رشاد أبوشاور
لما كتبت قبل أشهر أن غزة لن تكون (مقاديشو)، كنت أراهن علي الفدائي المقاوم ابن الشعب الذي عرفته في أغوار الأردن، وجنوب لبنان، وفي معركة بيروت الخالدة، لا علي أثرياء الثورة، ومجموعة السماسرة الذين تناسلوا ببركات ( أوسلو)… لم أصدق أبداً في أشد اللحظات قتامة أن من أراهن عليه قد تم (تبديله)، ولم يبق منه سوي شبه الزي الخارجي.
كنت أعرف أن (العملاء) مندسون في غزة، وأنهم مكلفون بتفجير الصراعات بين الفلسطينيين، وجرهم الي مذبحة داخلية تعصف بكل ما راكموه كشعب مقاوم، صبور، حضاري، عصي علي الاقتتال الداخلي، خبير بكل أنواع الدسائس والكمائن، وما يدبر من فتن لدفعه لانتحار ذاتي… ولذلك لم أصدق ولو لثانية أن من قتل الأطفال الثلاثة ينتمي الي أي اتجاه في الساحة الفلسطينية، فلا المتدين، ولا العلماني، ولا الوطني، ولا القومي، يمكن أن يخطط لهكذا عمل وحشي جهنمي لا مزيد علي بشاعته، وخسته، ولؤمه… شعبنا مل جلسات الحوار بين قادة السلطة وحماس، لأنها لم تصل الي الخاتمة المرجوة فلسطينياً، وتوجس مما يدبر وهو يري رئيس السلطة يعلن في حضرة كونداليسا رايس عن فشل الحوار لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وكأنه يزف لها بشري بالخبر (السار). عندما نجحت زيارة السيد اسماعيل هنية لقطر، وأعلن أن قطر ستدفع رواتب المعلمين الفلسطينيين، والعاملين في وزارة الصحة، كان هذا بشارة بأن الحصار بدأ يتفكفك بعد أشهر الحصار التي أعقبت تشكيل الحكومة.
تصاعد التوتير المفتعل كأنما هو رد فعل علي بدء الخروج من حالة الحصار، ففي مصر استقبل هنية، وفي قطر، وفي البحرين، وفي سورية، وفي ايران، والسودان.. واضطر السيد هنية لقطع زياراته والعودة الي الوطن، وتم ايقافه علي معبر رفح، فجلس كأي فلسطيني علي الرصيف واضعاً خده علي يده، وهو يصفن في هذا الحال. أهذه هي السيادة الفلسطينية علي المعبر؟! أهذا هو الاتفاق الذي تباهي من وقعه بأنه أنجز للشعب الفلسطيني انتصاراً تاريخياً، بالرعاية الأوربية، والكاميرات التي تلاحق الفلسطينيين حتي في دورات المياه و.. السيطرة (الاسرائيلية) المطلقة، بحيث يغلق المعبر ويفتح وقت تشاء سلطات الاحتلال!
رأي العالم رئيس وزراء الحكومة المنتخبة وزارته من مجلس تشريعي منتخب ديمقراطياً بشهادة المراقبين الأوربيين، والرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر الذي ثبت رأيه بنزاهة الانتخابات، في كتابه الذي أحدث ضجة قبل أسبوعين، ووصف فيه عنصرية (اسرائيل) بأنها أبشع من عنصرية جنوب أفريقيا… أقسم أنني نمت وأنا أتوجس من شيء ما سيحدث لرئيس وزراء السلطة السيد هنية، ولذا لم أفاجأ عندما سمعت نبأ محاولة اغتياله، وقتل أحد مرافقيه، وجرح مستشاره السياسي، وابنه.. ولذا لم أصدق ذلك الشخص الذي وصف العملية بأنها مسرحية، ليس لأن حماس لا تحبذ المسرح والسينما الا اذا كانت (حلالاً)، ولكن لأن هذه المسرحية دموية جداً، وليست تمثيلاً، وهي امتداد لجريمة اغتيال الأطفال الثلاثة، والهدف واحد… لقد هالني، كملايين الفلسطينيين أن أري أولئك الأشخاص المدججين بالسلاح، والحقد، والهراوات، وهم ينهالون علي المصلين الخارجين من مسجد جمال عبد الناصر، ضرباً وحشياً، وهم مذهولين مما يرون، وكأنهم يواجهون جنود احتلال لا رجال أمن فلسطينيين واجبهم حماية شعبهم، وتحرير وطنهم. أهؤلاء مقاومون فلسطينيون؟! ماذا فعلتم بأبناء شعبنا، وكيف بدلتموهم، وحقنتم نفوسهم بالكراهية وانعدام الانتماء؟!
