بيروت- ‘القدس العربي’ ـ من يارا بدر: خمسة عشر يوما انقضت على تاريخ افتتاح معرض ‘العشاء الأخير’ الذي أقامه غاليري سامر قزح ‘دمشق’ بالتعاون مع سوليدير ‘بيروت’ في صالة The Venue’ ‘- أسواق بيروت، عندما كان الصمت ضيف الصالة الكبيرة يتجوّل بين لوحات (56) فناناً سورياً مشاركاً في المعرض. مشاركتان منهما لم تكونا قد نجحتا في الوصول بعد، هما لوحة الفنان المعروف ‘نذير إسماعيل’، ولوحة الفنان ‘فادي العويد’ القادمة من حلب، المدينة السورية التي تشهد حرباً عسكرية يومية منذ أكثر من عام، وصلت لوحة ‘العويد’ إلى بيروت ومن المُقرّر تعليقها في مكانها الذي بقيّ شاغراً حتى تاريخ 25 نيسان.
يشي عنوان المعرض الذي تزامن مع حلول ‘الفصح المجيد’ بارتباطه بالعشاء الأخير للسيد المسيح، فاتحاً بهذا الاختيار لمجموعة الفنانين المشاركين الحق باختيار زوايا تناول موضوعاتهم، إلاّ أنّ الوجع السوري الخاص طغى على معظم الأعمال، ليصبغ المعرض بسمات الحالة السورية ويغلبها على الحالة الروحية التي يوحي بها اسم المعرض. فكان الاغتراب، العنف، الدم وحتى الرعب حاضراً بقوّة على حساب الصداقة، الإيمان، الصفاء، أو حتى الخيانة التي يمكن تلمسها في موضوعة ‘العشاء الأخير’ للسيد المسيح مع تلامذته.
* الأعمال المشاركة:
(56) فناناً سورياً اجتمعت مشاركتهم الفنية في صالة واحدة، بعضهم غادر سوريا إلى أماكن بعيدة كثيراً مثل ‘جورجيا’- الفنان عبد الله العمري، البعض الآخر- وهم كُثر- يحاول البقاء قريباً من الحدث اليومي جغرافياً كما وجدانياً، فكانت بيروت خيارهم ومستقرهم، أو مُجرّد محطة رحيل في رحلة اغتراب أطول وأبعد مدىً، بالإضافة إلى فنانين قدموا ليشاركوا في الافتتاح من سوريا وإليها عادوا، مثل النحّات عيسى ديب والفنانة كيندا أرشية.
نحتياً شاركت ثمانية أعمال، لكل من: (غازي عانا- روناك أحمد- عيسى ديب- لمى حجار- نور كلش- يزن مقصود- عيسى قزح- ممتاز شعيب). اختار الفنانون المعدن- البرونز، وغاب الخشب والخيارات الأخرى، كما نحت في مُجملها إلى الحجوم الصغيرة، والمتوسطة.
الأعمال المُشاركة، على أناقتها- إن صحّ القول- والجهد المبذول بها، إلاّ أنّها في مُجملها بدت وكأنها نُحتت على عُجالة. عجالةٌ في قراءة الموضوعة والعمل عليها. فكان رأس السمكة، وكانت المائدة يتوسطها رجل وأمامه أدوات الطعام، على سبيل المثال.
المباشرة الفجّة، القراءة التي تستقي الأنموذج تقنياً وموضوعياً لم تكن أزمة الأعمال النحتيّة المشاركة فقط، بل امتدت إلى عدد كبير من اللوحات التشكيليّة، فكان الخروف، السمكة، النبيذ، واستعارة الأنموذج القبطي في رسم لوحة ‘العشاء الأخير’، زوايا اختار المشاركون عرض موضوعاتهم من خلالها، حتى من خلال التصوير الفوتوغرافي، الذي كان أقل المشاركات الفنية عدداً إلى جانب المشاركات التي اعتمدت تقنية الخط العربي، إذا ما استثنينا مشاركة ‘الكاريكاتير’ عبر مجموعة رسوم للفنان علي فرزات، بدت في الواقع أكثر مشاركات المعرض استعجالاً، وكأنهّا اسكتشات أوّليّة، لم يتسن لها أن تكتمل.
* الاغتراب عن موضوعة المعرض:
برز اللون الأحمر بدرجاته النارية أو الدموية للدقة، بقوّة كعلامة تكرّر حضورها في أكثر من عمل جنباً إلى جنب مع التشويش، والفوضى، لونياً أو تشكيلياً أو حتى في مستوى بناء اللوحة من حيث المنظور أو من حيث التوازن وحتى توزيع الكتل على سطح اللوحة. أمّا الذاتية العالية للفنان كما تنعكس في لوحاته، ومن أبرز هذه المشاركات مشاركة الفنان عبد الله العمري التي على الرغم من جودتها الفنية فإنّ اللوحة مُغرِقة في تصويرها للعزلة، والكآبة، مع مسحات من الضياع تشي بها العيون الواسعة للشخصية المرسومة في اللوحة، وهي من السمات التي ميّزت أعماله. وينتمني العمري إلى جيل الشباب من التشكيليين السوريين.
البارز- سلباً- كانت مشاركتا الفنانين علي الشيخ وأسامة معلا لكم الرعب الكبير الذي تشي به لوحاتهما. حتى يمكن مقاربة لوحة الفنان معلا بلقطة مُستعارة من فيلم الرعب الأميركي الشهير ‘THE RING-2002’، ولا تقل لوحة الشيخ عنها أثراً.
ربما أثار هذا حفيظة البعض من الحضور الذي ربط هذه التعبيريّة بموضوع المعرض. بالرغم من كون هذه اللوحات أكثر التصاقاً باللحظة السورية والحدث الراهن والخاص فيها، وأكثر اغتراباً بكثير عن موضوعة المعرض والعشاء الأخير السيد المسيح.
فرضت الأعمال الجيدة حضورها الخاص، نحتياً أو تشكيلياً، ففي لوحة الفنان علي حسين عالم لوني جيد التناسق، هذا العالم الذي يُشجّع الناظر للتوقف زمناً أطول أمام لوحة الفنانة ضحى الخطيب، رغم ضعف اختيار زاوية تناول الموضوع. كذلك أعمال سوزان حميدي، علاء أبو شاهين، حمود شنتوت، عمر إبراهيم. أمّا أعمال علاء شرابي، سراب صفدي، أيهم مليشو فربما تكون أكثر المشاركات توازناً، وتعكس جهداً واضحاً اعتنى بكل التفاصيل بدءاً بالموضوع والأسلوب والتشكيل وحتى الاختيار اللوني. ونحتيّاً تميّزت مشاركة الفنان غازي عانا، بقابليتها لتعدّد القراءات، قابليّة منسوجة من مجموعة تفاصيل كثيرة، وبفنية دقيقة، وتفتح على زوايا الرؤية المختلفة للنظر إلى المنحوتة المُعلقة على جدار الصالة كترسٍ حربي، كرغيف خبز، كمائدة صغيرة، كسطح لوحة.
*- الفن يجمع السوريين بعد أن فرقتهم الحرب:
سوريا التي من الصعب اليوم الحديث عن عائلة آمنة فيها، بمعنى أنها لم تفقد عزيزاً إمّا مُقاتلاً أو قاتلاً، وإمّا مفقوداً أو مُعتقلاً أو مُهجراً، قليلة هي مشاركات فنانيها الذين كشفت أعمالهم عن حسّ ساخر، أو عن غضب. كانت الفوضى- على المستويين اللّوني والتشكيلي- والدم، والرعب، والضياع مجموعة الأحاسيس الأكثر قوّة التي تلف أجواء المعرض، تحاول سرقة جمهوره إلى عوالم الحرب اليومية في سوريا. ففي سوريا اليوم، نتساءل إن كانت المنحوتة لرجال شديدي النحول خيارا فنيا صرفا، أم خيارا مسكوا بحكايات وصور شعبٍ جوّع الكثير من أبنائه في السجون وفي المدن المحاصرة لأهدافٍ سياسية، انتقاميّة، بكل وحشيّة وفي شبه صمتٍ مُطبق من المجتمع الدولي.
وبالرغم من كل الحكايات التي تشي بها اللوحات، فإنّ أياً منها لم تش بموقف سياسيٍ مباشر، وكان المعرض جمعاً لسوريين فرقتهم الحرب، فكانت مشاركات لفنانين من درعا مهد الثورة، ومن حمص عاصمتها، كما ضمّ مشاركات لفنانين من المناطق الخاضعة تماماً لسيطرة الحكومة السورية مثل اللاذقية، كما مناطق السويداء ودمشق وسواها. في المعرض ارتاح السوريون من سؤال الانتماء المناطقي، ومن سؤال الانتماء الطائفي، ومن سؤال الانتماء السياسي، ليكونوا سوريين فقط، فنانين سوريين.