ألاّ تملك كلمات لا يعني أنك لا تملك فلسفة. معظم الحكماء الحقيقيين أولئك الذين نُنحيهم جانبا كي نبحث عن حكيم حقيقي، رجل يعتزل الناس ويأتيه الوحي شعرا أو نثرا يضعه في كتاب، ثم يتبعه بحفل توقيع فمعارض وندوات وأمسيات. تفتح الجريدة فتصفعك نظرة احتقار لوجودك وتفاهتك وسطحيتك تطل من عينيه تحت نظارة الحكماء التي يزين بها وجهه، تفتح التلفاز فيخرج لك كالأفعى بلسان عجيب، تفتح الانترنت، الراديو … وقد تفتح الغسالة أو تنظر في وجه زوجتك فتجده هناك. يصير ضيف الشرف في الجلسات والصالونات والمقرب من أصحاب السمو والمعالي. لكن لحظة أين الذين آمنوا به عندما لم يفعل أحد، أين الذين أحبوه عندما كان متبطلا عاطلا لا عمل له سوى لعب الطاولة؟ أين الذين يقول اني أكتب لهم وعنهم ؟!
لقد علا منبره، وتغيرت فلسفته ونظرياته ‘ لكم دينكم ولي ديني ‘ و’لا وحي بين الناس ‘ ‘ونحن في الغياب نصبح آلهة ‘ ثم يتضخم الأنا ويتضخم، فيشعر كاتبنا العظيم بالرضى عن نفسه بابتسامه لعابر سبيل ‘نكرة’ ان التقت عيناه صدفة بهذا اللاشيء/اللأحد .
ثم تقوم القيامة بين فطحلين، أديب ودعيّ، وكلاهما يدعو الآخر بالدعيّ، ويكون ذلك العصر الذهبي لقصائد الهجاء .ويا ليتها تقف عند القصائد بل تتطاول بعد ذلك لتصبح سباب شوارع.
ويحشد كلا القطبين جيشا من متابعيه، ومن الكائنات الأقل شهرة، حينها وحينها فقط تُوضع قواعد الأدب والنقد ‘ من ناقدنا فليس منا ‘ ‘من شذت خطاه عن خطانا فقد أعماه غروره وزين له شيطان نفسه الظن الحسن بنفسه ‘ . ويختصر الأدب في نسختين، وتهمش كل الأصوات الأخرى وكل من وسوست له نفسه أن يكون له عقله الخاص، أو أن يعتزل الحرب الدائرة لأن لا ناقة له فيها ولا جمل، ولا دجاجة في صراع الديكة .
وتُترك الشعوب والثورات والقتلى والأسرى والمشردون والمفقودون واللاجئون والاحتلال والجوع والفقر والبطالة والفساد السياسي والاداري والظلم الاجتماعي والأحكام القبلية وجرائم الشرف والادمان والمخدرات وانتهاك الأعراض والسوق السوداء وقضايا بيع الأعضاء والعشوائيات واستغلال الأطفال والعنف الأسرى والشذوذ والأمية والجهل وانتشار الأوبئة والتسرب من المدارس وقصور المناهج التعليمية والبنية التحتية السيئة والمافيات والتعصب الطائفي والتحرش الجنسي، للتفرغ لقصائد المدح والذم .
لا أدرى حقا متى ولا كيف ستنهض أمة فسد فيها الأدب؟
هناء محمد موسى