أهؤلاء حرس رئاسي يا سيادة الرئيس؟ حرس رئاسي ممن؟ من شعبنا الذي يحملكم علي كتفيه رغم كل ما الحقتموه به بكارثة (أوسلو)؟! ألا يقتحم جنود الاحتلال، والمستعربون، يومياً رام الله، فيقتلون، ويخطفون، وحرسك الرئاسي يتفرج؟!
ولأنني لا أفقد الأمل كملايين الفلسطينيين، فقد وجدتني أراهن ولو بخمسة في المئة، بأنك يا رئيس السلطة ستنفس الاحتقان فتدعو في خطابك يوم السبت 16 الجاري الي استئناف الحوار الوطني للخروج من المأزق، وفك الحصار، والسير علي هدي وثيقة الوحدة الوطنية، ولكن… لكنك تباهيت بمن يسر مغادرة السيد هنية و.. دخوله من معبر رفح! ألم يخطر ببالك أن اتفاقية المعبر تهين الشعب الفلسطيني، وأن من وقعها اقترف خطيئةً بحق شعبنا، وأنه يتسبب بكل هذا العذاب لأهلنا في مغادرتهم وايابهم، وأن ما فعله لا يدعو للتباهي، وانما للخزي، والمحاسبة الوطنية علي ما اقترف؟
تباهيت يا رئيس السلطة بأنك أنجزت اتفاق أوسلو، وكنت أحسبك محرجاً بعد ضياع الأرض وتفشي الاستيطان، وانهيار الاقتصاد، وتردي الوضع الاجتماعي، واستشراء الفساد، والفلتان الأمني المزمن.. فيا للعجب، لقد أخذتك العزة بالاثم! كيف وقعت اتفاق أوسلو وقفزت علي حرية الأسري يا رئيس السلطة؟ ألم يفرض عليك وعلي قريع، مفاوضوكم الصهاينة أن تصان حياة العملاء، وأن يستوعبوا في (الأجهزة) الأمنية؟ هم أوفياء لعملائهم وأنتم تتخلون عن أبطال شعبنا.. وتتباكون عليهم وعلي وثيقتهم! يا للنفاق!… ولأن بينك وبين رئيسك الراحل عرفات ما نعرف من (عدم ود)، منذ حاولت الهيمنة كرئيس وزراء علي الأجهزة الأمنية وسحبها من صلاحياته، وتشبثه بها، فانك هجمت علي ذكراه لتشويهه بالتباهي بأنك اعتذرت للكويت لأنك لست مع سياسة المحاور.
ألم يكن عرفات مع الحل العربي؟ أنا أعرف أنه حذر الرئيس صدام من الاستدراج كما حصل للرئيس عبد الناصر عام 67، وأنا رأيته مع ملايين البشر علي الفضائيات وهو يصرخ محذراً من (الحرب)، فقد كان يعرف أن فلسطين والفلسطينيين هم من سيدفع الثمن، وهذا ما كان. سلطة الشعب التي تريد العودة لها يا رئيس السلطة، هي التي منحت حماس أغلبية مقاعد المجلس التشريعي، رفضاً لما جره أوسلو، وعقاباً للفساد والفاسدين الذين يقومون منذ أشهر بهجوم مضاد لاستعادة هيمنتهم، والهرب من العقاب المتربص بهم… دعوتك لانتخابات مبكرة جرت الي الاقتتال، وها هي تسيل الدم الفلسطيني، فهي وصفة خراب يريدها بوش وبلير وأولمرت، الذين رحبوا بها فوراً… أما الحكومة فأريد أن أقول لها كلمة: الذين انتخبوكم لم يعطوكم أصواتهم لتكونوا حكومة ربانية، وأول حكومة اسلامية في فلسطين.. انتخبكم المسيحي، واليساري، والوطني، والقومي العربي.. لتسهموا في انقاذ قضيتنا من خـــراب أوسلو، ومن الفساد… ليس من طريق أمام شعبنا سوي انجاز الوحدة الوطنية، ليس لحل مشكلة الرواتب، ولكن لانقاذ قضيــــــتنا، والفــــوز بحرية نستحقها…