من يسعي الي تفجير الوضع الفلسطيني الداخلي؟

حجم الخط
0

د. بشير موسي نافع

ما كان لأحد ان يشهد حديث د. صائب عريقات للصحافة ظهر يوم الجمعة الماضي (15 كانون الأول/ ديسمبر الحالي) الا ويستشعر أجواء حرب. ثم جاء خطاب الرئيس محمود عباس في اليوم التالي ليؤكد عزم الطبقة الفلسطينية الحاكمة شن الحرب علي الحكومة المنتخبة التي تقودها حركة حماس. في خلفية الخطابين، تداعت أحداث الصدام والنزاع الفلسطيني السياسي، الواحد منها تلو الآخر، من محاولة فاشلة لاغتيال ضابط مخابرات فلسطيني انتهت الي مقتل أطفاله الثلاثة، الي اغتيال قاض يعد من قياديي جناح حماس العسكري، الي الاعتداء المسلح علي موكب رئيس الوزراء عند عبوره الي قطاع قطاع غزة من الجانب المصري للحدود. لم يأت تصاعد هذه الأجواء المسمومة من فراغ؛ فمنذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وبعد فترة تفاوض حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، أعلن الرئيس عباس فجأة ان المباحثات وصلت الي طريق مسدود، وان لابد من النظر في مسار آخر لحل أزمة العلاقة بين الحكومة الفلسطينية والقوي الأورو ـ امريكية. هذا بالرغم من ان قيادات حماس، وحتي اعلان عباس، كانت تؤكد علي قرب التوصل الي تفاهم بين الحكومة والرئيس حول تشكيل حكومة وحدة وطنية. فما الذي تعنيه هذه التطورات في الساحة الفلسطينية السياسية؟

طبقاً للدكتور مصطفي البرغوثي، الناشط الفلسطيني المعروف وعضو المجلس التشريعي، والذي لعب الدور الرئيسي في التفاوض حول حكومة الوحدة الوطنية، لم يكن هناك من مبرر ملموس لاعلان الرئيس المتسرع فشل المفاوضات. بل ان البرغوثي ألمح الي ان اعلان الرئيس ربما جاء نتيجة تدخلات خارجية، لم تكن تريد لحكومة وحدة وطنية تشارك فيها حماس ان تولد. من ناحيتها، تشير أوساط حماس الي الاتجاه نفسه وتقول ان الرئيس عباس، الذي كان من طالب أصلاً بحكومة وحدة وطنية، خضع لضغوط من وزيرة الخارجية الأمريكية، استهدفت افشال التفاهم الفلسطيني الداخلي حول الحكومة المنشودة. أياً كان السبب المباشر خلف انهيار مباحثات حكومة الوحدة الوطنية، الذي ولد سلسلة التداعيات المتفجرة التالية، فالواضح ان الرئيس أبو مازن والمجموعة الملتفة حوله لم يكونوا بانتظار الضغوط الخارجية لاطلاق حملة اسقاط الحكومة الفلسطينية. ما وفرته الضغوط الخارجية، ربما، كان التوكيد علي ان الولايات المتحدة والقوي الأوروبية والعربية المتحالفة معها باتت مستعدة لدعم مشروع اسقاط الحكومة واخراج حماس نهائياً من جسم السلطة الفلسطينية، مهما كانت تكلفة هذا المشروع.

أثبت الرئيس أبو مازن منذ تسلمه مقاليد الرئاسة انه غير قادر علي تحمل الأعباء الثقيلة وبالغة التعقيد للقضية الفلسطينية. أبو مازن هو بالطبع أحد القادة التاريخيين لحركة التحرر الوطني الفلسطيني في دورها الحديث، ولكن هذا الميراث لا يعني بالضرورة توفر خصائص القيادة وشروطها لديه. ولعل هذا العجز عن القيادة والتصدي لمتطلباتها هو ما أظهر الرئيس بمظهر الضعف والتردد وفقدان الثقة، ليس فقط فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني الداخلي، ولكن ايضاً وأكثر خطراً في التعامل مع قادة الدولة العبرية وفي مواجهة الضغوط الأمريكية والعربية. كلما ازدادت الضغوط الاسرائيلية والدولية والاقليمية، استدار أبو مازن للوم الطرف الأسهل: الشعب الفلسطيني وقوي المقاومة. ولكن أحداً لا يجب ان يخطيء حقيقة أن الرئيس الفلسطيني هو أيضاً صاحب وجهة نظر، ووجهة نظر لا تتفق ورأي أغلبية شعبه وقواه السياسية، بما في ذلك قطاع واسع من حركة فتح التي يفترض ان توفر القاعدة الشعبية المساندة للرئيس. ولهذا السبب، لتكريس وجهة النظر هذه، أحاط عباس نفسه بمجموعة من المستشارين الذين يتفقون ورؤيته للأمور، أو أنه وجد نفسه تلقائياً بحاجة للمعسكر الذي تقف فيه هذه المجموعة الصغيرة مـــــن المستشارين.

ما يمثله الرئيس والمجموعة الملتفة حوله هو في أحد أبعاده غضب الطبقة الفلسطينية الحاكمة من نتائج الانتخابات التشريعية التي حققت لحماس الأغلبية البرلمانية وأعطتها حق قيادة الحكومة، ورغبة هذه المجموعة الجامحة في الانقلاب علي نتائج الانتخابات. لا يعكس هذا الوضع بالضرورة صراعاً بين حماس وفتح، فعدد كبير من قيادات فتح رحب بنتائج الانتخابات وبما أوحته من حاجة فتح الي تصحيح المسار، كما ان المجموعة التي تحيط بعباس من الطبقة الحاكمة ليست جميعها من حركة فتح.

لم تبدأ مشكلة هذه المجموعة منذ تولت حماس مقاليد الحكومة الفلسطينية، بل تعود بجذورها الي صيف العام 2000. فبعد ان رفض الرئيس الشهيد ياسر عرفات القبول بعرض التسوية النهائية الذي تقدم به الاسرائيليون في كامب ديفيد ودعمه الأمريكيون، لم تخف عناصر من هذه المجموعة معارضتها لعرفات، بل واتهمته (في تطابق مع الجانب الاسرائيلي) بافشال مباحثات الحل النهائي. وما ان انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في نهاية أيلول (سبتمبر) 2000 حتي أعرب عدد من أعضاء هذه المجموعة، بمن في ذلك محمود عباس، خلافه القاطع مع نهج الانتفاضة ومع انحياز الرئيس عرفات لشعبه. عندما فرض علي عرفات الحصار، لم يخف هؤلاء سعادتهم من العزلة والمقاطعة التي فرضت عليه، بل وساهموا في تأجيج الاتهامات الموجهة له في دعم النشاط الفلسطيني المسلح. قبل قليل من اغتيال عرفات، عملت هذه المجموعة علي تقويض سلطته بتنظيم مظاهرات مصطنعة ضده في قطاع غزة؛ كما دعموا وشاركوا في الضغوط العربية والأمريكية التي استهدفت تخلي عرفات عن سلطاته لمحمود عباس وتحوله الي مجرد رمز وطني. وبعد اغتيال عرفات، لم يبذل هؤلاء جهداً حقيقياً للتوصل الي حقيقة عملية اغتياله. كانت الانتفاضة الخطوة الاولي في طريق اطاحة الفلسطينيين بسلطة هذه المجموعة، بامتيازاتها، وبتحكمها الأهوج بالقرار الفلسطيني. ثم جاءت الانتخابات التشريعية الأخيرة لتضع نهاية شرعية وقاطعة لهذه الامتيازات والتحكم. ومن هنا تأتي محاولة الانقلاب علي الحكومة الفلسطينية، المحاولة التي تغذيها شهوة العودة الي جنة عقد التسعينات المفقودة.

ومن السذاجة القول بأن هذه المجموعة تتحرك بدافع الحرص علي رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، المعاناة التي تفاقمت بفعل الحصار الذي فرضته القوي الأورو ـ أمريكية والعربية علي الحكومة الفلسطينية. فأغلب أعضاء هذه المجموعة لا يتمتع بجذور جماهيرية، ولا هو يطمئن للارادة الشعبية. أغلب هؤلاء في الحقيقة يحتقر الشعب. عندما كانت السلطة السياسية والأمنية والمالية في أيديهم، لم يكترثوا بالعودة الي الشعب وهم يأخذون أكثر القرارات خطورة في تأثيرها علي الحق الوطني ومستقبل القضية الوطنية. اعتقلوا الفلسطينيين بالآلاف، وأبقوا الناس في السجون بلا محاكمة ولا اكتراث بقرارات القضاة. لم يتورعوا عن تعذيب المئات، ولا حتي عن القتل تحت التعذيب. وربما لم يتعرض هذا الشعب الكريم، المضحي والصابر، لمثل اهدار الكرامة والاهانة التي تعرض لها خلال سنوات التسعينات الست من عهد السلطة الفلسطينية. وكما استبيحت الحقوق الوطنية التاريخية وانتهكت حريات الناس وكرامتهم، اعتدي علي المال العام بلا حساب.

