أدلة تكشفها ‘دايلي تلغراف’ عن استخدام النظام السوري غاز الكلور في هجمات كفر زيتا

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’: علقت صحيفة ‘دايلي تلغراف’ في افتتاحيتها على ما توصلت إليه من تأكيد استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي في ريف حلب بقولها ‘كانت فرنسا والولايات المتحدة لا تبعدان سوى عدة أيام من القيام بهجوم عسكري على سوريا لعقاب الرئيس السوري بشار الأسد على قتل 1400 نتيجة لاستخدام غاز السارين في هجوم كيميائي.
ولكن اتفاقا تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وروسيا بناء عليه وافقت سوريا على تسليم ترسانتها من الأسلحة الكيميائية بحلول شهر شباط/ فبراير وهو موعد تم تمديده ليوم الأحد الماضي والذي تم تجاوزه مرة أخرى’.
ورغم هذا المخرج الذي سمح للرئيس الأمريكي باراك أوباما بالغاء الضربة إلا أن الأدلة تشيرإلى أن حكومة دمشق لم تسلم كامل ترسانتها من الأسلحة الكيميائية للأمم المتحدة. وتظهر الأدلة التي جمعتها الصحيفة أن نظام الأسد حتى لو تخلى عن أسلحته الكيميائية إلا انه سيواصل استخدامها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. فقد أظهرت فحوصات لعينات أخذت من التربة في المناطق التي تعرضت لهجمات الشهر الماضي وجود آثار من مادة الكلور السامة وغاز الأمونيا.
وتؤكد الصحيفة إن العينات تم جمعها بطريقة مستقلة وأكدت ما شك فيه الكثيرون وهو أن الجيش السوري يقوم بوضع مادة الكلور في البراميل المتفجرة التي تلقيها المروحيات على التجمعات السكنية.
ويترك غاز الكلور آثارا على الذين يتعرضون له من شعورهم بضيق تنفس، وتهيج في العيون والبشرة وزبد يخرج من الفم. وأدت الهجمات لوفاة عدد من الأشخاص. وترى الصحيفة أن هذا يعد خرقا واضحا لميثاق حظر استخدام الأسلحة الكيميائية الذي وقعت عليه سوريا العام الماضي.
ولأن الغاز له استخدامات صناعية متعددة فلم يتم منعه ولكن استخدامه كسلاح ممنوع حسب الميثاق. وتعتقد الصحيفة أن اهتمام العالم بأزمة أوكرانيا سمح للأسد التصرف كما يشاء لدرجة اعتقاده أنه قادر على استخدام الغاز والنجاة من العقاب رغم أنه وعد بوقف استخدامه.
ويعرف الاسد كما تقول الصحيفة أن الغرب لديه شهية قليلة أو عدم رغبة بالتورط في عمل عسكري في الشرق الأوسط، لكن هذا لا يعني السماح له بالفرار من العقاب وأن لا رد هناك على أفعاله البربرية. وترى أن تحقيق تسوية سياسية في سوريا تظل الخيار الوحيد والأفضل لأنهاء البؤس الذي يعيشه السوريون وهذا يعني إحياء العملية السياسية في جنيف.
ولتحقيق هذا يجب زيادة الضغوط على دمشق كي تعطي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حرية في التحقيق، حيث ستقوم بإرسال فريق لتقصي حقائق والتحقيق في الهجمات الأخيرة. وبالنسبة لحامي سوريا، فلاديميربوتين فعليه سؤال نفسه إن كان مسرورا بالجلوس ومراقبة حليفه وهو يستخدم الغاز السام ضد شعبه.

تحقيقات
وفي تحقيق مطول قالت الصحيفة إن الهجمات الكيميائية التي تعرضت لها مناطق في حماة تسيطر عليها المعارضة لنظام بشار الأسد، في 11 نيسان/إبريل الماضي كانت من فعل النظام السوري.
وقالت إن قنابل الكلور القيت على قرية كفر زيتا في الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم، حيث انتشر البخار الأصفر وغطى البلدة فيما حاول الأطباء احتواء آثاره، وشعر السكان الذين تأثروا به بحريق في رئاتهم، ونقل 150 منهم إلى عيادة البلدة للعلاج. وتكرر المشهد مرة أخرى في 12 و16 من الشهر نفسه حيث سقطت قنابل على كفر زيتا، وفي 18 نيسان/إبريل القي برميل محمل بغاز الكلور على البلدة وسقط قريبا من مستشفاها حيث أصبح الأطباء والممرضون أنفسهم ضحايا، وبعد 3 أيام من الهجوم على كفر زيتا، حدث هجوم آخر على بلدة تلمنيس التي لا تبعد سوى 30 ميلا عن كفر زيتا، حيث نقل مئات من الجرحى، وقتل طفلان فيما نقلت أمهما الحامل إلى غرفة العناية المركزة.
وتقول الصحيفة إن الأدلة على الهجمات التي تعرضت لها كفر زيتا وتلمنيس في ريف حماة وإدلب كشف عنها من خلال عينات الطب الشرعي التي أخذت من مكان الحادث وتم فحصها بشكل مستقل في عملية اشرفت عليها الصحيفة وقام بجمع العينات ‘الدكتور أحمد’ وهذا ليس اسمه الحقيقي.
ففي مهمة قام بها أحمد وشخصان آخران حيث خاطروا بأنفسهم وسط عصابات الإجرام وإحتمال القبض عليهم من قوات النظام وسافروا للمواقع التي ضربت بالكلور حيث جمعوا عينات منها.
ونقلت عن الطبيب أحمد قوله ‘أريد أن أظهر للعالم ان العوامل الكيميائية قد تم استخدامها’، وكان يتحدث بعد عودته من مهمته لتركيا حاملا معه العينات مؤكدا إنه قام بالعمل بطريقة دقيقة ‘وصورت كل شيء، وأردت التأكد من الحصول على المواد ومشاهدة عملية فحصها، وعندما خرجت النتائج عرفنا أننا صحيحة’.

منذ خان العسل
وكان أحمد قد بدأ الإهتمام بالأسلحة الكيميائية واستخدامها ضد المدنيين عندما تم ضرب حي خان العسل في حلب بعوامل كيميائية في شهر آذار/مارس العام الماضي، ووصف ما حدث في ذلك الهجوم بالقول ‘حصلت فوضى في المستشفيات، وأصيب الأطباء أنفسهم الذين كانوا يعالجون الجرحى، وكان الناس خائفين ولم يعرفوا ماذا يفعلون’، وبعدها ‘قمت بدراسة عملية التوثيق وأساليب العلاج عبر الإنترنت’.
وفي نهاية العام أصبح أحمد عضوا في مجموعة طبية تلقت تدريبا على يد خبراء غربيين في السلاح الكيميائي والذين من بينهم هاميش دي بريتون غوردون من مجموعة الإستشارات البريطانية ‘سكيور بيو’، حيث علم الخبير هذا وغيره الفريق السوري أساليب حول كيفية الرد على الهجمات الكيميائية وجمع العينات بعد الهجوم. وعندما سمع في بداية شهر نيسان/ابريل عن هجمات حدثت على كفر زيتا وأن المصابين ظهرت عليهم الأعراض نفسها وهي حساسية في العين والبشرة، وضيق تنفس، وزبد من الفم.
ومن هنا قرر أحمد مع زميلين السفر لسوريا حيث قطعا خطوط التماس ووصلا لاماكن الهجمات.
وقام بدراسة الأماكن وتصويرها وجمع العينات، وتظهر أشرطة الفيديو أحمد في كفر زيتا وهو يقوم بفحص بقايا البراميل المتفجرة التي حملت غاز الكلور، وتم جمع بقايا البراميل من قبل السكان المحليين.
وقام أحمد بتصوير موقع كل هجوم، وأحد البراميل كان مكتوبا عليه ‘سي أل-2’ وهو الرمز الكيميائي لغاز الكلور. وتظهر صور أخرى الفريق وهو يحضر حاويات صغيرة لجمع عينات من تراب المنطقة. وقام الفريق بزيارة لمستشفى سراقب وهي منطقة تسيطر عليها المعارضة لجمع عينات الدم والبول من المرضى الذين اصيبوا في الهجمات. ويقول أحمد ‘كل الجرحى في مستشفى سراقب يحملون الأعراض نفسها، ولا توجد جراح، فقط مشاكل وحساسية في البشرة والعيون’.
وتم توثيق حوالي عشر هجمات في المناطق هذه خلال الأسابيع القليلة الماضية، وفي الوقت الذي ظل عدد الضحايا قليلا إلا إن الجرحى يصل عددهم بالمئات. وتظهر مقابلات مع أطباء وشهود عيان من مواقع الهجمات وقامت الصحيفة باجرائها بشكل مستقل، وقال شهود العيان ومنهم عبدالله درويش 44 عاما من كفر زيتا إنه راقب مروحيات الجيش وهي تقوم بإلقاء القنابل في 11 نيسان/ابريل.
ويقول إنه شاهد من نافذة المستشفى القنبلة وهي تسقط ‘وسقطت على بعد 400 متر من مكان المستشفى وخرجت منها سحابة صفراء’، وتم ‘نقل 100 جريح للمستشفى هنا ونقل50 آخرون لمستشفى آخر’.
واجريت عملية جراحية واحدة لجريح أصابته شظية بسبب انفجار القنبلة، أما بقية الضحايا فظهرت عليهم نفس الأعراض من مشاكل في التنفس وحك للبشرة وتهيج في العيون والبشرة’.

فحوص في تركيا
ومع حصوله على العينات قام أحمد بنقلها لمكان آمن، وأعطاها حال وصوله لصحيفة ‘تلغراف’ وقدم معها أشرطة الفيديو التي التقطها، وخرائط فضائية للمواقع، وصورا، وأشرطة فيديو للقاءات التي أجراها مع الضحايا، ونتائج فحوصات المعامل الطبية وفحوص صور الأشعة التي أخذت لرئات المرضى.
والتقط دي بريتون ـ غوردون الذي درس أحمد سابقا حيث وصف الجهد الذي قام به تلميذه السابق بالجيد، حيث بدأت عملية الفحص والتأكد منها بعد صولها لتركيا، ووجد بريتون في كل عينة تم جمعها من مواقع الضربات ‘أدلة عن استخدام غاز الكلور’، وتظهر الأدلة أن ‘غاز الأمونيا تم استخدامه أيضا في كفر زيتا’ وتعتبر العينة من هذه البلدة الأقوى حيث ثبت استخدام كل من الكلور والأمونيا في هجوم 11 نيسان/ابريل. وتم فحص العينات بعد 16 يوما من وقوع الهجمات حيث يقول الخبراء إن نسبة الكلور تكون قد نقصت في التراب، وحقيقة بقائه في العينات التي فحصت تعني أن النظام قام بإلقاء كميات كبيرة منه ومركزة. ويقول خبراء اتصلت بهم الصحيفة إنه حتى لو وجدت نسبة قليلة من غاز الكلور في العينة فهي دليل على استخدامه في هجمات.

الحنين للوطن
تشرد البراميل المتفجرة المواطنين وتدمر بيوتهم، يفر السكان إلى أي مكان يجدونه، سكنوا في المغاور، فلاحقتهم الطائرات، هربوا إلى المناطق المحررة فلاحقتهم مدافع النظام، وهربوا لدول الجوار فوجدوا الفقر وحنوا للوطن.
وهذا ما يكتبه ديفيد إغناطيوس من مخيم الزعتري في الأردن. ويقول الكاتب الأمريكي أن عودة اللاجئين السوريين مثل ابو يوسف برغش من بلدة مهجة في جنوب سوريا، إضافة للمشردين الذين يعيشون في الشقق والبيوت المنتشرة في الاردن ودول الجوار يقع في جوهر حل الأزمة السورية.
ولكن حل المشكلة لن يتم بدون تأمين الحدود بين سوريا وجيرانها. وتأمين الحدود هو نقطة البداية في التفكير لوقف الحرب المدمرة التي مضى عليها 3 أعوام. ويرى الكاتب أن وجود استراتيجية أمريكية تبدأ من الإعتراف بأن الحرب في سوريا هي حرب طويلة.
وأهم تحد في طريق الحرب هو تحقيق الإستقرار في مناطق المعارضة، حيث يتوقف فيها القتل ويختفي أثر المتطرفين المسلمين وعندها يبدأ الناس بالعودة لبلادهم. ويصف مخيم الزعتري بأنه يشبه عن بعد ‘السراب المكون من خيام بيضاء وشاحنات تقف وسط الصخور والغبار في شمال الأردن. وفي داخله يعيش بؤس منظم’.
ويصف الكاتب حال الخيام المنظمة على شكل شوارع وسخة، وتقف وسطه خزانات المياه، وبيوت الراحة. مما يجعله من أكبر المخيمات في الأردن ويعيش فيه 107.000 من المواطنين ‘ زرته يوم الإثنين حيث يصله كل يوم المئات من اللاجئين’. ويبلغ عدد السوريين 1.3 مليون نسمة من بين 9 ملايين أردني، منهم 630.000 وصلوا عندما بدأت الحرب حسب العميد وضاح حمود، مدير شؤون مخيمات اللاجئين السوريين.
ويشرف حمود على المخيم بطريقة رجل شرطة شديد، ويعمل من أجل توفير احتياجات اللاجئين، لكن قلق الأردن العميق هو أن الأزمة الحالية تقوم برعاية نفسها بنفسها، فالحرب سامة، والأردن لا يريد أن تصيبه العدوى، وعليه يدير الحمود عملية أمنية واستخباراتية منظمة تبدأ باجتياز اللاجىء الحدود وفحصه الكترونيا’.
وينقل عنه قوله ‘نخشى من المتطرفين’. وفي المخيم هناك العشرات من المساجد التي اقيمت بشكل مؤقت وعليها مكبرات الصوت التي وضعت بطريقة متعجلة لكن المخابرات تراقبها. كل هذا في وقت تكافح فيه العائلات السورية للحفاظ على كرامتها وحتى المرح. مشيرا إلى شارع الأليزيه في وسط المخيم لأنه أقيم قرب مستشفى يعمل فيه أطباء وممرضون فرنسيون.
وعلى جانبيه أقيمت المطاعم وأكشاك الطعام ومحلات الملابس ومواد التجميل وحتى بيع الهواتف النقالة.
ومعظم البيوت المتحركة في المخيم لديها روابط مع الفضائيات. وحدث في المخيم شغب حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وقتل فيها شخص واحد.
وفي البحث عن طرق لحل المشكلة الإنسانية في سوريا، زارت منظمة غير حكومية مدعومة من السعودية والولايات المتحدة اسمها ‘وتد’ التي تقوم ببناء مخيمات داخل سوريا حيث يمكن للاجئين العودة إليها من مخيم الزعتري والبيوت التي يسكنون فيها داخل الأردن. ويقدم احمد الناصري مدير فرع المنظمة في الأردن حيث قدم خرائط ورسوما بيانية لمواقع في جنوب سوريا، وأكد ان للمنظمة مخازن لتخزين الطعام في هذه المناطق، وهناك 20 مستشفى ميداني يديرها مع منظمات اخرى.
ويعمل على توصيل المساعدات للمناطق المحاصرة لداخل سوريا، حيث يرسل في كل شهر 1600 طن من الطحين لداخل سوريا، وبنى مخيمين للاجئين في منطقة الشجرة في الجنوب واحد فيه 428 خيمة والآخر 318 وثالث في الميزرب والتي يأمل فيها أن تزيد إلى 5.000 خيمة.
ويقول ناشط سوري من حلب باسل حريرير ‘نريد مساعدة الناس في داخل سوريا حتى نتجنب التبعية’، مشيرا إلى أن الازمة السورية ستتواصل، ولن يتم تحقيق تسوية حتى يكون هناك توازن جغرافي وسياسي’. وكل اللاجئين السوريين يحلمون بالعودة ولكن ‘من يحمينا’. ويعلق الكاتب هذا هو جوهر المسألة ومن الصعب أن تجد جوابا عليه بدون دعم للمعارضة، وهو السؤال الذي يضايق إدارة أوباما ويقلق جيران سوريا مثل الأردن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية