فلسطين: هل تحقق الانتخابات المبكرة ما عجزت عن تحقيقه الانتخابات التشريعية؟

حجم الخط
0

د. ابراهيم أبراش

احتدم النقاش في الأيام الأخيرة ما بين مكونات النظام السياسي الفلسطيني وخصوصا ما بين حركتي فتح وحماس، حول سبل الخروج من المأزق الذي تعيشه الحالة الفلسطينية بكل أبعادها السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية، وهو جدل خرج في كثير من الأحيان عن حدود النقاش الوطني الديمقراطي، بل وصل أحيانا لدرجة الاسفاف والانحطاط الذي يسيء للشعب الفلسطيني ككل كالاتهامات المتبادلة بسرقة أموال جمعت من الخارج أو التشكيك بوطنية بعض الشخصيات والمؤسسات الشرعية الخ.

وقبل التطرق للحلول المطروحة للمشكلة أو الأزمة لا بد من تحديد جوهر المشكلة فهل هي أزمة اقتصادية؟ أم هي أزمة حكومة؟ أم هي أزمة سياسية استراتيجية وما سبق هو مجرد تداعيات وافرازات لها؟ ان كانت أزمة اقتصادية شبيهة بما تعرفها مجتمعات أخري من العالم الثالث لهان الأمر لأن الحلول الاقتصادية متوفرة بشكل أو بآخر ويمكن عن طريق شد الأحزمة علي البطون و(الشنطة) والانفاق والمنح والمساعدات الانسانية التي تقدم للمحتاجين (وكالات غوث جديدة) حل هذه المشكلة أو التخفيف من وطأتها، وان كانت أزمة حكومية فالأمر أيضا مقدور عليه من خلال تنازلات متبادلة أو تقسيم كعكة السلطة أو اشتقاق حلول قانونية ودستورية. في رأينا ان المشاكل الاقتصادية والحكومية ما هي الا تمظهرات خارجية وشكلانية للأزمة، فالأزمة سياسية واستراتيجية تمس الخيارات الكبري للشعب الفلسطيني، انها أزمة حول المرجعيات والثوابت الوطنية، الأزمة هي خلاف بين تصورين للحقوق والثوابت الوطنية من حيث طبيعة هذه الحقوق والثوابت ومن حيث من له الحق في تحديدها والتحدث باسمها ومن حيث سبل تحقُقها، وفي رأينا أن جذور هذا الخلاف تعود الي لحظة انطلاق حركة حماس عام 1987 ووضع ميثاقها الاسلامي. فهل أزمة أو اشكال بهذا الحجم يمكن حسمه باللجوء لانتخابات مبكرة كما أوصت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعها يوم 9 كانون الاول (ديسمبر) الجاري؟ لو كانت الانتخابات تحل المشكل لحلتها الانتخابات التشريعية يوم 25 كانون الثاني (يناير) المنصرم وهي الانتخابات التي هلل لها الجميع واعتبروها عرسا فلسطينيا. لقد لاحظنا كيف أن الانتخابات بدلا من حل الأزمة زادتها تعقيدا لأنه كان يُفترض التوصل لتفاهمات حول الثوابت والمرجعيات قبل دخول التنافس الانتخابي، انتخابات كانون الثاني (يناير) منحت حركة حماس أغلبية في مجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي وبناء عليه منحتها الحق بتشكيل حكومة ولكنها لم تلغ أو تؤثر علي مؤسسة الرئاسة وعلي الرئيس أو تلغي برنامجها، حركة حماس نجحت علي أساس برنامجها الحزبي ومرجعيتها المختلفة عن برنامج ومرجعية رئيس السلطة والذي هو أيضا منتخب من الشعب ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ومن هنا نلاحظ أنه عندما تقدم رئيس الوزراء المكلف آنذاك السيد اسماعيل هنية ببرنامج حكومته للرئيس أبو مازن رده في المرة الأولي ثم طلب منه في المرة الثانية أن يكيف برنامجه ويغير فيه بما لا يتعارض مع برنامج السلطة وتعهداتها الخارجية وأمهله عدة أشهر. وعليه يمكن القول بأنه منذ تولي الحكومة لصلاحياتها وحتي اليوم وهي تشتغل كحكومة مؤقتة أو مشروطة ولا تأخذ وضعها الطبيعي الا اذا توافق عملها مع النظام الذي تنتسب اليه وهو السلطة ومرجعية هذه الأخيرة منظمة التحرير الفلسطينية، فلم يكن مطروحا في الانتخابات التصويت علي مرجعية السلطة ولا علي من يمثل الشعب الفلسطيني، فهذه أمور محسومة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والفرع يجب أن يتبع الأصل. نعم الانتخابات منحت حماس أغلبية مقاعد المجلس التشريعي وهو أمر يمنحها الحق بان تكون شريكا قويا في الحكومة والسلطة والمنظمة ولكنه لا يمنحها الحق في الغاء مرجعية السلطة ومرجعية الشعب وهي منظمة التحرير.

لو تم التفاهم علي الثوابت والمرجعيات قبل دخول الانتخابات التشريعية ما وصلت أمورنا لهذا الحد من التردي، ولكن وللأسف فان القوي السياسية وخصوصا حماس وفتح دخلت الانتخابات ليس ايمانا بالديمقراطية بل كمحاولة لاثبات الوجود واستعراض القوة من خلال صناديق الانتخابات، وهذا ما جري، ثم جاء الحصار المالي والسياسي للحكومة والشعب ليعمق من الفجوة ما بين الطرفين، وعليه فبالرغم من أن الصراع يبدو وكأنه صراع علي السلطة بين القطبين المشار اليهما وهو أمر صحيح نسبيا، الا انه أعمق من ذلك فهو صراع علي السلطة وما بعد السلطة، صراع جوهره الخلاف حول الخيارات الاستراتيجية للصراع في فلسطين والمنطقة، ففيما حسمت منظمة التحرير وخصوصا حركة فتح الأمر بالاعتراف باسرائيل وبأن الحقوق الوطنية الفلسطينية هي دولة في الضفة والقطاع وحل متفق عليه لقضية اللاجئين، فان حركة حماس لم تحسم الأمر بوضوح.

لو بقيت حماس خارج لعبة السلطة لما كان اعترافها باسرائيل أو بالشرعية الدولية أو بالتسوية السلمية مطلوبا، ولما خضعت للضغوط التي تمارس عليها اليوم، ولكن وحيث أنها قررت أن تكون جزءا من النظام السياسي الرسمي للسلطة فهذا يتطلب منها الاجابة علي التساؤلات بهذا الخصوص، من حق حركات التحرير أن تتبني استراتيجية المقاومة والجهاد وتعلنها حالة حرب مع العدو الذي يحتل الأرض والشرائع الدينية والدنيوية تعترف لها بهذا الحق، ولكن العالم والواقع الدولي لا يقر أن تكون استراتيجية الدول والحكومات هي الحرب ورفض مبدأ السلام، وخصوصا ان كانت هذه الحكومات تطالب العالم أن يعترف بها، نقول هذا ليس لأننا نريد من حماس أن تعترف باسرائيل أو بالتسوية السلمية بل لأن هذا هو الواقع المعقد للقضية الفلسطينية، ولأن حركة حماس أرادت أن تكون حكومة وسلطة سياسية قبل أن تنجز مهمة التحرير، سواء سماها البعض تنازلا أو تفريطا وسواء سماها البعض تكتيكا أو خيارا استراتيجيا فمطلوب الحسم بالموضوع، والعالم سواء كان ظالما أو متحيزا أو واقعيا يريد الحسم بهذا الموضوع.

نعتقد أن ما هو أخطر من كل ما سبق، وما يحد من قدرة الانتخابات علي حسم الاشكالات الوطنية، وما يعيق أيضا تشكيل حكومة وحدة وطنية هو دخول أطراف خارجية لها أجندتها الاقليمية والدولية علي خط العمل الوطني الفلسطيني، الانتخابات لا تحسم مشكل وخيارات وطنية الا اذا كانت القوي السياسية المتنافسة ذات برامج وخيارات وطنية وذات قرار وطني مستقل، عندما يكون قرار أي حزب أو حركة تابع لمركز خارجي ولو كانت هوية هذا المركز هوية اسلامية أو عربية، فان هذا الحزب أو الحركة لا تملك قرارها الوطني المستقل النابع من خصوصية الحالة الفلسطينية وبالتالي لا تستطيع أن تكون جزءا من حكومة وحدة وطنية حقيقية، ومن هنا فان ما أفشل نجاح الانتخابات التشريعية السابقة في اخراج النظام السياسي من أزمته وما يُفشل حوارات تشكيل حكومة وحدة وطنية وما سيُفشل أيضا الانتخابات المبكرة ـ ان جرت ـ هو غياب استقلالية القرار عند القوي السياسية الفاعلة، وان كنا لمحنا لحركة حماس فان ضغوطا خارجية تمارس علي البعض في منظمة التحرير لتعطيل مسيرة الوحدة الوطنية، وهنا تلتقي أطراف خارجية متعارضة السياسيات والمصالح علي هدف افشال الممارسة الديمقراطية وافشال تشكيل حكومة وحدة وطنية.

ونعود للسؤال هل الانتخابات المبكرة تحل المشكلة؟ ونقصد هنا المشكلة الأساسية وليس مجرد رفع الحصار الاقتصادي أو تشكيل حكومة وحدة وطنية شكلية؟

من حيث المبدأ فان لكل مجتمع سياسي سواء كان دولة أو كيانا سياسيا أو سلطة وطنية، مرجعية عليا أو (كبير)، والقانون الأساسي الفلسطيني أعلي من شأن الرئيس والرئاسة للاعتبارات التي أشرنا اليها أعلاه، وعليه فمن حق الرئيس أبو مازن وواجب عليه عندما يُهدد النظام السياسي بالانهيار أن يتخذ ما يراه مناسبا من اجراءات لانقاذ البلد من الهوة السحيقة التي يهوي اليها سواء بسبب العدوان الصهيوني والحصار الخارجي أو بسبب تأزم الوضع السياسي والأمني الداخلي، ووجود مجلس تشريعي منتخب وحكومة منبثقة عنه لا يمس هذا المبدأ ما دامت الحكومة والمجلس عاجزين عن القيام بمهامهما، ففي كل الدول الديمقراطية يتم اللجوء لانتخابات مبكرة ان أصيب النظام السياسي بالفشل وليست اسرائيل الوحيدة في هذا المجال، فهناك معارضة لبنانية يقودها اسلاميون في لبنان تطالب بانتخابات مبكرة في مواجهة حكومة شرعية! أما الزعم بان مثل هكذا خطوة من الرئيس هي انقلاب علي الشرعية، فهذا تعبير عن نوايا وتطلعات لما يجب أن يكون من وجهة نظر القائل وليس حقيقة ما هو قائم، لأن موئل الشرعية وعنوانها ليس الحكومة ولا المجلس التشريعي، فهذه شرعيات جزئية أو تابعة للشرعية الأم وهي السلطة ومنظمة التحرير ورئيسهما، ووجود تحفظات ـ وهناك تحفظات كثيرة ولا شك ـ علي أداء هذه المؤسسات أو علي بعض شخوصها لا يبرر الانقلاب عليها، والا مع كل دورة انتخابية سنؤسس لمرجعية وشرعية جديدة وثوابت وطنية جديدة!

اذن من حيث المبدأ يجوز اللجوء لانتخابات مبكرة سواء بنص القانون أم بروح القانون، ويمكن أن تكون هذه الانتخابات آخر الحلول المتاحة لأنها ستكون أصعب الحلول وأكثرها اثارة للقلق، ولذا نتمني أن تكون توصيات اللجنة التنفيذية مجرد أداة للضغط لتسريع تشكيل حكومة وحدة وطنية ليس من أجل رفع الحصار فقط بل لأن المصلحة الوطنية وواقع كوننا ما زلنا تحت الاحتلال يتطلبان وجود هذه الحكومة. ان ما نخشاه أن لا تحل الانتخابات المبكرة المشكلة حتي لو تم تجاوز رفض حركة حماس لها، فبالاضافة الي التحفظات التي أشرنا اليه سابقا حول قدرة الانتخابات علي حل الخلاف حول القضايا الاستراتيجية دعونا نستعرض سيناريوهات نتائج الانتخابات، الاحتمال الأول فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية والرئاسية، وفي هذه الحالة ماذا سيكون مصير ورد فعل ليس فقط حركة فتح بل منظمة التحرير أيضا بما تمثل من تاريخ وشرعية وعلاقات دولية؟ وما هو مصير اتفاقات التسوية وما أفرزت من نتائج علي الأرض؟ والاحتمال الثاني هو فوز حركة فتح بالمؤسستين التشريعية والتنفيذية، أيضا يكون السؤال ما هي ردة فعل حماس وما هو موقعها في الوضع الجديد؟ وما هو موقفها من المسيرة السلمية التي سينتهجها النظام الجديد؟ والاحتمال الثالث هو فوز طرف بالرئاسة والطرف الآخر بالمؤسسة التشريعية، وفي هذه الحالة سنعود للوضع الراهن المأزوم. ولكن هناك احتمال رابع وقد يكون الأقل سوءا وهو أن يتركب المجلس التشريعي الجديد من قوي متقاربة في عدد المقاعد دون ان تحتكر احداها الأغلبية حيث سيتم تشكيل حكومة ائتلافية اضطراريا. وفي الختام نتمني تغليب المصلحة الوطنية علي كل انتماءات وعلاقات خارجية، والا تكون الاغراءات المالية الخارجية للحكومة مبررا للتهرب من مطلب حكومة الوحدة الوطنية، فنحن كفلسطينيين نعاني ونقاسي من الاحتلال ونحن من يُهدد وجودنا ومستقبلنا، أما الآخرون حتي وان جمعتنا معهم الأيديولوجيا والدين والقومية فلا يعانون ما نعاني وغير مهددين بوجودهم ولن يُعرضوا مصالح بلدانهم وكراسيهم للخطر من أجلنا، وهذه الأنظمة الصديقة والشقيقة ليست حديثة النشأة كما القضية الفلسطينية ليست حديثة الوجود، فماذا فعلت لنا هذه الأنظمة طوال ثلاثة عقود أو يزيد؟ نعم نحن جزء من أمتنا العربية والاسلامية ونقدر مشاعر الجماهير العربية ودعمها لنا، ولكن بالنسبة للأنظمة يجب أن نقول لهم شكرا علي دعمكم المالي ولكن لا تلحقونا بأجندتكم الاقليمية ولا تستعملونا كأدوات سياسية مقابل عدة ملايين، دعونا نمتلك قرارنا الوطني المستقل، فالتاريخ المليء بالتجارب المؤلمة علمنا بأن (ما حك جلدك مثل ظفرك). كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية