الكتابة على الكتابة

حجم الخط
1

سأبدأ من التذكر والتخيّل. من الذاكرة والنسيان. النسيان يعني أن تذهب إلى الاستفادة من تجارب الآخرين. أن تتأمل حيواتهم وكتاباتهم، كما سيفعل لؤي حمزة عباس في كتاب ‘الكتابة-إنقاذ اللغة من الغرق’ فهو؛
اولا: يتنقل بين التذكر والنسيان. وإذا كنت قد أشرت إلى معنى النسيان، فإن معنى التذكر هو أن يسرد الكاتب تجاربه مع الحرب وفي طفولته ومع أبيه.. هذا هو الشكل المباشر للتذكر.
ثانيا: أن يعمد إلى نسيان ذاته والتحول إلى قاريء ومتأمل وشخصية متخيلة تتنقل في كتابات الآخرين وسيرهم من كتّاب كبار كنيكوس كازنتزاكيس رابليه بيسوا واور كاكورا كاكوز ونجيب محفوظ وفؤاد التكرلي ويوسا وغيرهم..
ثالثا: أن يوجد بين التذكر والنسيان عن طريق محو الحدود بينهما. فليس هناك تذكر كامل، لأنه ببساطة يتذكر بوعيه ككاتب وقارئ وبمخزونه من الكتب المهمة والمؤثرة التي قرأها ووجهته ليستعيد ماضيه بطريقة مختلفة عما يفعل الآخرون. وهو لا يمكن أن يكون نسيانا كاملا لأنه يقرأ ويفكر ويسرد كتابات الآخرين وسيرهم من خلال وعيه هو باللحظة التي يعيش فيها ووعيه بالزمان وبحركة الواقع وبمأزق الحاضر الذي هو جزء منه وبمأزق الثقافة والكتابة والرواية العراقيتين اليوم.
فما معنى أن ينفصل كاتب عن الرواية التي تشكل غالبية المتن الروائي العراقي الذي يلاقي ترحيبا واحتفاء نقديين وشعبيين ويحصل على جوائز أو ينافس عليها، وينال أصحابه الرضى عن أنفسهم وعن كتاباتهم، فيما لا تضيف تلك الرواية إلى الواقع شيئا فهي تعيد حكايته بلغة انفعالية متوترة وبأسلوب مباشر في الأكثر؟
إنها ظاهرة عامة، وربما لا يكون الناقد مُصدَّقَا إذا قال هي أزمة في الشكل الروائي. نعم.. يوجد كم روائي، ولكن حتى محاولات التجريب التي كانت طبيعية في سياق التحولات التاريخية والاجتماعية التي تثبت عجز الفن والرواية عن المتابعة والرد وتقديم الرؤية والتحليل عبر شكل سردي أو كتابي، حتى تلك لم تعد موجودة.
ولكن في مقابل كل ذلك سيكون الكاتب أقدر على إنتاج تجربة جديدة في الكتابة تستحق الإشارة إليها ولو لاحقا!
هل وصلت إلى نقطة النسيان التي أريد أن أبدأ بها من خارج كتاب الكتابة في تصور نقدي سوسيو ثقافي؟ أعني أن الكاتب ينسى فضاء التلقي العام وجمهور القرّاء. وذلك يستدعي التفكير في الكتابة ذاتها والعمل على تطويرها شكلا ومضمونا وتضمينها رؤية ما وموقفا مما يجري الآن.
النسيان إذن يستدعي التذكر، مثلما أن تذكر القارئ الاعتيادي في الخارج لنماذج من الرواية بعينها تقوم على الحوادثية وتمثيل الواقع بلغة واضحة شفافة مكشوفة أو بلغة مُضَحَى بها تتحول إلى وسيلة لنقل الواقع يستدعي نسيان الكتابة المغايرة وطرحها خارجا أيا كانت تلك الكتابة.
ستتغلغل هذه البنية البسيطة السوسيو ثقافية خارجا لتتحول إلى بنية سردية أو لأقل كتابية دلالية داخل كتاب (الكتابة، إنقاذ اللغة من الغرق).
فنسيان القارئ والفضاء الذي يتحرك فيه أو الواقع ومشكلاته ومأساويته وخرابه الذي نعرفه جميعنا سيتحول إلى تذكر. وذلك في القسم المخصص لسرد يشبه السرد الذي نعرفه في الروايات التقليدية ويتصل بتجارب الكاتب مع الحرب وتجاربه الواقعية عموما. كأن يقول عن نفسه:((يتذكر الجندي مشهد إعدام نجا منه يوما.. حدث كل شيء بلمحة خاطفة أضاءتها فوهات البنادق، لحظة يصعب معها الحديث عمن سقط أولا وعمن تأخر قليلا… لكن الكاتب كان هناك، تحت جنود الأرزاق وقد تحولوا جثثا تنزف فوقه)). وهو تذكر يستلزم نسيان الذات والتضحية بها. وينتج عنه بالضرورة نسيان الواقع أو اهماله لصالح إرضاء القارئ. وبالتأكيد إرضاء المؤلف التاريخي. فنحن كقرّاء تقليدين نميل إلى مقاطع التذكر في كتاب الكتابة ومعها نتذكر الكاتب لؤي حمزة الذي كنا نسيناه في الخارج لصالح رواية تقليدية تناقش الهم اليومي العراقي المتفجر والدموي.
استفزنا الكاتب بطريقة ما. سحبنا إلى الكتاب. وحوّل نسياننا الخارجي له إلى تذكر.
ولكن ذلك لن يرضيه. فهو كما اتفقنا في البداية ولأسباب ثقافية وأدبية وموضوعية ومادية لا يريد هذا التذكر. وهو جاء به ليكون جزءا من لعبة الكتابة التي سيشيح بموجبها بوجهه ثانية عنا متجها إلى النسيان، نسيان ذاته ولو بصورة إيهاميا لأنه، وكما قلت أيضا في البداية، أي الكاتب موجود دائما وظاهر ومعبَر عنه في لعبة الميتا سرد الظاهرة خلال الكتاب التي تتدخل لتنتشل القارئ من أي استلام تام للرواية يجعله ينسى أنه أمام كتابة مغايرة غير تقليدية.
وسيكون ذلك النسيان عن طريق إعادة كتابة المكتوبات السابقة من كتب أدبية وشخصيات معروفة.
إن النسيان هنا ياتي لصالح القارئ. القارئ فيه أي في المؤلف- والقارئ الذي يتمناه، الذي يستفيد من الكتب والروايات ويعيد كتابتها كما في هذا المقطع عن هيرمان هيسه الذي يبدأ بـ ((لنفترض على سبيل الكتابة أن الرجل الذي يخطو في المرج هو (هرمان هيسه) المولود في كالف المانيا العام 1877، وقد بدأت حياته العملية بائع كتب…)) ثم ينقل من ‘لعبة الكرات الزجاجية’ ما يكمل به الحديث عن هسه واصلا حياته بكتابته، وبعنوان المقطع الكتابي داخل الكتاب وهو ‘مجازات’، فيقول: ((‘كل شيء سيمر سيد هيسه’ يحدّث رجل القطار نفسه بصوت خفيض وقد أخذت لوعة الكلارنيت تتصاعد حوله، ‘ليس علينا سوى البحث عن مجازات جديدة’).
التبست الأمور أليس كذلك؟! إنه ما تريده الكتابة. فليس من حدود واضحة، ففي قلب كل طرف أو جانب تتبرعم كتابة الآخر، تورق وتتغصن. هناك نسيان داخل التذكر الموهم في القسم التذكري من الكتاب الذي يتصل بشخصية الكاتب لؤي حمزة نفسه القارئ يتذكر نفسه فينسى القارئ الذي لن يعود له من وجود ثقافي، وجوده عاطفي فقط.
وهناك في القسم التخيلي الخاص بالكتّاب وعوالمهم قصصهم وسيرهم ينسى المؤلف نفسه فيتذكر القرّاء الذين يتحولون إلى وجود ثقافي ومعرفي وإنساني فعال.
هل اكتملت لعبة الكتابة الآن؟! الكتابة التي تظل محض لعبة يديرها المؤلف باسمه الحقيقي وبلغته التي سيكون لها وضع متميز صوغا وحساسية وحضوراً، وبحضوره في تنقلات الكتاب بين التذكر والتخيل، وفيهما كل على جانب.
شكليا أظنها اكتملت. والمهم هو دلاليا، أو سؤال الرواية الذي يغيب عادة أمام سؤال الواقع وسؤال القارئ وسؤال المؤلف بالمعنى التقليدي.
سافترض أن انتقال التمثل السردي من الانعكاسية المرآوية أو الواقعية التي يمكن أن تكون البكائية أو الانفعالية السلبية الأثر على القارئ، إلى التمثيل الكتابي والكتابية بمفهومها العام والجامع والتطبيقي، أي بما تعنيه من حضور الذات وغياب المتكلم أو العكس. وبما تعنيه من اتخاذ وسائل وطرق مختلفة للتأثير فيه واقناعه وتوجيهه أو إهماله، منها المباشرة كالمقالة والشرح والإحالة في الهامش وسرد السيرة الذاتية. ومنها غير المباشرة كالقص التاريخي كما في قصة مقتل العائلة المالكة فجر ثورة 14 تموز والسرد الغيري في التعرض لسير الكتاب أو الشخصيات التي يعرفها الكاتب.
سافترض أن كل ذلك يجعل الكتابة تمثيلا لمجموعة من الهموم والمشكلات أبعد من التمثيل للوقائع والأحداث التي نمر بها في السنوات الأخير ة ويجعلها أقدر على اقتراح موقف أو رؤية من داخلها وبواسطتها.
هل اقترح الرؤية التي يتضمنها كتاب الكتابة؟ إنه اقتراح يجعلني أتذكر نفسي كقارئ وكجزء من الحل العقلاني الثقافي لمأزقنا اليوم، ويجعلني أتذكر الكاتب والكتابة، ويجعلني في المقابل وهو المهم أنسى الواقعي وثقله وعاطفيته المقيدة للتفكير والإرادة والفعل.
هذه هي الرؤية كما افترض: نسيان ما ينبغي ان ينسى، وتذكر الذات وقدرتها على التأمل والفهم والتبصر بعيدا عن ثقل التاريخ واللحظة، وصولا إلى الفعل.
ومن المتمم أن أقول: إن هذا لن يحصل ما لم نُعد النظر في طريقة السرد والكتابة وفي المحمولات العاطفية والبكائية التي تكاد تغرق بها مضامين الرواية ويضيع فيها قارؤها وكاتبها على المدى القريب القادم.
‘ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية