قصائد ‘لحكايا الوجع’

حجم الخط
0

‘ولي
قلب مزدحم
بالانكسارات والخيبات’ {ص51}
عن دار العين للنشر المصرية، صدر في طبعة أولى السنة الماضية {2013} الديوان الأول للشاعرة المصرية سارة علام ‘شلتوت’. شاعرة تأتي من ‘زمنها’ الذي خطته قصائد في باكورتها الشعرية الأولى بتدفق لافت. على امتداد 112 صفحة تكتب الشاعرة ‘أناها’ بتجرد دون اعتبار لقواعد، فقط الوجع المتكرر تحكيه نصا شعريا لا يتكلف ولا يؤشر على أي نمط شعري خاص. شاعرة تأتي من زمن المفارقات واللا يقين وتظل تعبر ‘ما بين’، يكتبها القلق والخيبة وتتمرد على كل شيء.
‘دون أثر لقبلة’ لا يشي على اثار نرصدها في القصائد، بقدر ما تخط الشاعرة اللعنات على جدار البياض تنسكب تباعا وهي تعيد ‘لحكايا الوجع’ التكرار، كلما حاولت أن تنسج نصا من أديم هذا اليم إلا وثارت على كل شيء.
لا معنى للفرح، ففي نصوص الشاعرة سخرية لاذعة من كل شيء الى الحد الذي يجعل ديوانها الشعري امتلاء بحقل معجمي خاص {الكفن، العري، الإجهاض، الدهس، ندب…} حقل سوداوي لعالم سوداوي يحتاج لإرادة تمرد، وهو ما يجعل من لغة الشاعرة تمتح من مقولات الرفض. قد تصل قصائد مجموعة سارة علام ‘دون أثر لقبلة’ الى تقعيد لمفهوم المحو، إذ تستدرج ‘أناها’ في كل مرة كي تنسج انعتاقا ‘لأنثى’ متمردة أسكنتها الأوجاع وأنهكها الزمن وأتعبتها الحياة ‘مبكرا’.
اللافت في تجربة الشاعرة، رغم أن الديوان هو أول إصداراتها، إصرارها على جعل قصائد الديوان ككل نسقا تتقاطع خلاله نفس الوشائج، وكأنها نصوص كتبت في زمن متقارب. وهذا الملمح الحاضر بقوة للتمرد على كل شيء هو أشبه بـ’ثورة’ داخلية لصوت امرأة لا تخضع لأي مرجعيات، ولا محكومة بسياق ونمط ‘مخيال جمعي’، بل هي ذات تشرح وجعها بشفافية مُرّة ودون تكلف ولا حشو زائد.
وعلى اعتبار أن ديوان الشاعرة سارة علام شلتوت ‘دون أثر لقبلة’ قد صدر السنة الماضية فقط، فإن ما اعتبرت النصوص أحيانا عريا مكشوفا ونقدا ساخرا لمرجعيات دينية وتاريخية وتحيينا مقصودا لوجع امرأة قد تكون ‘نساء هنا الآن’ في ما يتحول الى ضمير جماعي، كل ذلك تريده الشاعرة كفن ووصية. كفن كما يليق بشاعرة ‘آثمة’ ضلت طريقها، ووصية كينونة لم يحتملها ‘الوطن’ لذلك جعلت نصوصها تشريح لهذه الخيبات والأوجاع. ولا يهمنا أن تنهي القصيدة لآخر مرة مادامت الحياة نفسها لم تستطع أن تجعل من هذه الكينونة نصا قابلا للحياة والولادة.
روح التمرد التي تسكن أحشاء النصوص ما تلبث أن تعلن صوتها في قصيدة ‘العري حد الامتلاء’ إذ بميسم عجائبي ترسم الشاعرة طقسا خاصا لـ’عريها’..
‘أعريها
أبصق على ملابسها
على أبي
والناس
والتراب
أتقيأهم جميعا’ {ص19}

‘أمشي بشارعي
بنصف رأس
ونصف مسطرة
أستجمع لعابي
لأبصق
على أجدادي الفراعنة
على طقوسهم
مواكبهم وقدس أقداسهم’ {ص20}
تدعونا الشاعرة أن لا نصدق ‘الأكاذيب’ لأنها لعنة جديدة أكبر من لعنة ‘الفراعنة’، هذا القتل الرحيم للتاريخ المدفون في بقايا آثار، والأبعد من مقولة قتل الأب أو روح التجاوز لنمط شعري ما أو لتجربة، لا تتحرك بدون روح ولا تحرك في الشاعرة أدنى إحساس بالحياة وللانتماء، لأنها افتقدتهما معا..
‘ملامح أحرقتها حين ثورة
أو أنا لقنتها لفظ ‘الوطن” {ص28}
هذا الشعور باللاانتماء يزكيه شعور بالفقدان، وهو إحساس مضاعف مزدوج لا تستطيع الشاعرة سارة علام إلا أن تلتقط منه البقايا كي تشكل منه ما تبقى..: كينونتها المتشظية. لذلك تصر الشاعرة أن تحسم بشكل نهائي علاقتها بالآخر ‘رجلا كان أم فكرة ذكورية’، إذ تصر على الكتابة كترياقها للتطهر من حالة الألم التي يجعلها أحيانا تخفيه في النصوص ‘أخفيك في النصوص'{ص84}. النصوص نفسها التي تحمل في ثنايا هواجس ‘امرأة’ أنهكها الوجع..
‘ولنصوصي
فخ تكرار حكايا الوجع'{ص103}
لكن، مع ذلك فالشاعرة لا تنأى بعيدا عن ملاذها الأخير والآثيري القصيدة، لأنها مرآة لهذا الوجود الذي يتشظى رغم كل شيء..
‘ولي
اسمي
يكفي
كل هذا لأبقى ‘سارة’ وإن لم أشاء'{ص103}
في ديوانها ‘دون أثر لقبلة’ للشاعرة سارة علام، وهو إصدارها الأول، نكتشف صوتا شعريا من المشهد الشعري في مصر اليوم. صوت جديد يتلمس خطوه الأول في وقت يزدان فيه المشهد بالكثير من الأصوات الشعرية الجديدة. وهي أصوات لا محالة ستؤسس أفقها الشعري غدا في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المصري. والأكيد أنه تحول سيمس في العمق سمات هذه القصيدة وجسدها وخصائصها الإبداعية. والشاعرة سارة علام شلتوت وهي تحكي جزءا من ‘حكايا وجعها’ في هذا الديوان، تكشف لنا جزءا من الصورة، وأيضا روحا تتمرد على ‘راهنها’ وتؤسس أفقها الخاص لعل النصوص القادمة هي من سيكشف على ملامحه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية