إعداد :لولوة أبو رمضان، ترجمة :سهيلة عبد اللطيف: الدكتور جميل خضر بروفسور للأدب الانكليزي، ومدير برنامج الدراسات الجندرية في جامعة ستيتسون في فلوريدا. وهو الآن مدرس منتدب في قسم اللغة الانكليزية بجامعة بير زيت في فلسطين على منحة فلبرايت لمدة سنة كاملة.
والدكتور خضر هو مؤلف لكتابين والعشرات من المقالات الأدبية والصحافية تعالج مواضيع أدبية وسياسية واجتماعية متنوعة باللغتين العربية والإنجليزية ويعمل الآن على كتابين اخرين.
*ماذا قدم كتاب الدكتور خضر للدراسات الأدبية والمكتبة العالمية؟
*عنوان الكتاب هو ‘خرائط العالمية في الأدب النسوي ما بعد الكولونيالي: الجغرافيا، الثقافة، الهوية، السياسة’. يقدّم الكتاب نظرية جديدة عن الذات في الأدب النسوي ما بعد الاستعماري من الشرق الأوسط (فلسطين) وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي وسكان أمريكا الأصليين. ومن أهم الإشكاليات التي يتعامل معها الكتاب هي الطريقة التي تعالج بها هذه الكاتبات التناقضات بين الهويه الجنسية والمجتمع الأبوي والهوية الوطنية-القومية من ناحية، والهوية الوطنية-القومية والحركة الاستعمارية الجديدة والنظام الرأسمالي العالمي من ناحية أخرى.
*كيف يُعتبر كتابك مختلفاً عن المقاربات الأخرى لمثل هذه النصوص؟
*لقد كُتب الكثير عن هذه الذوات الموجودة في النصوص النسوية ما بعد الاستعمارية، ولكن مؤخراً، قام النقّاد بتأطير نقاشاتهم حول هذه الذوات ضمن نظريات التقاطعية في الهوية والكوزموبوليتية والعالمية. وغالباً ما تؤكد هذه النظريات على الانتماءات المختلفة وعلى الهويات المتقاطعة المتغيرة في عالم بلا حدود وبلا هوية قومية في الأدب النسوي ما بعد الاستعماري. ويدّعي هؤلاء النقاد غالباً بأن على النساء الكاتبات أو غيرهن من الإناث أن يخترن أي مكان ينتمين اليه و الى أية هويه ينتمين ؟ وبكلمات أخرى، عليهن أن يخترن واحداً من خيارين على سبيل المثال؛ إما الهوية الجنسية أو الهوية الوطنية. وفي حين تدّعي النسويات بأن النساء يمنحن الأسبقية لهويتهن الجنسية ويتعاطفن مع النساء الأخريات بغض النظر عن اضطهادهن الوطني أو العرقي، فإن الوطنيين يدّعون بأن النساء يقدّمن هويتهن الوطنية على أيّ جانب آخر من تجاربهن.
*إذا ما هو الجديد في كتابك ؟
*الافتراض الأساسي الذي يرتكز عليه الكتاب هو أنّ كاتبات ما بعد الاستعمار ينشئن ذوات سياسية مركّبة ترفض أن تتخذ هذا النوع من الخيارات المختزلة بين هذه الهوية أو تلك، وذلك لأنهن تعهّدهن أن يناضلن ضدّ كافّة أشكال الاضطهاد، وتعهّدن بالمناضلة من أجل تحقيق الحرية الإنسانية والعدل والكرامة. وبالتالي، فإن الكتاب يجادل بأن تلك الكاتبات يسبكن ذوات جديدة من خلال العلاقات الجدلية الموجودة بين ما هو حميمي عميق و بين ما هو سطحي، بين ما هو داخلي وما هو خارجي، بين الخاص والعام، وهذا ما أطلق عليه المحلّل النفسي الفرنسي جاك لاكآن اسم الداخلي /الخارجي أو كما اطلقت عليها لفظة ‘الدا-رجي’) اكستيماسي Extimacy)، وهو مزيج بين كل من ما هو داخلي وما هو خارجي، أي الداخلي الخارجي. بكلمات أخرى، فإن كاتبات ما بعد الاستعمار لا يمكن لهنّ أن يكنّ داخليّات بشكل محض، أو خارجيات بشكل محض، كونهن، على حدّ تعبير الكاتبة الفيتنامية ترين تي منها، ينظرن إلى الداخل من الخارج، وينظرن كذلك إلى الخارج من الداخل. وكما قالت الروائية الفلسطينية سحر خليفة في كلمتها الأخيرة في العاشر من نيسان الجاري في معرض الكتاب الفلسطيني الدولي التاسع: ‘وبعضنا، وأنا منهن، نظرن إلى العالم من خلال منظور مزدوج العدسة، لا يقفز على الأشواق والهوية، ويتطلّع إلى ما هو أبعد، أي لبعد يختلط فيه الخاص بالعام، والمحدود باللامحدود، والمهمّش بالمتميّز’.
*ما هي حدود مرحلة ما بعد الاستعمار للحركة النسائية؟
*هذا الكتاب في الحقيقة يجمع النساء اللواتي يكتبن في ما يمكن تسميته ‘الاستعمارية القائمة فعلياً’. وتعتبر هذه الأشكال التي عفا عليها الزمن والمتعلّقة بالحركة الاستعمارية القائمة فعلياً متجسّدة في الهيمنة الأمريكية الامبريالية الجديدة لبورتوريكو، وفي تاريخ الأمريكيين الأصليين الاستعماري الداخلي، وفي سياسات التمييز العنصرية الإسرائيلية وفي الاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين. كما أن الكتاب يعالج نماذج الهيمنة والتخلّف الخاصة بالاستعمارية والامبريالية الجديدة ضمن برامج التكيّف البنيوي الاقتصادي العالمي في كل من زيمبابوي وغواتيمالا وجامايكا.
*كما ارى أن الفصل الرابع من كتابك يلفت الانتباه. كيف جاءت فكرته؟ وما هو وقعه على القراء والمهتمين؟
*يقوم الفصل الرابع بدراسة السيرة الذاتية للكاتبة والصحافية الفلسطينية ريموندا الطويل، بعنوان ‘وطني سجني’. وتصف الطويل بشكل دقيق التحديات التي تواجهها كامرأة فلسطينية عربية واقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي ضمن أنظمة متداخلة تعمل على كبت حريتها الوطنية والشخصية، مثل النظام الأبوي العربي، والاحتلال العسكري الاسرائيلي غير الشرعي لفلسطين وهياكل التمييز العنصري لديه، ومشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني، والسياسات الامريكية الامبريالية في الشرق الأوسط. ومن موقعها الخارجي/الداخلي) ‘الدا-رجي (ضمن أنظمة القوة هذه، لذا تقوم السيدة الطويل بإعادة كتابة أو إعادة تكوين الصورة التقليدية للذات الصهيونية في الأدب العربي، من دون الخضوع للغموض الأيديولوجي لحقائق الاحتلال. ومن ناحية أخرى، فإنها توضّح بأن الطريق الوحيد للحرية هو من خلال إدراج نضالها ضمن مشروع حركات التضامن مع شبكات محلية وإقليمية وعالمية للتحالف والمقاومة، من ضمنها الحركات الشعبية الفلسطينية، والتيارات السلمية المحلية، وجماعات اليسار الإسرائيلي، بالإضافة إلى شخصيات مهمة وبارزة من المثقفين الدوليين.
*ما هي الأسباب التي دفعتك للتعمّق في هذا المجال البحثي للأدب النسوي ما بعد الاستعماري؟
*يُعتبر هذا الأدب واحداً من أكثر أنواع الأدب ابتكاراً وتطوّراً في العالم في يومنا هذا، ومن المهم أن نستمر في البحث في مدى عمق هذه الكتابات. وبكل تأكيد، فهي تقتضي من النقّاد البدء بإعطاء هذه النصوص حقّها. محاولتي في هذا الكتاب هي الدفع بهذا النقاش إلى الأمام وإلى ما وراء الخطابات الذكورية المهيمنة التي تسعى إلى إبعاد وتهميش هذه النصوص بحجّة قائمة على التحيّز ضد المرأة مفادها أن هذا النوع من الأدب ما هو إلا ‘أدب الأظافر الطويلة’ أو هو أدب اعترافي لا يخرج عن نطاق نرجسية كاتبته.
*وكيف ترى المرأة الكاتبة والمرأة القارئة؟
*إن النساء الكاتبات والقارئات يقدّمن لنا فهماً جديداً لمعنى الانسانية، حيث يكون هذا الفهم متجذّراً في التجارب الاجتماعية للنساء المبنية على الاضطهاد والإقصاء. بالنسبة لي، ما تقوم به الكاتبات ليس مجرد النضال ضد الرجال، وإنما الاحتمالية الراديكالية في كتابات النساء تسعى في إعادة تعريف وكتابة معنى كيف أن تكون انساناً على صعيد العالمية. كما تساعدنا النساء الكاتبات والقارئات على فهم ممارسات القراءة كفعل سياسي، وبالتالي تمكّننا من إدراك السياسة الجنسية للغة والأسلوب الأدبي، أي الطريقة التي يستخدم بها كتّاب مختلفون اللغة والأسلوب من أجل إثبات تفوق الرجال على النساء ومن أجل إقناع النساء بقبول الأوضاع التي يعشن فيها. كما تمكّننا هذه القراءة من إدراك الدور المهم الذي تلعبه اللغة في جعل ما هو اجتماعي وتاريخي ناتجا عن بنى مؤسسية لتعطينا شيئاً شفافاً وطبيعياً. لذا ارى أن يحتاج القارئ بأن يأخذ وقته لتحليل وتفكيك بعض النظريات في الكتاب، ولكني آمل أن يستطيع الكتاب من تمكين القارئ أن يقدّر أكثر قوّة وتركيب هذه النصوص.
أشكركم جزيل الشكر لمنحي الفرصة لتقديم كتابي للقارئ العربي المهتم.