بيد ان هذا هو بعد واحد للأزمة؛ بعدها الآخر والأكثر أهمية هو ذلك المتعلق بالقضية الوطنية. مشكلة الحكومة الفلسطينة الحالية مع الأمريكيين والأوروبيين وبعض العرب ليست كفاءة أعضائها أو نزاهتهم؛ فالجميع يعرف ان أي حكومة ستكون أفضل من الكارثة التي فرضت علي الشعب الفلسطيني منذ 1994. مشكلة الحكومة هي في موقفها السياسي، في رؤيتها للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي والعربي ـ الاسرائيلي. لو ان الحكومة الفلسطينية أبدت استعداداً لانتهاج الطريق الذي يدعو اليه الرئيس عباس والمجموعة الملتفة حوله لوجدت من القبول الاقليمي والدولي اضعاف ما يجده الآخرون. المسألة محل الخلاف الآن ليست في الجهة التي ينتمي اليها أعضاء الحكومة أو في خلفياتهم، تماماً كما ان المقاطعة الدولية لقيادة منظمة التحرير الفسطينية من 1968 الي 1991 لم تكن في خلفياتها التنظيمية، ولكن في النهج السياسي وطريقة التعامل مع الحقوق الفلسطينية التاريخية. كما ان اغلب القضايا التي تثار في وجه الحكومة الحالية علي الصعيد الداخلي ليست نتاج سياساتها، بل هي سابقة عليها وذات جذور ممتدة في الحكم الفلسطيني السابق. الانفلات الأمني في قطاع غزة لم يبرز في الشهور القليلة الماضية، بل يعود لسنوات مضت. والصعوبات المالية التي تعاني منها الحكومة ليست وليدة المقاطعة الدولية وحسب، بل هي أصلاً وليدة النهب والتبذير في غير الموضع الحق والتسيب والاختلاسات التي ميزت الحكومات السابقة. مشكلة الحكومة الحالية الوحيدة، ان كان لابد من ان يطلق عليها مشكلة، أنها ترفض الاعتراف بالدولة العبرية، ترفض العودة الي نهج التفاوض الذي كرسته السلطة الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو، وترفض محاصرة قوي المقاومة والتنكر لحق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم. وهذا النهج هو ما يسعي الرئيس ومعسكره الي كسره، أو التعاون مع قوي الخارج للانقلاب عليه.

وحتي هذا الانقسام في الساحة الفلسطينية ليس جديداً. فمنذ ما بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 والساحة الفلسطينية السياسية يتنازعها تياران رئيسان: التيار الأول هو ذلك المؤمن بأن التمسك بالثوابت الوطنية والصبر والصمود سيؤدي في النهاية الي ان يقتنع العالم بالاعتراف ولو بالحد الأدني من الحق الفلسطيني؛ والاتجاه الثاني هو ذلك الداعي الي التوائم مع الأمر الواقع وأخذ توازنات القوي الحالية في الاعتبار من أجل الحصول علي ما يمكن الحصول عليه من مطالب. حقق الاتجاه الثاني سيطرة تدريجية علي سياسات منظمة التحرير الفلسطينية منذ تبني برنامج النقاط العشر في منتصف السبعينات حتي توقيع اتفاق أوسلو في خريف 1993؛ وربما كان رفض عرفات التوقيع في كامب ديفيد 2000 أول انقلاب ملموس علي هذه السيطرة. خلال سنوات الانتفاضة، والي ان أن جاءت الانتخابات بحكومة حماس، شارك الفلسطينيون جميعاً في دحر دعاة التنازل عن الحقوق الوطنية وكسر هيمنتهم علي القرار الوطني الفلسطيني. وقد رد الأخيرون بالتواطؤ مع القوي الدولية والاقليمية لعزل الحكومة وحصارها واضعاف قواعدها الشعبية. وقد كان مدهشاً خلال عمر الحكومة الحالية، الذي لم يكمل عاماً حتي الآن، كيف امتنع الرئيس عباس عن الدفاع عن حكومته، حكومة الشعب الفلسطيني، ووقف ينظر بسخرية واستهتار الي معاناة شعبه، منتظراً اخضاع الحكومة أو سقوطها.

علي نحو من الأنحاء يرتبط وجها الأزمة ببعضهما البعض. فالرئيس ومن يلتفون حوله من أبناء الطبقة الحاكمة لا يسعون الي استعادة سلطة وامتيازات التسعينات وحسب، بل ويرون أيضاً أن نهجهم وتصورهم للقضية الوطنية هو مؤهلهم الأكبر للسلطة والامتيازات. اليوم لم يعد الفلسطينيون مجبرين علي نهج واحد، لأن أمامهم أكثر من خيار؛ وان سمحوا بعودة الساعة الي الوراء فلا يلومون الا أنفسهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية