حين أتلفّت حولي في هذه الايام المريرة لا أملك من ان اقول في نفسي: ماذا غيّرت الأديان في الطبيعة البشرية وما عساها تصنع كي تغير ما لم تستطع تغييره حتى اليوم؟
لا يسعني الا ان اقف مذهولا، وليس مدهوشا فحسب امام حقيقة اساسية واضحة المعالم هي ان الاديان جمعاء لم تستطع ان تغير عميقا في النزعة الشريرة للطبيعة البشرية اذ ما تزال هذه الطبيعة تعافى من كابوس هذه النزعة الكريهة الى درجة تدفعنا دفعا الى ملاحظة ثابتة خلاصتها ان الأديان عجزت فعلا عن القضاء على نزعة العنف والشر عموما لدى اغلب البشر، وان ‘فما علاقة اليهود والمسيحيين والمسلمين بل والبوذيين والهندوس والسيخ وغيرهم.. ما علاقتهم بنزعة اللطف والخير التي تدعو اليها اديانهم ومذاهبهم وهم ما يزالون حتى اليوم متهمين او مدانين بالارهاب او السرقة او ممارسة الجنس مع الاطفال وغيرها من جرائم في حضرة المحكمة الربانية؟!
خذوا مثالا ولو بسيطا عن الدعوات الاخلاقية في الأديان المسماة سماوية كاليهودية والمسيحية والاسلام. ففي كتاب ‘التاعود’ لليهود نقرأ مثلا هذه النصائح:
‘لا تعملوا بالآخرين ما هو مكروه لكم، هذا هو الناموس برمته…’.
ومن اقوال العهد القديم في ‘التوراة’ باب ‘الأمثال’ نقرأ هذه الدعوة:
‘البغضة تهيج الخصومات، والمحبة تستر كل الذنوب’ وغيرها كثير. وفي المسيحية نقرأ مثلا في انجيل يوحنا (سورة رقم 13 ـ آية رقم 4) ‘وصية جديدة اعطيكم إياها ان تحبوا بعضكم بعضا’ وفي انجيل متى (سورة 5 ـ آية 39): ‘ولا تقاوموا الشر، بل مَن لطمك على خدك الايمن فتحوّل له الخد الآخر ايضا’ وقوله في (سورة 5 ـ آية 44): ‘أحبوا اعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا الى مبغضيكم، وصلّوا لاجل الذين يسيؤون اليكم فيطردونكم’.
وفي الاسلام نقرأ تلك الآية الكريمة (رقم 10 في سورة الحجرات):
‘إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم تُرحمون’
وفي الاحاديث الشريقة نقرأ:
‘لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه’ ونقرأ ايضا: ‘ألا أدلكم على ما يرفع به الله الدرجان؟ قالوا: نعم، قال: تحلم على من جَهِلَ عليك، وتعفو عمن ظلمك، ونعطي من حَرَمَك، وتصل مَن قَطعك…’.
‘ ‘ ‘
ولكن ماذا يصنع اليوم وقديما بعضهم ببعض سوى ما كان رسولهم ينهاهم عنه من ممارسات للعنف وغيره من نزاعات مع أن قتل المؤمن للمؤمن من أكبر الكبائر كما هو واضح في اكثر من آية في القرآن الكريم؟! وماذا يصنع اليهود بالعرب في فلسطين سوى الإغتصاب والقتل والقمع؟.. وماذا يقوم به معظم المسيحيين في بورما ونيجيريا وافريقيا الوسطى وغيرها من بلاد؟ بل، وهو الأدهى ما ارتكبه بعض القساوسة من ذنوب مخجلة مع الاطفال حتى لقد استقال ‘البابا’ في الفاتيكان من منصبه حين وجد نفسه في مواجهة مخزية مع زملائه؟! وفي الصين والهند والفلبين وغيرها كيف نفسر هذا الوباء المستعصي على الشفاء حين لا يهدأ عدوان البوذيين وأمثالهم من اتباع المذاهب الآسيوية على اتباع الاسلام هناك؟ وفي بلادنا الاسلامية كم هو عمر النزاع العقائدي بين السنّة والشيعة؟ ألا يقارب الألف عام ونيّف وبالتالي اذا قل طائفة من هاتين تتهم الاخرى بل تدينها بأنها خارجة على الدين، فمن نصدق منهما ومن نكذب؟ وكيف السبيل الى توحيد الصفوف تحت راية واحدة بعد هذه السنين الطويلة من العداء والكراهية؟
‘ ‘ ‘
هنا نجد انفسنا حيال سؤال خطير لا مهرب من طرحه: أين الخطأ او النقص في كل هذا المشهد الكريه؟ هل هو في الأديان او المتدينين؟ ويقودنا واقع الحال الى تفسير يكاد لا يرضي احدا سواء أكان الصواب مع الأديان او مع المتدينين فالأديان السماوية هي من عندالله جلّ جلاله والله لا يمكن ان يخطئ فيما يدعو اليه، ويرد بعضهم على ذلك بقولهم ان الأديان ليست من عند الله بل هي من صنع البشر أنفسهم فالخطا اذن هو في البشر اي في المتدينين، فاذا كان الأمر كذلك يرد بعضهم بمنطق آخر مفاده ان البشر هم من صنع الله فاذا وقعوا في الخطأ فمعنى ذلك ان الله العليم بكل ما خلق موافق على تصرفات البشر وان لا فهو قادر بالتأكيد على محو الخاطئين من الوجود والابقاء على المؤمنين الصالحين وحدهم فاذا لم يصنع ذلك فهو الذي يعرف وحده مغزى مشروع خلقه البشر على هذا النحو ككائنات مركّبة من مزيج من الخير والشر وأنه وحده القادر على تغيير تركيبهم ولم يصنع ذلك لغرض لم ندركه ولن ندركه بعد، فما عسانا نصنع أمام هذه الأحجية المستحيلة على أذهاننا المحدودة؟
الجواب الممكن ان يكون مقنعا على كل هذه الألغاز كما يبدو يجب ان يبدأ من عند هذه المسلّمة الفكرية وهي ان الأديان إلهام رباني لا يمكن نكرانه او الغاؤه يتجلى في بعض المؤمنين المتميزين بالطهارة والقدرة الخارقة على الفهم والابداع وبهذا المعنى تكون الأديان التي يدعون اليها جزءا لا يتجزأ من المشروع الالهي الغامض على عقولنا المحدودة فاذا آمن أحدهم بأحد هذه الأديان فهو يتصرف اذن من دون ان يدري ضمن المشروع الالهي المذكور واذا اخطأ الانسان وخالف المشروع فهو يتصرف حسب النقص الكامن في طبيعته البشرية فالأرض التي نعيش عليها ليست مكانا لتحويل البشر الى ملائكة لو يخطئون وفي هذا السياق يبدو ان الأخذ بالرأي القائل بأن الضد يظهر حسنة الضد فاللون الأبيض لا يعرف الا بوجود اللون الأسود وان لا فهل في الامكان الغاء السواد وجعل الالوان كلها بيضاء وبالتالي اذن فالرذيلة لا تبدو رذيلة حقا الا بوجود الفضيلة الى جانبها والعكس بالعكس ومن هنا نفهم ولو جزئيا ان الخير لا يُفهم بأنه خير الا بوجود الشر والبتالي يبدو ان خلاص البشر مرهون بهذا التباين وأو التضاد بين الظواهر ولكن هذا لا يعني ان ندافع عن وجود الشر تفهم وجود الخير فالخلاص البشري مرهون بالدعوة الأخلاقية الممكن تحقيقها ولو جزئيا وبالتالي يبدو ان خلاص البشر يعني اقتراب الناس من نزعة الخير اكثر فأكثر مع تطور استخدامهم عقولهم التي ـ كما يقول العِلْم ـ لم يستخدموا منها بعد أكثر من خمسة بالمئة، ولكنهم مرشحون دوما لاستخدام أفضل فأفضل لهذه الطاقات العقلية العجيبة والغامضة حتى الآن.
اننا مدعوون اذن كما يبدو ان نضع قاعدة اخلاقية اساسية لتصرفاتنا لخدمة المشروع الالهي مستمدة من ادراكنا ظاهرة الحياة على كوكبنا وهي الظاهرة الوحيدة التي تخصنا كبشر قادرين على التفكير فيها في حين ان جميع الكواكب التي تشارك ارضنا الدوران حول الشمس خالية من الحياة.
وليس لهذا من معنى ؟؟ سوى ان نشارك في خدمة هذه الظاهرة والاعجازية ‘بمعنى ان نحوّل النشاط البشري كله الى خدمة ظاهرة الحياة كتصرف أخلاقي لانه يشارك في خدمة المشروع الالهي المتمثل في ظاهرة الحياة المعقدة وكوننا جزءا لا يتجزأ منها اي ألا نسيء الى الحياة الجارية حولنا تحت اي شعار فكل شعار يدعو الى القتل شعار خداع ذلك لان احترام ظاهرة الحياة هي الشعار الاخلاقي الأسمي وما عداه خداع بخداع. واذا حدث ان اضطر بعضهم للقتل دفاعا عن انفسهم فالمسؤولية تقع بالتأكيد على البادئ بالقتل، والآن بعد كل هذا الكلام أجدني في بلدي الغارق في حمى القتل والتقتيل مرغما على طرح هذا السؤال: من كان البادئ باحتقار ظاهرة الحياة وبالتالي من الذي قتل او لا ومن الذي دافع عن نفسه؟ وهل القتلة يخدمون بعملهم هذا ربهم وبالتالي وطنهم حقا؟!