دعاية تلفزيونية تخسر رهانها علي أسود الأطلس وعلي الأمازيغية
الطاهر الطويلدعاية تلفزيونية تخسر رهانها علي أسود الأطلس وعلي الأمازيغيةلم تجد الشركتان المتنافستان في ميدان الاتصال الهاتفي بالمغرب بدا من الإسراع بحجب الإعلانات التلفزيونية التي تحتوي علي مشاهد للاعبي فريق كرة القدم المغربي. وأُسقط في يدي تلك الشركتين، بعدما تأكدتا أن رهانهما علي أسود الأطلس كان خاسرا ومخيبا للآمال، وذلك حين عاد أولئك الأسود بخفيّ حنين من مصر حيث جرت منافسات بطولة كأس إفريقيا للأمم في كرة القدم.والواقع أن تسابق تلك الشركتين علي محاولة احتكار وجوه اللاعبين المغاربة في الدعاية التلفزيونية اتخذ شكلا كاريكاتوريا. ففي البداية، ركزت إحداهما علي اللاعب مروان الشماخ، وأعلنت من خلاله عن عرض لهاتف محمول بثمن لا يضاهي. وسرعان ما قالت لها الشركة الأخري ما مفاده: إذا كنت قد راهنتِ علي الشماخ وحده، فأنا أراهن علي نجوم الفريق بأكمله. وبذلك، تتالت الإعلانات التلفزيونية بصورة محمومة، وفيها ظهر أسود الأطلس يقومون بالدعاية لمنتجات هاتفية. ويبدو أن الأرباح التي جناها اللاعبون من وراء هذه العملية الإشهارية أنستهم ما هو مطلوب منهم في أرض الكنانة ، فلم يستطيعوا الانتصار حتي علي أضعف الفرق، كالفريق الليبي وندم المغاربة علي الساعات التي قضوها متسمّرين أمام شاشات التلفزيون، سواء في بيوتهم أو في المقاهي، أو في المحلات التجارية الكبري، فقد كان الناس يؤجلون أعمالهم اليومية وعمليات التبضع، منتظرين ما ستُسفر عنه مباريات أسود الأطلس ، ولكن، بدون جدوي.مفارقة أخري حدثت خلال الأسابيع الأخيرة، فقد كان التلفزيون يبث فقرات إشهارية مكثفة تحتوي علي لقطات حبلي بعناصر التشويق والمفاجأة، دون أن يدرك جل المشاهدين بماذا تتعلق تلك الدعاية. وبعد طول انتظار، تبين لهم أن الجنازة كبيرة والميت فأر ، فكل ما في الأمر أن اتصالات المغرب قامت بتغيير علامتها البصرية المميزة (لوغو) بأخري جديدة، وقدّمت الأمر علي أنه إنجاز باهر. غير أن هذه العلامة الجديدة لا تختلف كثيرا عن تلك التي تتوفر عليها الشركة المنافسة ميديتيل . واذا كانت هذه الأخيرة اختارت شكل هلال كعلامة مميزة، فإن اتصالات المغرب حملت هي أيضا شكل هلال، لكنه ممدد في طرفه الأسفل. قد يقول قائل: وما العيب في ذلك؟ ألم يخلق الله من الشبه أربعين؟ فلكل واحد هلال يصوم ويفطر لرؤيته . لكن هذا الشبه اتخذ طابعا كونيا، إذ بدت العلامة البصرية المذكورة قريبة شيئا ما من علامة الشركة العالمية المنتجة للأحذية الرياضية (نايك)، إذا نُظر إليها مقلوبة.ومن هنا، يتبين أنه عوض صرف ملايين الدراهم في الدعاية التلفزيونية لتغيير شكلي لا قيمة له، كان الأجدر بالشركة المذكورة أن تحوّل تلك الأموال إلي استثمار في العنصر البشري بتحسين أوضاع العاملين والارتقاء بها نحو الأفضل، سيما وأن اتصالات المغرب تفتخر ـ ونحن معها نفتخر كذلك ـ بوصولها إلي استقطاب أزيد من سبعة ملايين زبون يستعملون الهاتف المحمول (أي ربع مليون ساكنة المغرب).وبما أن المغرب مزيج من العرب والأمازيغ، فقد سعت اتصالات المغرب إلي استمالة المتحدثين بالأمازيغية، عن طريق اعتماد هذه اللغة ـ هي الأخري ـ في إعلاناتها التلفزيونية. غير أن هذه المبادرة عوض أن تنال رضي دعاة التمزيغ ، انقلبت إلي سخط عارم تحت ذريعة أن اتصالات المغرب وظفت الأمازيغية بشكل فلكلوري. ومن ثم، تعالت الاحتجاجات هنا وهناك. كما أعلن ناشطون أمازيغيون اعتراضهم علي منح عضوية المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لأحيزون، المدير العام للشركة المذكورة، رغم كونه أمازيغيا هو الآخر.شكاوي الفنان الفصيح ما إن يًُذكر اسم عبد النبي الجراري حتي يتبادر إلي الذهن برنامج مواهب الذي كان يبثه التلفزيون المغربي منذ أواخر الستينيات إلي أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، وهو صاحب فضل علي العديد من المطربين والمطربات المغاربة، حيث كان سباقا إلي التعريف بعطاءاتهم والأخذ بيدهم دعما وتشجيعا وتقويما. ومن أبرز الأسماء التي أنجبها ذلك البرنامج: سميرة بنسعيد، عزيزة جلال، عبد الهادي بلخياط، محمود الإدريسي وغيرهم.بعد مضي حوالي احدي وعشرين سنة علي اختفاء برنامج مواهب ، تذكرت المجلة التلفزيونية مساء الفن عبد النبي الجراري، وخصصت حلقة له تحدث فيها بنبرة الحسرة والألم، لكنه ظل محتفــــظا بعنفـــــوانه وشموخه وأصالته.اشتكي الجراري من عقوق الأبناء الذين تخرجوا من بين أحضانه. جلهم لا يطرقون بابه ولا يتذكرونه إلا لماما. لقد حلقوا بعيدا في سماء الأغنية، ونسوا المنبت. واشتكي، أيضا، من جحود المسؤولين، متسائلا بحرقة: كيف يتقاعد من الوظيفة العمومية برتبة إدارية بسيطة جدا، وهو الذي أسدي للأغنية المغربية خدمات جلي؟ واشتكي، ثالثا، من بُخل مجموعة من الأصوات الغنائية المغربية المهاجرة تجاه وطنها الأم. وأثار ملاحظة جديرة بالانتباه، تتمثل في أن أي نجم من النجوم الفنية المغربية الموجودة بالخارج (وخصوصا بالمشرق العربي) لم يقم باستثمارات معينة لفائدة بلده وأبناء بلده، كبناء نواد فنية أو مؤسسات اجتماعية وغيرها. وبذلك، تبقي أموالهم في منأي عن أية استفادة محلية.الطريف أن صاحبة برنامج مساء الفن استجابت لرغبة ضيفها وتركته يقول: أرجو ألا تستعملي المقص في الكلام الذي سأقوله . ولكن، إذا كانت ملاحظات وشكاوي عبد النبي الجراري قد مررت بالكامل، فهل يمكن أن تجد آذانا صاغية؟ أم ستظل مجرد صيحة في واد؟وجبات بطعم السياسة حتي وجبات الطبخ عندنا لم تسلم من طعم السياسة، بالمعني العام المرتبط بالتوجيه الإيديولوجي. فالوجبات التي يقترحها معدّو ومعدّات تلك البرامج من أجل معِدات المواطنين لم تبق بريئة ولا محايدة. وأمامنا مثالان حيّان علي ذلك:ـ أصحاب تلك البرامج يقترحون ـ بشكل مكثف ـ وجبات غذائية تقوم علي لحم الدجاج، وتجعل اللعاب يسيل من أجل ازدرادها. والخطاب المضمر من وراء ذلك: كُلوا الدجاج بكثرة، ولا تبالوا بالمخاوف من أنفلونزا الطيور ولا بمن يروج أن هذا الوباء الخطير قريب منا.ـ والمثال الثاني: يقترح أصحاب البرامج الغـــذائية وصفات تُهيّأ بطريقة صينية أو أن بعض موادها قادمة من الصين. وهنا، أيضا، خطاب آخر مضمر، مفاده: لا مناص من التعايش مع هؤلاء الصينيين الذين غزوا أسواقنا. فلنأكل طعامهم كما يأكلون أموالنا. وهم لا يحتاجون ليلقّنوننا كيفية تهيئة وجبة مخ القردة، فقد أكلوا أدمغتنا منذ بضع سنوات.كاتب صحافي من المغرب [email protected]