بوش وفرسان الحرب الأهلية وتقسيم العراق:

حجم الخط
0

من أعطي بوش وبلير ورامسفيلد وفرق الموت والتعذيب والميليشيات الطائفية حق الولوغ بدم العراقيين؟ يقول الناس الجائعون في العراق ان الملايين تُنفق لتسليح ودفع رواتب فرق الموت والميليشيات المسلحة

د. محمد العراقي المخطط الامريكي ـ البريطاني الجديد هو تقسيم العراق. من أجل تبرير اعادة انتشار القوات المحتلة، بحجة انعدام سلطة عراقية، ولتكريس كيانات هزيلة تأتمر بأوامر الارادة الامريكية. ولا ريب ان اسرائيل تدعو حليفتها الكبري لتقسيم العراق خدمة لاهدافها. وقد صرح احد المنظرين الصهاينة جاي باخور: في حال الفشل الامريكي في العراق وعدم تقسيمه، يعتبر ان الحرب لم تحقق الاهداف المرجوة. وقال رئيس الاستخبارات العسكرية السابق: ان العراق بمساحته الحالية ووحدة اراضيه وشعبه، سيظل يشكل خطرا استراتيجيا علي اسرائيل. واضاف الجنرال داني روتشيلد رئيس دائرة الابحاث في المخابرات العسكرية قائلا: علي اسرائيل ان تسعي جاهدة لتمتين علاقاتها مع الاقاليم في العراق المجزأ.

هذا هو المخرج الوحيد الذي تسعي اليه واشنطن ولندن. فاستمرار الاحتلال يقود الي مزيد من الارامل في البلدين ومزيد من الخسائر المادية.

وبطبيعة الحال فحكام بغداد لا يريدون ان يظلوا بلا حماية، وحتي الطغم الحاكمة العربية المتعاونة مع امريكا لا تريد رحيل هذه القوات خوفا من رغبة وتطلع شعوبهم للتحرر من طغيانهم.

اما الحرب الاهلية التي يروج لها دهاقنة الطائفية فهي في نهاية المطاف ادامة للاحتلال، وتخليص المحتلين من الخسائر البشرية والمادية. فثمة خطة جاهزة في هذه الحالة، وهي انشاء اربع قواعد عسكرية ضخمة اضافة الي 18 قاعدة ثانوية لا تطأها قدم عراقية. وذلك لتأمين تمركز عسكري لامد طويل في المنطقة، وسيطرة علي منابع النفط. وتأمين الطريق الي بحر قزوين.

فشل امريكا في العراق وتعطيل مشروع الشرق الاوسط الكبير لا يحتاج الي دليل، فالخسائر البشرية تجاوزت الثلاثة الاف واكثر من عشرين الف جريح، علما بان هذه الارقام هي اكثر بكثير، ونفقات الجيش الامريكي قد قاربت الثلاثمئة مليار دولار، حيث بلغت في الشهر الواحد ستة مليارات. حيال هذا الوضع تجد امريكا نفسها في حالة خطرة، تهدد كيان الامبراطورية الامريكية، مع تنامي التوسع الثوري المعادي للولايات المتحدة الامريكية في دول امريكا اللاتينية.

فضربات المقاومة العراقية الموجعة دفعت بوش لاختيار لجنة الحكماء يترأسها وزير الخارجية السابق جيمس بيكر، ويساعده في مهمته عدد من نواب الكونغرس، لتقديم تصور عن الواقع العراقي، وافضل السبل للخروج من المستنقع العراقي.

تقسيم العراقوكلما اشتد ساعد المقاومة وازداد عدد القتلي في صفوف الجيش الامريكي، راحت (فرق الموت) وعناصر الميليشيات المحلية باستخدام السيارات المفخخة ضد المدارس والاماكن العامة والمساجد للنيل من سمعة المقاومة. وحيال هذا الوضع المتأزم فقد صرح اكثر من عضو في الكونغرس الامريكي (ان تقسيم العراق بند ثابت في سياسة البيت الابيض والبنتاغون)، معتبرين ترويج فكرة ومخطط القوة الناعمة التي تسخر التكنولوجيا للمساعدة في تغيير العالم كظهير للقوة العسكرية الصلبة. وهذه (القوة الناعمة) هي منظمات المجتمع المدني وتنظيم الزيارات الي امريكا، واقامة دورات تأهيلية، وقد تمت اقامة اكثر من 36 مركزا للمعلومات الطبية تستخدم لمختلف اصناف التجسس والاختراق الاجتماعي.

وجدير بالذكر ان خبيرا عسكريا في جامعة بوسطن اندرو باسيفتش صرح بأننا ازاء أزمة، اذا لم تتم معالجتها ستؤدي الي انهيار القوات، وينبغي ان تكون علي درجــــــة كبيرة من الســذاجة لتعتقد ان بمقدورك مواصلة اجبار القوات علي تحمل هذا المستوي من الضغط والتوتر لفترة طويلة، فالقوات البرية والمارينز يعانون من الارهاق والحصار.

وقد لاحظ معهد (بروكينغز) الاستراتيجي الامريكي ارتفاع معدلات الطلاق وحالات الانتحار، وان الحالة المعنوية للجيش الامريكي هشة، والخطر قائم وقد تسوء في قابلات الأيام.

لقد مزقت المقاومة العراقية مبدأ حصانة الامبراطورية الذي يظهر الجندي الامريكي بمظهر (السوبرمان) الذي لا يقهر، والذي يمثل دولة عظمي وحدها تمتلك الحق للعبث بمصائر البشرية. وبغض النظر عن الهيمــــنة الايديولوجية للمحتل، فالهزائم المستمرة التي يعاني منها الجيش المحتل، تظهر بشكل ساطع انه جيش يمكن هزيمته. وان احتلال العراق قد بدد فكرة الحروب العدوانية الدائمة.

حكومة المالكي كغيرها من حكومات سبقتها تقوم بالاساس علي اسس التقاسم الطائفي والعرقي، وحكم امراء الطوائف والميليشيات المسلحة وفرق الموت التابعة لها. هذه القوي التي لم يجن منها العراقيون سوي الخراب وسيول الدم والدمار. فالوضع الأمني والمعيشي والخدمات تسير من سيء الي اسوأ. فأمراء الطوائف الذين بيدهم مقود هذه الحكومة يضربون عرض الحائط بمصالح الشعب المعدم المنهك، هنا يجري السباق بينهم علي اقتسام السلطة ونهب الاراضي وسرقة المال العام وعوائد النفط. هم مشاركون في تدمير العراق وقيام دولة هزيلة مسخ خلقها وانشأها سارق ثروات العراق بول بريمر، الذي دمر البنية التحتية واقام مجلس الحكم علي اسس طائفية عرقية، وربط مصير الحكام الجدد بمصير الاحتلال.

قبل ايام لوح الرئيس الايراني لامريكا بان مفتاح الحل العراقي بيد ايران، وهذا التصريح دليل لا ريب في صحته ودلالته علي تغلغل النفوذ الايراني في العراق، واستغلال ورقة العراق لمنع الشيعة من الانخراط في صفوف المقاومة، والتهديد بهذه الورقة خدمة لمصالح بلاده الذاتية، ضاربا عرض الحائط بمصلحة الشعب العراقي.

ومن ناحية اخري دعم بلاده اللا محدود للفئة الطائفية التي تتحكم برقاب العراقيين، وتسليحه للميليشيات ودعمه ومساندته لتقسيم العراق من منظور طائفي ضيق الافق، ولتكريس سيطرته علي جنوب العراق. ولم تأت تهديدات عبد العزيز الحكيم بإشعال فتنة الحرب الاهلية الا بتنسيق مسبق مع البلد المجاور المسلم بعد تصريحات رئيسه. وكل ذلك جاء متناغما مع رغبة امريكية في تقسيم العراق، حيث الاكراد ينادون علانية برفع علمهم وانفصالهم، وحيث جعلوا من شمال العراق مأوي آمنا ووكرا للموساد الاسرائيلي الذين تغلغلوا في كافة المفاصل العراقية.

ولا زال العراق دماء واشلاء ممزقة. خراب ودمار للمدن والقري، خوف وارهاب، جوع وتشريد، انتهاك لحرمات الناس، واعتداء وترويع للطفولة البائسة البريئة. هدم للمدارس ودور العبادة حرائق واسلحة محرمة ودخان يغلف اجواء المدن. فاشست القرن الحادي والعشرين يصبون نيران الحقد البربري علي البيوت الآمنة لتحصد ارواح الاطفال والنساء والمقعدين، يعبثون بحياة وكرامة الانسان العراقي في (ابو غريب) والعشرات من المعتقلات، نهب لثروات العراق، سرقة لتاريخه وحضارته، تدمير والغاء لكيان الدولة، وتسريح للقوات العراقية الباسلة. احلال شراذم جاهلة حاقدة طائفية، عاشت علي فتات الغرب واجهزة مخابراته، شراذم مجرمة تنفذ مخططا استعماريا اسرائيليا طائفيا وعرقيا، تقمصت بزي رجال الدين همها الرجوع بالعراق الي عهد الجهل والتخلف والتمزق.

وباء وبلاء حل بالعراق بمجيء بوش وزمرته لتنفيذ ما وعد به بوش الاب بإرجاع العراق الي العصر الحجري. دخل العراق واحتله علي ظهور خانعة جبانة فاسدة عميلة، لتساهم والمحتل في تدمير مهد الحضارة الانسانية بغداد دار السلام وحاضرة ازدهار الثقافة الاسلامية في عصرها الذهبي. لقد صور الجلبي والحكيم وعلاوي والجعفري والطالباني والبارزاني وغيرهم، صوروا للمحتل انهم سيدخلون العراق آمنين مطمئنين، وان الشعب سيلقاهم بالأحضان والورد. واوحوا للمحتل ان مستقبل الديمقراطية في العراق لن يتحقق الا بتقسيمه، الي اقطاعيات ثلاث يتحكمون فيها برقاب اهلها وثروات البلاد واضعاف العراق ومحو هويته العربية الاسلامية كدولة قوية مركزية معادية للاستعمار والصهيونية، وفتح الباب علي مصراعيه لنهب ثروات العراق من قبل الاحتكارات الامريكية والبريطانية.

وبدأت الدماء الزكية الطاهرة تسيل علي ارض الرافدين، وتم احتلال شمال العراق، وراح بريمر يغذي النعرة الطائفية والعرقية الغريبة علي الوجدان العراقي، ويُعجّل الاكراد باقامة فدراليتهم ليمنع العراقي من اعادة بناء وحدته الوطنية ووحدة اراضيه، واسترجاع ذاكرته واجباره علي قبول الركوع والتخاذل والتهميش، وقناعة الشعب بكسرة الخبز والعمل بأبخس الاجور خدمة للمحتل وعملائه. ومن الشرق راحت الانفاس والمطامع الصفوية تنفث سموم الطائفية وتسند اولئك الذين عاشوا في كنفها. ومن الجنوب امراء اسكرتهم عائدات النفط حيث مهدوا الدرب وبنوا المطارات لاستقبال محرري العراق الامريكان والانكليز. ومن عجب وشعب العراق يكابد المحن والآلام، والسفاحون يوغلون بدماء الابرياء والمناضلين الشرفاء، الناس راحت تتساءل اين الثبات علي المواقف الذي نادت به دمشق دوما؟ واين التضامن مع شعب العراق؟ ام ان قلب العروبة النابض فضّل التضامن مع نظام يمارس القتل والتشريد والإبادة لكل الاحرار. وماذا عدا مما بدا يا تُري؟

يتحدثون فقط عن اعداد الجثثاما المقاومة العراقية الباسلة والشريفة فقد أدت عملياتها الجريئة والناجحة الي عزل المحتل وعملائه الذين لا يجرأون علي السير في شوارع بغداد. لقد قرر المقاوم الباسل ان العراق الحر والديمقراطي نصل اليه عبر فوهات البنادق وليس الخنوع لأوامر ورغبات المحتل المغتصب المجرم.

ثمة خبر يومي يشاهده الناس علي شاشات التلفزيون والصحف والاذاعات علي تباين لغاتها ان عدد القتلي جراء القصف الامريكي والسيارات المفخخة والعثور علي (40 او 50) جثة عليها آثار تعذيب عثرت عليها الشرطة في النهر او خارج بغداد مقيدة الايدي وطلقات في الرأس. صار عدد الضحايا الابرياء يوميا يتجاوز المئة في كافة مناطق ومدن وقري العراق. تري من هم هؤلاء مجهولو الهوية التي عثرت عليهم الشرطة؟ الاخبار التي ترد من العراق تشير الي الغالبية فهم هم عناصر مثقفة اساتذة جامعات واطباء ومحامون وكتاب. من له مصلحة في تصفية هذه العقول النيرة؟ انهم حريصون علي تكريس التخلف، والهاء ابناء الشعب بهذه الفعاليات التي تكاد تكون متكررة، والهدف الحقيقي وراء ذلك اشغال الكادحين البسطاء بهذه المسيرات وابعادهم عن التفكير في واقعهم المرير، او التفكير بالوقوف الي جانب المقاومين الشرفاء والانخراط في صفوف مقاومة المحتل. اضافة الي تكريس وتعميق وغرس المفاهيم والمشاعر الطائفية في نفوس وعقول هؤلاء المغرر بهم، خدمة لأهداف شريرة، وابقائهم رصيدا يُستفاد منه في المحن، وفي فرز الاصوات.

انها خطة مُحكمة مُورست في بلد مجاور، قامت بقتل وتشريد اعداد هائلة من المفكرين الاحرار، الرافضين لولايات المعممين والعودة بالناس الي عهود مظلمة كئيبة، والمستفيد الاول والاخير من هذه السياسة هم قادة هذا الفكر المتخلف الذين اعتادوا الحفاظ علي مصالحها، واحاطوا أنفسهم بجيوش جرارة من الميليشيات المرتزقة التي تعيث في الارض تدميرا وقتلا وخرابا.

والمستفيد الآخر من كل هذه الافكار التي تعيق تطور المجتمعات هو الامبريالية وعلي رأسها الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل. ان تكريس التخلف والعودة بالشعوب الي العصور المظلمة، وتأجيج روح الانتقام والثأر الطائفي، واشعال نار الحرب الطائفية هو الهدف الرئيسي الذي تسعي اليه الامبريالية الامريكية والعدو الصهيوني.

وثمة في العراق اصوات انتهازية تقول بعدم جدوي المقاومة، مدت يدها منذ البداية للمحتل وشاركت في مجلس الحكم، وساهمت بشكل مباشر بإضفاء الشرعية علي المحتل والاحتلال، ودخلت الانتخابات النيابية واقرت الدستور الطائفي. هذه الفئة التي انعزلت عن الشعب كليا، وربطت مستقبلها ومصيرها بدهاقنة الطائفية والاستعمار الامريكي. فهي تارة (تهدهد غيظ الجموع واخري عينها علي منصب شاغــــر) ومما يدعو الي السخرية.

وهؤلاء واولاء يمارسون التدليس والضلال، (وفي عيونهم بريق يخطف الذهب) انهم (قد ارضوا اطماع الطغاة، وحالوا دون سواد الشعب ان يثب). فيما اهان اخرون الشعب الكردي وتاريخه الذي ارتبط بوشائج كفاحية اخوية مع اشقائه العرب، عاشوا علي مدي التاريخ بتآلف ومودة، في السراء والضراء، قارعوا الاحتلال البريطاني في مطلع القرن الماضي، شاركوا برجولة واقتدار في كل وثبات وانتفاضات العراق ضد معاهدة بورتسموث عام 1948 وضد حلف بغداد، وفي ثورة الرابع عشر من تموز (يوليو) عام 1958 التي اطاحت بالنظام الملكي واقامت النظام الجمهوري واعادت للعراق حريته وكرامته. اليوم يحاول اولئك الذين اقاموا علاقات صداقة مع اسرائيل وقاموا بزيارتها والالتقاء بقادتها، ان يدقوا اسفينا بين الاشقاء الكرد والعرب، وان يمهدوا لفصل الشمال عن الجنوب والوسط، ليقيموا (كانتونا) تسرح فيه اسرائيل كما تشاء وتدبر المكائد ضد الشعوب العربية.

عن اي مصلحة وطنية يتحدثونوكل هذه المحاولات الآثمة التي تسعي جاهدة لتفتيت وتجزئة العراق تتناغم مع دهاقنة الطائفية. لقد التقي المتآمرون علي مصير وشعب العراق مع امريكا واسرائيل التي تعمل في العلن والخفاء لتقسيم العراق، وبالنسبة لامريكا تقسيم العراق طوق نجاة لورطتها في العراق. فعن اي حق شرعي يتحدث ابطال ودعاة التقسيم من العراقيين. أهو خدمة للمحتل، او للتسلط علي رقاب الناس، ام الحرية في نهب موارد العراق وخيراته، ام لسرقة عائدات النفط، وترك الشعب المضطهد يعاني الحرمان والبطالة وشظف العيش.

الشعب العراقي بكافة مكوناته يتساءل ماذا حصل خلال هذه السنوات العجاف غير التدمير والقتل والتشريد المبرمج. عن اي مصالحة وطنية يدور الحديث، امصالحة الشعب مع حكامه وهم قادة الميليشيات التي تنتهك الاعراض والحرمان وتقتل وتصول وتجول دون حساب وعقاب، وهم رموز الطائفية البشعة التي حلت بالعراق كالوباء؟ عن اي برلمان ودستور آخر وتم انتخاب الاعضاء بالتزوير وتحت حراب المحتل. عن اي حكومة وحدة وطنية يتشدقون. ايظن هؤلاء الحكام ان شعب العراق بعربه واكراده يصدق دعاواهم الباطلة الهزيلة عن حرية اتخاذ القرار والسيادة والحرية والديمقراطية؟ الاكراد في الشمال يتساءلون ماذا جنينا من ابتعادنا عن اخوتنا العرب، اي رفاهية وبحبوحة عيش نعيشها؟ المحرقة الحقيقية اليوم هي في العراق، ما ذنب هذا الشعب الصابر المحتسب ان يقدم الشهداء يوميا وان يتجاوز عدد ضحايا المجازر الامريكية ـ الاسرائيلية والطائفية الأكثر من نصـــــف مليون شهيد بريء؟ من منح بوش وبلير ورامسفيلد وفرق الموت والتعذيب والميليشيات ان تولغ بدم العراقيين بهذا الشكل المنفلت المستهزئ بكل القيم والاعراف والاخلاق؟ من المسؤول عن كل هذه الجرائم البشعة؟ في لبنان يطالبون بمحكمة دولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، متي سيطالب شعبنا والشعوب العربية المتعاطفة مع العراق بمحكمة دولية لمحاكمة هذه الطغمة المجرمة التي لا ترتوي من الدم، وليس لنهمها من حدود؟ الاسحاقيالاسحاقي: مدينة صغيرة آمنة، ينام اطفالها وهم نصف جياع، حُرموا من لباس يقيهم برد الشتاء، ودواء يشفي من مرض منهم، ينتابهم خوف دائم من مصير مجهول ينتظرهم. امهات وآباء يمزق الحزن افئدتهم وهم يرون اطفالهم فلذات اكبادهم يقضون جراء انعدام الغذاء والدواء، وانعدام المورد الذي يقي العوائل الجوع والعوز والمرض والحرمان. الاسحاقي كأخواتها بقية مدن وارياف العراق، كبيرها وصغيرها تئن بخفوف، اناسها يمشون في الطرقات بحثا عن عمل ولقمة خبز. الاطفال حرموا من الدرس والتعليم، خشية ان تمزق اجسادهم الطرية سيارة مفخخة، او تدهسهم سيارة هامر مسرعة، او شظية اطلقت من فوهة مدفع.

الموت.. الموت.. الضحايا.. الضحايا.. العثور علي جثث معصوبة العين مقيدة اليدين في الرؤوس طلقة وعليها آثار تعذيب.. جثث تتطاير اشلاء ممزقة اثر انفجار في سيارة.. دماء تغطي شوارع مدن العراق، ليس بمقدور خراطيم المياه ان تغسلها.. وخلف ذلك يقف القاتل يتلمظ فرحا، متعطشا لدماء جديدة، وانتشرت فرق الموت كالجراد في شوارع وازقة المدن تعيث في الارض فسادا، تقتل، تدمر، تعذب، تنتهك الاعراض والحرمات، ترتدي لباس الجيش والشرطة وعلي مسمع ومرأي من الحكومة، وبدعم منها، تروح هذه الجحافل من القتلة. يحلمون بالخبزبيت آمن، وعائلة كادحة يتراءي لها قرص الخبز في المنام. تحصد غربان الموت حياة اطفالها ونسائها ورجالها.. عشرون شهيدا في قصف جبان لئيم يقدمه بوش ووزير دفاعه الجديد وجنرالات الموت والمارينز الارهابي المنفلت ـ هدية لشعوب العالم بمناسبة اعياد الميلاد والسنة الجديدة.. هذه هي البداية فقط لتقديم الهدايا الجديدة هذه المناسبة المجيدة.. تري أحقا قد أوحي الله سبحانه وتعالي لهذا المسيحي المحافظ المتصهين الجديد ان اذبح الاطفال ودمر البيوت واحرق الاخضر واليابس، وكرّس الذعر والجوع والحرمان.. حاشا لله الذي قال: من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا. لقد صارت اخبار مأساة العراق وفلسطين لا تهز ضمائر الكثير، ويبدو ان ذلك قد خطط له في دوائر المخابرات والبنتاغون والمنطقة الخضراء والموساد.. هذا نوع من تحطيم المعنويات والعبث بسيكولوجية المتفرج والمستمع لاعتياده علي تقبل هذا الاجرام والسكوت عنه. اعلن هاملتون عضو اللجنة التي كلفها بوش مع بيكر لدراسة وتقديم مقترحات حول العراق ان علي امريكا ان تقطع مساعداتها للعراق والبالغة ستة مليارات دولار، لأن الحكومة العراقية لا تقوم بواجباتها لحماية أمن المواطنين وتقديم الخدمات اللازمة لهم، ولأن هذه المبالغ يدفعها دافع الضرائب الامريكي. ان ما يستوقف المتتبع للشأن العراقي يعلم ان ثمة مليارات أخري من عوائد النفط لا يعلم عنها المواطن أي شيء، ولم يعلن عن حجم الصادرات والواردات، فهي من الاسرار التي لا يعلمها إلاّ الذين يقبضون بزمام الامور في البلد. هذا عدا عن مساعدات اخري من دول متفرقة، تقدم للتعمير واعادة البني التحتية التي هدمها قراصنة العصر، يلاحظ المواطنون ان لا شيء من الاعمار يجري، وان مستوي معيشة عامة الشعب في تدهور مستمر. تري اين تذهب هذه العوائد والمساعدات؟ لعلنا نجد الجواب عند لجنة النزاهة التي شكلتها حكومة المالكي لكشف المفسدين والفساد (كذا). يقول العالمون ان البنوك السويسرية والاوروبية قد تكدست فيها مبالغ خيالية من المليارات باسماء عراقية وارقام سرية. انها فرصة ذهبية لا تفوت لسارقي المال العام وقوت الشعب.. انهم علي عجل من امرهم طالما انهم في سدة الحكم.. وليذهب ابن الوطن صاحب الحق الشرعي في ثروة البلاد الي الجحيم.

يقول الناس الجائعون في العراق ان الملايين تُنفق لتسليح ورواتب فرق الموت والميليشيات المسلحة، انها لا تنفق لتأسيس جيش وطني يدافع عن العراق.. لقد جعلوا من الجيش جنودا لحماية المارينز وليس للدفاع عن مصالح الوطن.. ان الفئة الحاكمة في العراق تخشي جيشا قويا، لذا تركز اهتمامها علي المرتزقة من الميليشيات قاطعي الرؤوس وثاقبي صدور ورؤوس ابناء الشعب بالمثاقب الكهربائية (الدريل). لقد صار هذا الدريل رمزا وعنوانا لهمجية وبربرية هذه الميليشيات المنفلتة التي لا تأتمر إلاّ بأوامر المرجعيات، وتنفذ اوامرها، لحماية هذه المرجعيات وتكريس هيمنتها وانفرادها في حكم العراق.

وقد شعر مجلس التعاون المنعقد مؤخرا بالخطر الذي يهدد بلادهم نتيجة الانفلات الأمني وتقسيم العراق، وبخطر التغلغل والنفوذ الايراني في العراق وفي المنطقة. لقد جاء هذا القلق متأخرا. لطالما نبه العراقيون بالاخطار المحدقة بالمنطقة. وبدلا من الاستماع راحت بعض حكومات دول الخليج تحرض وتساعد الامريكان والانكليز للعدوان والتدمير، وفتحت مطاراتها واراضيها لاحتلال العراق، وحين شعروا بالخطر المحدق بهم، يطرق ابوابهم اجتمعوا وخرجوا بهذا البيان الخجول.

دعوة لاحصاء القتليعلي المفكرين والمحامين الشرفاء في العراق وغيره ان يجروا احصاء موضــــوعيا دقيقا باسماء ضحايا الارهاب الامريكي ـ البريطاني ـ الطائفي، وتقديم دعاوي الي محكمة العدل الدولية، او الطلب بتشكيل محكمة خاصة علي غرار لبنان، لمحاكمة المجرمين وانزال العقوبات بحق من اجرم بحق الابرياء وبحق الشعب. يجب ان لا يفلت أحد من العقاب. ان شعب العراق يتهم، ولا بد للمتهم ان ينال العقاب العادل.

اثبتت تجارب الشعوب التي انعتقت من النير الامبريالي ان قيام الجبهة الوطنية الموحدة هي السبيل الأمثل لتنســــيق الاساليب النضالية. وليس ببعيد تجربة الجبهة الوطنية في العراق عام 1957 التي اطاحت بالنظام الملكي وحلف بغداد المشؤوم. ان علي كافة القوي الوطنية المناهضة للعنصرية والطائفية والمقاومة للاحتلال ان تأتلف في هذه الجبهة. انه مطلب حيوي لا يقبل التأجيل، واثبتت التجارب انه السبيل الوحيد المجرب والأمثل للتخلص من الاختلال واعوانه. فشعب فيتنام البطل استطاع تحت قيادة (الفيت كونغ) ان يلحق هزيمة نكراء بالامبريالية الامريكية التي خسرت خمسين الفا من عساكرها المارينز. وكانت (الفيت كونغ) قد وحدت تحت لوائها كافة الفصائل المقاومة للعدوان الامريكي.

لقد تعالت في الآونة الاخيرة دعوة من كبار رجال الدين الأفاضل والشرفاء الحريصين علي مستقبل العراق ووحدة شعبه وارضه علي ابناء شعبنا مناصرة ومؤازرة هذا النداء فهو طريق الخلاص، ولا سبيل غيره. فتشتت المعارضة يعرقل ولا يعجل بالتحرر من الامبريالية الامريكية والعملاء.

الجبهة الوطنية الديمقراطية الموحدة ستخدم الشعوب العربية لتخليصها من هيمنة العملاء، وستساهم بشكل مباشر في افشال المشروع الامريكي الاستراتيجي (الشرق الاوسط الكبير). كفي شعب العراق حرب التطهير العرقي الصامت الذي تمارسه فرق الموت والتصفية المؤتمرة بأوامر المخابرات الامريكية والــــقوي المرتبطة بهذه المخابرات حيث دفع بالآلاف الي النزوح والتهجير تحت التهديد، وكل ذلك من بركات المحاصصة الطائفية والعرقية المفروضة علي الشعب من قبل بوش وبلير وحكام العراق. وكان من نتيجة ذلك نشوء وبروز الانتماء القبلي والطائفي والعرضي بدلا من الانتماء الوطني. ان فجر العراق المتحرر والديمقراطي سيبزغ لا محالة بفضل سواعد المقاومة الباسلة وبفضل قيام الجبهة الوطنية المنتظرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية