احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الاستعماريين كان محاولة تأسيس لخارطة جديدة ـ قديمة لمنطقة الشرق العربي، الذي كان ولا يزال يثير أطماع الغرب الاستعماري ويحفزهم كلما لاح بعض الوهن والضعف والفرقة في الصف العربي. فمشروع تقسيم العراق ومصر سورية ولبنان وأقطار المغرب العربي لم يعد خافيا علي أحد، فمراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية نشرت هذه المشاريع، ويمكن لأي كان أن يطلع عليها. فالغرب لن يهدأ له بال مادامت هناك ممانعة أو مقاومة لمشروعه الامبريالي إلا إذا دانت له كل الرقاب وفتحت له كل الأبواب والخزائن ليلهف منها ما شاء لسنين طويلة قادمة. فهو تعود علي الرفاهة ورغد العيش ولا يمكن له الاستمرار في ذلك إلا بمواصلة السيطرة علي مصادر الطاقة وتوسيع الأســــواق لترويـــــج بضاعته وتحقيق الأرباح الطائلة التي تزيد في رخائه وفي قوته العسكرية التي جعلت خصيصا لتلكم الأغراض. فالغزوات الاستعمارية المتتالية لمنطقتنا العربية سبقتها دائما حملات إعلامية استعمارية وعنصرية. فالحملات الصليبية، التي وقع تجييش الشعوب الأوروبية من أجل تحرير بيت المقدس من المسلمين أصحاب الأرض كان أحد أغراضها الأساسية السيطرة علي الشرق الأوسط اقتصاديا، ثم توالت الغزوات خاصة بعد انهيار الأندلس ثم تفتت الدولة العثمانية. ولقد كانت غالب الشعارات التي يحملها الصليبيون الاستعماريون متشابهة في معظمها كمكافحة الخطر الإسلامي، أو رفع الجهل عنا أو إلحاقنا بركب الأمم المتقدمة… رغم تباعد الفترات الزمنية. فإذا عدنا إلي القرن التاسع عشر حيث نشط فيه الاستعمار الغربي في المغرب والشرق العربيين تستوقفنا مداخلة المؤرخ المسيحي ارنست رنو بمناسبة تدشين كلاج دي فرنس في 23 فيفري 1862: الشرط الأساسي لانتشار الحضارة الغربية هو تحطيم السلطة الروحية للإسلام، وهذا لن يحدث إلا إذا نجحنا في تحويله إلي عقيدة فردية متحررة حتي تضمحل نهائيا: هذه هي الحرب الأبدية التي لا تنتهي إلا بموت آخر أبناء إسماعيل بالجوع وبالرعب في عمق الصحراء.. الإسلام هو النفي المطلق لأوروبا.. ونلاحظ اليوم استمرارية هذا النهج العنصري الاستبدادي الذي تمارسه اليوم الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان و لبنان و في غيرها من الدول العربية الأخري. وهي التي تغزو العراق و تطيح بحكومته الشرعية و تقتل أكثر من 650 ألفا من العراقيين الأبرياء و تنهب ثروته البترولية و تزج به في حرب طائفية لم يشهدها العراق من قبل كمقدمة لتقسيمه و لجر كل المنطقة إلي حروب مذهبية وطائفية لا تبقي علي شيء وكل ذرائعهم نشر الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان! البشير التنجالسوسة ـ تونس6