاً.. ! ما أصعب رثاءك يا صديقي النبيل…!
هيثم حسين