أوراق اعتماد الحاكم الجديد لمصر

حجم الخط
0

تزامن أجواء ما يسمى بـ’الانتخابات الرئاسية’ المتمركزة حول ‘الجنرال الضرورة’ الحاكم الفعلي للبلاد، وتسارع الاتصالات التي يجريها هو ورجاله من أجل ضمان الاعتراف الدولي والإسناد لحكمه، مع الاحتفال بذكرى تحرير سيناء، التي جرى تحريرها صوريا، وبقيت تحت وصاية الأعداء، كمجال حيوي لهم لتمرير، صفقة طائرات ‘الأباتشي’ الأمريكية التي كانت متعثرة، تحت شعار ضمان حماية الأمن الأمريكي والإسرائيلي والمصري المشترك، وتعزيز قدرات ‘مكافحة الإرهاب’، يفضح أوهام وأكاذيب عديدة نعيشها في مصر، بفضل حملات الدعاية المغرضة التي تكرس لاستدامة الأوضاع المهترئة، وترميم نظام الفساد والاستبداد والتبعية، وتصوير، كذلك، التنازلات والخسائر على أنها مكاسب وانتصارات.
ولم يكذب أو يغالي مصطفى الفقي السكرتير الخاص لمبارك، حين صرح ذات مرة، بأن رئيس مصر القادم سيأتي بتوافق أمريكي إسرائيلي، حتى لو جاء ذلك عفو الخاطر أو كإحدى ‘زلات اللسان’، فهي تعكس واقعا مؤلما يجب ألا يغيب عن ذهننا، وحقيقة لا تحتاج إلى كثير جهد للبرهنة عليها.
ولعل تكثيف الاتصالات واللقاءات بين الجانب المصري وكل من الجانب الأمريكي والإسرائيلي المعلن، ناهيك عما يجرى وراء الكواليس، قبيل أي حدث كبير، وفي مقدمته ‘الانتخابات الرئاسية’، يبرهن على الدور الواسع لكل من واشنطن وتل أبيب في صنع القرار المصري، منذ أن تورطت مصر على يد السادات في تلك العلاقة الآثمة، تحت مسمى ‘السلام’ و’تطبيع العلاقات’، وخداع الشعب بأن هذا يحقق مصلحة الوطن، ويأتي بالرخاء والاستقرار، ويجنبنا ويلات الحروب، وأنها جاءت بإرادة المنتصر، لا المهزوم، وغيرها من الشعارات الكاذبة. وتبرير استمرار مثل هذا النهج مع تغير الحكام بدواعي الواقعية السياسية ومتطلبات الأمن الوطني، وأن دون ذلك مواجهة عسكرية وحصارا دوليا وضياع البلاد ومعاناة أجيال قادمة.
وكلما أراد احدهم أن يضمن الدعم الأمريكي لشرعيته المفقودة أو المشكوك فيها، أو أن يقوي من دعائم وجوده في الحكم، ويتم غض النظر دوليا عن انتهاكاته وفساده واستبداده، يهرول للكيان الصهيوني، ويقدم المزيد من التنازلات التي تنتقص من السيادة المصرية، أو يتم على أثرها اختراق الجسد المصري، لضرب مصالح مصر الحقيقية في العمق، وعلى أكثر من مستوى، ناهيك عن توجيه ضربات موجعة، إن لم تكن مميتة للأمن القومي العربي واستحقاقاته، ولقضية العرب المركزية القضية الفلسطينية.
وطوال الوقت، تجد السلطة الحاكمة من يبرر لها هذه الجريمة بحق الوطن، أو الخطيئة الكبرى من بعض المثقفين والسياسيين المنتفعين منها، ويتم نسج خرافات وأباطيل، من قبيل أنه لم يكن ثمة بديل أمام السادات لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار، بتوقف الدعم الخليجي، سوى الذهاب لهذه الخطوة ليتلقى دعما أوروبيا وأمريكيا، أو أن هذا كان من أجل عودة كامل الحقوق العربية، وفي مقدمتها الحق الفلسطيني، ولم يكن صلحا منفردا، أو أن تلك الخطوة ‘ضربة معلم’ ليعوض مصر عن ‘عنتريات عبد الناصر’ التي دمرت مصر واقتصادها، أو أنه داهية كان يخدع الأمريكان والصهاينة، وبمجرد ما يسترد الأرض سينتهي الأمر عند هذا الحد.
وفي عهد مبارك، كان يتم تسويق هذا الديكتاتور الفاسد على أنه رجل حاربهم ويعرفون قدره، وأنه يعرف كيف يلاعبهم، وحين يجد الجد يُظهر لهم العين الحمراء، وأنه ظل يعاقبهم بتجنب زيارة الكيان، وأن التطبيع ‘بارد’ وعلى المستوى الرسمي وليس الشعبي، ولا يضغط مبارك في هذا الاتجاه، ويريده عند هذا الحد، لضرورات تتعلق بالأمن الوطني، وحماية مصر من أخطار المواجهة، بينما على الأرض، ثمة ما يفضح ذلك، ويؤكد استباحة مصر، و’سخونة التطبيع’ وأنه تجاوز شقه السياسي إلى الثقافي والشعبي، في ما عرف بـ’مبادرة كوبنهاغن’ التي تورط فيها قطاع من المثقفين، وإنشاء جمعية السلام المصرية ‘الإسرائيلية’، والتطبيع الأكاديمي الذي يستقطب مطبعين جددا، سواء من خلال نشاط المركز الأكاديمي ‘الإسرائيلي’، أو الصلات بين مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية وغيره من المراكز الصهيونية، ومع شخصيات بارزة رسمية وغير رسمية، فضلا عن رحلات دينية لشخصيات إسلامية أو وفود مسيحية، بالإضافة إلى التطبيع الزراعي والصناعي والتجاري والسياحي الذي دمر هذه القطاعات، وصب فقط في مصلحة الكيان الصهيوني، وعدد من رجال الأعمال المرتبطين بنظام الحكم. ناهيك عن توقيع اتفاقات إضافية، ذات بعد اقتصادي كـ’اتفاق تصدير الغاز’ طويل المدى بثمن بخس، و’اتفاقية الكويز’، وما نتج عنهما من كوارث للاقتصاد المصري.
وكنا نتصور أن الوضع سيختلف في ظل وجود الإخوان في الحكم، إلا أنهم واصلوا هذا الطريق بتقديم تعهدات بالحفاظ على ‘كامب ديفيد’، وقاموا بإرسال سفير جديد لتل أبيب، مع رسالة غزل لهذا الكيان العدواني، بل ولعبوا دورا في الضغط على حركة المقاومة الفلسطينية حماس من أجل ضمان تهدئة طويلة المدى تحقق المصلحة الصهيونية.
ومؤخرا، بات شعار ‘محاربة الإرهاب’ هو الأعلى صوتا في مصر، وما يعنيه في جانب رئيس فيه، من لعب دور شرطي حراسة ‘إسرائيل’ والعودة للتضييق على غزة والمقاومة الفلسطينية، وتكثيف التعاون الأمني والاستخباراتي الواسع، الموجه، بكل تأكيد، ضد أعداء عدونا الرئيس، وهي ، لدى كل من واشنطن وتل أبيب.
فأمريكا الامبريالية ورأس حربتها في المنطقة ‘إسرائيل’، لا يهمهما اسم من يحكم مصر، إن كان السادات أو مبارك أو طنطاوي/عنان، أو مرسي، أو السيسي، وخلفيته إن كانت دينية أو عسكرية، إنما ما تحرصان عليه أن يحافظ على محددات الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية، وأولويات المصالح الأمريكية الـــــتي يتقدمها أمن الكيان الصهيوني واستمرار علاقة التبعية واقتصاد السوق، أو بالأحرى الرأسمالية المستغلة ذات الامتدادات الـخــــارجية.
ولذا فمن يعمل على تحقيق هذه الأهداف ترحب به وتدعمه، حتى لو كان فاسدا أو مستبدا، طالما انه قادر على السيطرة على مصر، وعدم الخروج عن هذا الخط، وحينما يعجز عن أداء مهمته، أو يفقد التحكم في غالبية الشعب، تتخلى عنه، وتبحث عن بديل آخر، من قائمة البدائل العديدة داخل مصر، حيث تحرص طوال الوقت على فتح قنوات اتصال مع الجميع، وتحضير أصحاب الولاءات، فليس لها أصدقاء دائمون أو أعداء طوال الوقت، وإنما مصلحة دائمة.
ويؤسفني كأحد أبناء اليسار القومي أن أرى قطاعا واسعا من المثقفين والناشطين، وفي مقدمتهم ناصريون وماركسيون، من الذين وقفوا لعقود ضد السادات ومبارك، نتيجة هذه التوجهات والانحيازات والمواقف المضرة بمصالح مصر وشعبها، يصمتون الآن بشكل متواطئ، أو يدعمون وصول احد جنرالات مبارك للحكم، أو بالأحرى يساهمون في شرعنة استيلائه بالقوة والخداع، على السلطة، ويشاركون في تضليل الجماهير بشعارات حماية الأمن الوطني المهدد، أو أن الخطر فقط كان في وجود الإخوان في الحكم، في حين أن المعادلة الفاسدة لم تختلف، وثوابت النظام كما هي، علاوة على أن مصدر التهديد الحقيقي في التبعية الأمريكية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وفي غياب الاستقلال الوطني، بمفهومه الحقيقي وليس الصوري أو الدعائي، والعبث في عقيدة الجيش المصري، وإخراج الصهاينة من دائرة الأعداء، واستبدالهم بشعار مضلل مصنوع أمريكيا وصهيونيا هو ‘الحرب على الإرهاب’، وتوريط القوات المسلحة في لعبة السياسة وصراعات المصالح السياسية والاقتصادية.
وربما للمرة الألف نؤكد، أنه بدون فك الارتباط مع واشنطن وتل أبيب، وصيانة سيادة مصر، وتحرير إرادتها الوطنية، وقيادة مشروع تنمية مستقلة، فستظل مصر تخوض حربا بالوكالة لصالح غيرها، وتصادق العدو وتعادي الصديق أو الشقيق، وتخدم أجندة المشروع الصهيوأمريكي، وسيبقي’قلب العروبة النابض’ مجرد دولة هشة محاصرة داخل حدودها الضيقة، بل ومنتقص منها، ومخترقة السيادة، ومتسولة للمساعدات والمنح ذات الأجندات الشريرة كذلك، ويتجرأ عليها الصغير قبل الكبير ويهدد مصالحها الحيوية، كما تفعل اثيوبيا حاليا، وكل هذا الوضع المأساوي مقابل بقاء مصالح طبقة فاسدة مستبدة، بينما الأغلبية يرزحون تحت نير الإفقار والتخلف، وتبتعد ‘مصر العروبة’ آلاف الأميال عن مكانتها اللائقة، كدولة قائدة في محيطها الإقليمي، وأيضا تنحرف بعيدا عن مسار الديمقراطية والعدل الاجتماعي.

كاتب وصحافي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية