يحيي أبو زكريا
أعلن السياسي السويدي دانيال السبيري أن علي السويد أن تقطع كل علاقاتها بأمريكا اذا اختارت هذه الأخيرة السيناريو العراقي في تعاملها مع ايران، ومن جهة أخري فقد ارتفعت العديد من الأصوات في الغرب تندد بالسياسة الأمريكية ولم يحدث في تاريخ أوروبا أن تشكل اجماع شبه مطلق ضد أمريكا مثلما هو الحاصل الآن بعد احتلال أمريكا للعراق، واذا كان الاعتراض علي أمريكا في أوروبا في وقت سابق مقصورا علي التيارات والنخب الثقافية اليسارية، فقد بات الغضب علي أمريكا سمة الشارع الأوروبي في الظرف الراهن، ولأول مرة تتوافق القوي السياسية اليمينية واليسارية والتي تقف في الوسط، والكنائس والتيارات الدينية بمختلف مذاهبها علي الاعتراض الشامل علي سياسة امريكا وتوجهاتها العدوانية، كما أنه ولأول مرة وفي معظم الدول الأوروبية تتقاطع التوجهات الرسمية مع التوجهات الجماهيرية حيث أصبحت أمريكا دولة عدوانية بدائية بعد أن نجحت في تسويق نفسها أوروبيا في وقت سابق كدولة ديمقراطية أولي في العالم.
وللاشارة فان استمرار الاحتلال الأمريكي للعراق والطريق المسدود الذي بلغه والذي أفضي الي بداية سقوط صقور البيت الأبيض الواحد تلو الآخر بدءا بوزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد ثم جون بولتون مندوب أمريكا في جمعية الأمم المتحدة، فرض نفسه علي كل وسائل الاعلام الغربية التي خصصت أوقاتا اضافية لهذا الحدث وتجمع كافة التعليقات وبمختلف اللغات الأوروبية أن هذه الاستقالات تعكس فعليا عمق أزمة أمريكا في العراق، وأعاد يعض المحللين الغربيين تذكير المواطنين الأوروبيين بأن أمريكا خدعت بعض العواصم الغربية عندما أكدت واشنطن لها أن الحرب علي العراق ستكون خاطفة ونظيفة.
ولا شكّ في أن هذا المناخ السياسي العام في أوروبا أرخي بظلاله علي تعامل الأوروبيين مع البضائع الأمريكية وتعتبر منظمة هجوم الأوروبية Aack المعارضة للأمركة والسياسة الأمريكية في كل تفاصيلها أن شراء قنينة كولا معناه المساهمة في صناعة صاروخ كروز أمريكي. و لأول مرة في تاريخ الصحافة الأوروبية تصبح أمريكا موضوعا يتناوله المحللون والكتّاب بكثير من النقد اللاذع أحيانا والجريء أحيانا أخري، واذا كان نقد أمريكا في السابق حكرا علي الكتّاب والمثقفين اليساريين والقوميين والوطنيين والماويين والكنائسيين المحافظين وأتباع المذاهب والديانات الآسيوية كالبوذية والطاوية والكونفوشيوسية، فان الكتّاب الليبراليين الذين كانوا الي وقت قريب معجبين بالحضارة الأمريكية وبالنمط الأمريكي في الحياة سخروا أقلامهم لفضح هذا النموذج الذي بات يستهدف الانسان في كل أبعاده، وفي نظر هؤلاء فان الأمركة هي مشروع استعماري جديد لا يختلف عن الاستعمار الأوروبي القديم لكن بأساليب جديدة، والعجيب أن هذه الآراء تصدر من لدن مفكرين غربيين في الوقت الذي بذلت فيه أمريكا مجهودات جبّارة عقب الحادي عشر من ايلول/سبتمبر لاستمالة الرأي الغربي اليها حتي شبه البعض التجيير الأمريكي الاعلامي والسياسي لأحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر لصالحها بالهلوكست اليهودي وأسموه الهلوكست الأمريكي. ومن جهتها جريدة أفتون بلادت الذائعة الانتشار في السويد نشرت عنوانا عريضا جاء فيه: استيقظ بوش، معتبرة أن أوروبا قالت بالاجماع لا لمنطق الحرب الأمريكي. وفي السياق ذاته صرح الصحافي والكاتب السويدي يان غيلو المشهور بكتابته ضد أمريكا بأن تظاهرات الأوروبيين ضد منطق الحرب الأمريكي شكلت يوما أسود في وجه المتعطشين للدماء، وأن الملايين في أوروبا قد تظاهروا صراحة ضد أمريكا. وتجدر الاشارة الي أن بعض القادة الأوروبيين شاركوا شعوبهم في التظاهرات المنددة بأمريكا كما فعل رئيس وزراء النرويج بوندفيك الذي انضم الي تظاهرة مناوئة لأمريكا في النرويج. وحسب خبير أوروبي فان القادة الأوروبيين اذا لم يحسبوا حسابا لشعوبهم فعليهم أن يعدوا حقائب الخروج من دوائر القرار، لأن الناخب الأوروبي هو أهم لاعب في اللعبة السياسة في الغرب. ورغم حجم الضغوط السرية واحتجاجات الكواليس المبطنة والتي وصلت الي حد التهديد من قبل أمريكا لبعض العواصم الغربية فان هذه العواصم رفضت لحد الآن الاذعان للضغوط الأمريكية، وبناء عليه فقد تلجأ واشنطن الي تغيير موقفها من الاتحاد الأوروبي الذي بات يرهقها في المحافل الدولية، وللاشارة فان أمريكا دعمت بقوة قيام الاتحاد الأوروبي من منطلقات ثلاثة أولها أن يكون هذا الاتحاد سابحا في دائرتها السياسية والاقتصادية، وثانيا لالحاق الدول الأوروبية الاشتراكية سابقا بهذا الاتحاد وبالتالي تنتصر الليبيرالية علي الاشتراكية كما كانت تخطط له واشنطن، وثالثا كانت واشنطن تخطط أن تتحول أوروبا الكبيرة الي سوق كبيرة تستوعب بضائعها الاقتصادية ومنتوجاتها الزراعية وغير ذلك، واذا بدأ الاتحاد الأوروبي يخرج عن هذه المنطلقات فسوف تكون بداية الطلاق البائن بين أوروبا القديمة وأمريكا الجديدة! غير أن بعض الدول في الاتحاد الأوروبي بدأت تجهر بما أسمته بالاختراق الأمريكي للدول الأوروبية حيث تعمل الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلال الأراضي البريطانية علي التنصت علي ملايين المكالمات الهاتفية والاتصالات الفاكسية وحتي البريد الالكتروني للأشخاص العاديين، وقد أكدت وثيقة للبرلمان الأوروبي أن أمريكا وبريطانيا قد طورتا نظام ـ ايشلون ـ والذي يتيح لأمريكا امتصاص ملايين الاتصالات وتصفيتها وغربلتها عند الحاجة مع الاحتفاظ بالمعلومات التي تهم الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد حملة الصحافة النمساوية علي هذا الاختراق جرت تحركات في كواليس المؤسسات الأوروبية في بروكسل لمعرفة كافة التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع والذي تعتبر بريطانيا وهي عضو في الاتحاد الأوروبي طرفا فيه. وقد استطاعت وسائل الاعلام الأمريكية التعتيم علي هذه الحملة النمساوية من خلال شن حملة مضادة علي النازيين الجدد الذين وصلوا الي دوائر القرار في فيينا في وقت سابق حسب زعمها. وقد أعادت الصحف الدانماركية التذكير بأن أمريكا تتجسس علي كل الأوروبيين، وقد نشرت هذه الصحف الدانماركية وثيقة البرلمان الأوروبي والتي تتهم صراحة أمريكا بالتجسس علي مكالمات الأوروبيين كل الأوروبيين. وكان البرلمان الأوروبي قد وضع لجنة تسمي لجنة – ايشلون – للغوص في خفايا هذا النظام وقدراته الحقيقية في التنصت علي المكالمات الهاتفية ولو فاقت مئات ملايين المكالمات ثمّ اعادة فرز هذه المكالمات وغربلتها واستقاء المعلومات الدقيقة منها، وهذا التنصت يطاول الجميع وبدون استثناء سياسيين ومديري أجهزة أمنية وأصحاب شركات ومصانع. ويعيش الاتحاد الأوروبي حيرة حقيقية ازاء هذه المعضلة فهو لا يستطيع أن يجابه أمريكا مباشرة، وفي نفس الوقت فان ما يجري هو انتهاك صارخ لقوانين دول الاتحاد الأوروبي حيث أن هذه الدول تحظر التنصت علي مكالمات مواطنيها.
وقد تتطور المسائل بحسب بعض المراقبين في أوروبا الي أن تحرج الدول الأوروبية أمام مواطنيها وخصوصا اذا استمرت وسائل الاعلام الغربية في اثارة هذا الموضوع. بل ان أحد الغربيين المتابعين لتطورات المسار السياسي والاقتصادي في أوروبا يري أن تسارع الأوروبيين باتجّاه انجاح وحدتهم وتقوية اقتصادهم بأنه ضرورة حتي لا تتلاشي أوروبا سياسيا واقتصاديا تماما كما تلاشت العديد من الدول والتكتلات التي غرقت في أتون المشاكل السياسية والاقتصادية المتفاقمة. ويري هذا الخبير أن العصر الأمريكي الراهن لا يعترف لا بالصغار ولا بالمراهقين السياسيين ويجب أن تكون الدول في خانة الكبار لتتمكن من مقاومة خطر التلاشي والانفلات الذي سيكرس التبعية المطلقة للغول الأمريكي. كما أن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة من قبيل البطالة والتردي الاقتصادي والحفاظ علي البيئة وصحة الانسان أمور يضطلع بها المجموع، وكلما كانت الدول المشاركة في تطويق هذه الأزمات كثيرة كلما أمكن انهاء هذه الأزمات وفي ظرف زمني وجيز. وانطلاقا من هذه المرتكزات تحركت السياسة الأوروبية والأرجح أنها ستكمل في الاتجّاه نفسه في العشر سنوات المقبلة. وقد كان التركيز الأوروبي في السنوات الأخيرة علي مجموعة أمور هي: رسم سياسة داخلية أوروبية مشتركة، ورسم سياسة اقتصادية مشتركة، بالاضافة الي ضرورة التعاطي مع القضايا الدولية المشتركة بشكل جماعي وهذا ما يفسّر بداية تحرك الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة في الشرق الأوسط وفي الأزمات الدولية الأخري وفي المحافل الدولية.
وعلي صعيد رسم السياسة الأوروبية الداخلية الموحدة فقد تكثفت لقاءات المندوبين الأوروبيين بشكل مكثّف في بروكسل وفي غيرها من العواصم الأوروبية، وكثيرا ما كان يجتمع وزراء الزراعة الأوروبيون لينسقوا في الملف الزراعي ويصمّموا قوانين موحدة في هذا المجال، وكثيرا ما كان يجتمع وزراء التعليم ليرسموا طرائق للتعليم متقاربة، وقد قطع الأوروبيون في سبيل وحدتهم في التفاصيل أشواطا كبيرة، وكان القادة الأوروبيون في قمم الاتحاد الأوروبي يوقعون علي كل هذه التفاصيل. والعجيب أن الأوروبيين اتفقوا حتي علي نوعية اشارات المرور وكيفياتها وطرائق تصميم الأراجيح التي يستخدمها الأطفال في مدارسهم. ويمكن القول أن التوافق بين الدول الأوروبية في السياسات الداخلية بات كاملا في مجال مكافحة ما يسميّ بالارهاب والحد من الهجرة غير الشرعية وغير ذلك من المواضيع، وقد أصبح المسافر من النرويج الي فرنسا برا لا يصادف البتة رجال الأمن ولا داعي أن يبرز أوراقه الثبوتية، وخصوصا بعد أن أصبح الحاسوب الأمني موحدا ويمكن معرفة تفاصيل شخص ما سافر من الدانمارك الي فرنسا عبر ادراج اسمه في الحاسوب الأمني الفرنسي. وعلي الصعيد الاقتصادي تمكنت أوروبا من توحيد عملتها ورفعت القيود عن الصادرات والواردات من والي أوروبا، فالبضاعة التي تصل من فرنسا الي السويد تكون معفاة من الضرائب، وما دامت البضائع من الدول الأوروبية فهي معفاة من الضرائب، وبهذا الشكل اتسعت السوق الأوروبية وبات بالامكان أن يسوق الأوروبي بضائعه في عشرات الدول الأوروبية دون أن يوقفه أحد. وبفضل الخطة الاقتصادية التي وضعها الأوروبيون أصبحت عملتهم الموحدة تنافس العملة الأمريكية، كما أن الخطّة الاقتصادية الأوروبية الموحدة كسرت الاحتكار الأمريكي للأسواق الأوروبية وهو ما بدأ يولد بدايات عدم رضا أمريكي من مشروع الاتحاد الأوروبي وخصوصا اذا كبر أكثر ممّا ينبغي. واذا كانت أوروبا الموحدة قد استطاعت ترتيب أوراقها الداخلية السياسية والاقتصادية فقد أصبحت تتعاطي مع القضايا الساخنة في العالم العربي والاسلامي والثالث بشكل جماعي وأصبحت لأوروبا وجهة نظر واحدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أو القضايا الافريقية، وسبب ذلك يعود الي تكثيف التنسيق بين الدول الأوروبية حيث لكل دولة أوروبية ممثل عنها سواء في البرلمان الأوروبي الموحد في لوكسمبورغ أو في اللجان العاملة فيما يعرف بالحكومة الأوروبية في بروكسل. وما يتفق عليه المندوبون الأوروبيون يصل لتوه الي عواصم القرار في الدول الغربية والتي تتحرك في ضوء ما قرره المندوبون الأوروبيون في بروكسل أو في العواصم الغربية التي تشهد علي الدوام لقاءات ومؤتمرات لاستراتيجيي الاتحاد الأوروبي.
وهذا لا يعني أن هناك دولا أوروبية لا تسعي للتغريد خارج السرب الأوروبي، فبريطانيا وبسبب ادماج سياستها الخارجية بالسياسة الأمريكية تسعي علي الدوام ليكون الموقف الأوروبي في وجهة الهوي الأمريكي، ولكنها لم تنجح بسبب الجدار الفرنسي حينا، والجدار الألماني أو جدارات دول أوروبا الشمالية. مع العلم أن بريطانيا ما زالت الي يومنا هذا ترفض فكرة العملة الموحدة اليورو وما زالت محتفظة بالجنيه الاسترليني. واذا كانت أوروبا الموحدة قد حققت لحد الآن الكثير من الأشياء والانجازات فان هناك العديد من التحديات الداخلية والخارجية التي قد تعيق وصول المشروع الأوروبي الي أهدافه النهائية. فانضمام الدول الأوروبية الفقيرة التي كانت محسوبة علي المحور اليساري سابقا سيرخي بظلاله علي أوروبا الموحدة وسيجعل أوروبا منقسمة الي قسمين أوروبا غنية ومصنعة وأوروبا فقيرة ومستهلكة، وقد أصبحت أوروبا الغنية والمصنعة تشكو من تبعات انضمام أوروبا الفقيرة اليها فقد بدأت جيوش المتاجرين بالمخدرات يأتون الي الخارطة الأوروبية الغنية بسمومهم البيضاء، ورقيقهم الأبيض وهو ما بدأ ينتج مشاكل اجتماعية اضافية في الخارطة الأوروبية الغنية لتضاف الي المشاكل القديمة. كما أن النهوض بأوروبا الفقيرة يتطلب رساميل كبيرة للغاية قد لا تستطيع أوروبا الغنية توفيرها علي المدي القريب والمتوسّط. ويضاف الي ذلك فان أوروبا الغنية التي كانت تشكو من هجرة غير محدودة من العالم الثالث اليها باتت تواجه تحدي هجرة الأوروبيين الفقراء اليها باعتبار أن قوانين الاتحاد الأوروبي تجيز لأي أوروبي أن يقيم في أي دولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي دون الحاجة الي الاقامة. والتحدي الخارجي الذي تواجهه أوروبا الموحدة هو أمريكا نفسها التي أشرفت علي بعث الحياة في أوروبا عقب الحرب الكونية الثانية، والتي كانت تريد بناء أوروبا موالية لها، واذا فكرت أوروبا أن تستقل بسياستها واقتصادها فقد يكون ذلك مؤشرا علي قرب الطلاق البائن بين أمريكا وأوروبا كما توقعت دراسة أمريكية خاصة، ومعني ذلك أن واشنطن بعد أن تنتهي من صدامها مع العالم الاسلامي قد تدخل في صدام آخر مع مجموعات دولية أخري ما دام الصدام هو مرتكز أساس للسياسة الأمريكية. المنطلقات التي مهدت لقيام الاتحاد الأوروبي تقوم علي ضرورة أن يكون لهذا الاتحاد خصوصيته ودوره في صناعة السياسات المحلية والاقليمية والدولية، ولعل هذا الاتحاد الأوروبي في بعده الآخر كان يهدف الي مواجهة الأحادية الأمريكية التي تكرست بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق، وكان بعض منظري الاتحاد الأوروبي يرون أن الدول الأوروبية منفردة لا تستطيع أن تواجه عصر التكتلات، كما لا يمكن أن تخرج عن ذيول مشروع مارشال الأمريكي الذي بعث الحياة في أوروبا بعد الحرب الكونية الثانية والذي يعتبره هؤلاء المنظرون بأنه بمثابة الحبل السري الذي يربط بين أمريكا والدول الأوروبية. والي ما قبل الحادي عشر من أيلول 2001 كانت المجموعة الأوروبية تعمل جاهدة لكي تكون لها سياستها المستقلة عن السياسة الأمريكية وتحديدا فيما يتعلق بسياسة هذا الاتحاد تجاه القضية الفلسطينية وتجاه قضايا العالم العربي والاسلامي. وكانت الدول الأوروبية الغنية والكبيرة من قبيل فرنسا وألمانيا والسويد والدانمارك واسبانيا وايطاليا تنأي بنفسها عن السياسة الأمريكية الخارجية علي وجه التحديد، وبقيت بريطانيا وحدها في خطّ الشذوذ السياسي الأوروبي وأصرت علي أن تكون مع واشنطن في كل توجهاتها، ويرجع الخبراء الغربيون ذلك الي كون بريطانيا التي ما زالت مسكونة بتاريخها الأمبراطوري بأنها تريد أن تلعب أدوارا كبيرة ولن يتأتي لها ذلك الاّ من خلال أمريكا التي استفردت بصناعة القرارات الدولية. واذا كان هذا المشهد السياسي في أوروبا قبل الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، فان المشهد ازداد تعقيدا وارتباكا بعد الحادي عشر من أيلول 2001 حيث بعثت واشنطن أكثر من رسالة الي العواصم الأوروبية مفادها: من ليس معنا فهو بالتأكيد ضدنا، وكان هناك الحاح أمريكي علي اقحام المجموعة الأوروبية في معادلة الحرب علي ما أسمته أمريكا بالارهاب، باعتبار أن واشنطن تعتبر أن أوروبا هي أهم حليف لها بحكم التاريخ والراهن، وبحكم المرجعية العقائدية والفكرية الواحدة. وبداية تجاوبت أوروبا مع طروحات واشنطن الجديدة وانساقت وراء لحظات الانفعال، لكن وبعد زوال لحظات الانفعال والتأثر بدأت العديد من العواصم الغربية تراجع نفسها وتدرك أن الانسياق وراء المشروع الأمريكي العالمي الجديد من شأنه أن يجعل أوروبا تقفز علي قوانينها الداخلية ومن شأن ذلك أن يؤدي الي ارباكات داخلية في أكثر من واقع أوروبي، خصوصا وأن المسلمين في معظم الدول الأوروبية هم أصحاب الديانة الثانية بعد المسيحية وأغلبهم يتمتعون بحق المواطنة، ويحق لهم التصويت والترشح للانتخابات التشريعية وغيرها. ولحظة الاستيقاظ من الانفعال بدت في عدم استجابة كل الدول الأوروبية في الذهاب مع الجيش الأمريكي الي أفغانستان وحتي بعض الفرق الأوروبية التي شاركت في الحرب الأمريكية في أفغانستان بدأت تعود الي بلادها تحت ضغط الرأي العام الأوروبي الذي يبدو في غالبيته ضد التوجهات الأمريكية كما رفضت العديد من العواصم الغربية مشروع عسكرة العراق. ولأول مرة في تاريخ أوروبا تنطلق تظاهرات يشارك فيها عشرات الآلاف من الأوروبيين ويهتفون ضد السياسة الأمريكية وتوجهات جورج بوش الراهنة. كما أن الدول الأوروبية لم تبادر الي وضع حد للوجود الاسلامي في أوروبا وحتي أتباع أشد الحركات الاسلامية راديكالية لم يتعرض لهم أحد، والذين طاولتهم الأجهزة الأمنية الأوروبية هم الذين قدمت بشأنهم وكالة الاستخبارات الأمريكية ملفات، وقد أطلق سراح الكثير منهم بعد أن تبث للأجهزة الأمنية الأوروبية أن هؤلاء أبرياء، كالطيار الجزائري لطفي رايسي الذي اتهمته واشنطن بتدريب الطيارين الذين قاموا بتفجير برجي التجارة في نيويورك، وأطلق سراحه لعدم وجود دليل علما أن واشنطن كانت تطالب بريطانيا بتسليمه لها، وفي السويد لم يتعرض أي عنصر من أتباع تنظيم القاعدة للاعتقال علما أن مسؤولا في الاستخبارات السويدية أعلن أن هناك 15 شخصا من أتباع تنظيم القاعدة في السويد ولا يمكن اعتقالهم لأنهم لم يخرقوا القوانين السويدية.
وينطلق العديد من الساسة الأوروبيين في توجهاتهم هذه من قاعدة مفادها أن بين أوروبا والعالم العربي والاسلامي مصالح استراتيجية وسياسية واقتصادية، وهذه الكتلة العربية والاسلامية هي أقرب الي أوروبا جغرافيا من أمريكا، وأي تصعيد في الموقف ضد هذه الكتلة معناه تعريض الأمن القومي الأوروبي الي الخطر. ولذلك لم تستهدف العواصم الأوروبية الوجود الاسلامي في كل تفاصيله، لكن لاحقت عناصر بأعداد محددة ثبت أنها تورطت في أعمال عنف، وهناك احتياط سياسي واعلامي رسمي في عدم التعريض بالاسلام وهنا يجب التفريق بين المواقف الرسمية ومواقف وسائل الاعلام ذات الامتدادات الصهيونية.
ويمكن القول ان الفجوة بدأت تتسع بين أوروبا وأمريكا في منحنيات سياسية عديدة، ولا تريد العواصم الأوروبية أن تتحول الي ساحة تصفيات تدفع ضريبة وقوفها الأعمي مع أمريكا، واذا شرحنا الخارطة الرسمية الأوروبية نجد أنها تنقسم الي ثلاثة أقسام فهناك أقلية أوروبية تري ضرورة الوقوف الي جنب واشنطن قلبا وقالبا وعلي رأسها بريطانيا، ودول أوروبية بدأت تجهر برفض التوجهات الأمريكية مثل فرنسا والسويد وألمانيا والدانمارك والنرويج وبلجيكا وغيرها، ودول أوروبية صامتة وهي تلك التي خرجت من الخيمة السوفياتية سابقا وانضمت الي الاتحاد الأوروبي وتعتبر أن الأولوية في تأهيل نفسها سياسيا واقتصاديا والصمت خير وسيلة لعدم جلب السخط علي واشنطن التي تكفلت بمساعدة هذه الدول الخارجة من البعبع الأحمر. واذا كانت المواقف الرسمية تجاه العصر الأمريكي موزعة بين الأقسام الثلاثة، فان الرأي العام الشعبي في أوروبا موقفه من أمريكا واحد ويتمثل في ما قالته سياسية سويدية من أنه علينا أن نناضل لكي لا تكون واشنطن هي الشرطي الوحيد في العالم.
ہ كاتب من الجزائر يقيم في السويد8