هل يمكن إصلاح ما أفسدته الحكومة

حجم الخط
3

لقد ذهبت البارحة لعزاء اهل احد منتسبي الجيش اثر استشهاده في الرمادي والتقيت بأشخاص تعرفت عليهم وعرفوني عن طريق الشبه بابي او اخي وكانت الحسرة تملأ القلوب. فهؤلاء اي اهل الشهيد ينتمون الى مذهب اهل البيت وانا انتمي لمذهب اهل السنة والجماعة، وقد تذكرنا معا تلك الايام التي كانت الصداقات والعلاقات وحتى الزيجات تبنى على اساس الاخلاق والتماثل الانساني والتقارب بين العادات، ولم يكن للجانب المذهبي اي دور يذكر، ولم يتعرف الكثير من العراقيين على مذهب اصدقائهم الا بعد الاحتلال والطائفيين الجدد، الذين سلمهم الاحتلال مقاليد الحكم ومكنهم من انشاء دستور مزق وحدة الشعب العراقي واهمل المواطنة لتحل محلها المكونات، التي ولدت بالضرورة التنافس الطائفي والقومي حتى اوصلتنا الى الحرب الطائفية بين سنتي 2006 و2008، ومن ثم عودتها اليوم بالحرب الداخلية في الرمادي وغيرها. هذه الحادثة المؤلمة أعادت الى ذهني يوم اندلعت الحرب ضد الاكراد العراقيين عام 1962 وازدادت وطئتها عاما بعد عام، وكلما كانت تصل الجثث لشهداء جيشنا العراقي تباعا يتزايد التوتر القومي والعرقي بين العراقيين العرب والاكراد، وتضمحل العلاقات المشتركة التي تجمعنا. اليوم ما يجري في العراق اخطر بكثير مما كان يجري للاكراد العراقيين، حتى ان كان الظلم واحدا. فالعراقيون الاكراد كانوا على العموم ضد الحكومات التي توالت على حكم العراق منذ تأسيسه، اي منذ عام 1921 وقاموا بثورات متعددة، ولعل الجانبين القومي والجغرافي مكنهما بما قاموا به للحصول على حقوقهم القومية. من الصحيح ان بدايات التمزق لدى ابناء القومية الواحدة في العراق شرعنه الدستور، وكانت اولى ثماره المرة الحرب الطائفية بين عام 2006 و2008 مع ان هناك من يبرئ الحكومة انذاك من تلك الحرب ويضعها على مسؤولية المليشيات والقاعدة. لكن بعد اندلاع الحرب الطائفية ضد اهالي الانبار منذ اشهر وتضاعف القتلى وسيل الدماء لدى الجانبين نحن اليوم اقرب الى الانفصال لاقاليم المحافظات السنية منه الى الوحدة والتعايش ضمن بلد واحد. ومع استمرارية الظلم المسلط عليها يوميا من قبل الجيش والشرطة تتجه تلك المناطق الى الانفصال القسري، بعد ان تحول اهلها بنظر الحكومة الى مواطنين من الدرجات المتدنية، وهم بالاجماع مشبوهون ويوصوفون بمناسبة او غير مناسبة بالبعثيين الصداميين التكفيريين النواصب الوهابيين. ان الخطورة اليوم من هذه الحرب انها حرب تقودها حكومة منتخبة استحوذت في نهاية ولايتها على كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والاعلامية في غفلة من الزمن قبيل الاستحقاق الانتخابي الجديد، ووضعت الكتل والاحزاب السياسية المنضوية في العملية السياسية والمعارضة لها امام الامر الواقع. انها حرب طائفية ضروس شعارها المعلن المحابي لدولة الاحتلال هو محاربة الارهاب. انه نفس المنطق الامريكي الذي انتهك حرمة افغانستان والعراق تحت هذه الحجة. لقد قال ابن خلدون في مقدمته بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب، لكن ابن خلدون لم يخطر بباله ان المغلوب مولع ايضا بتقليد الغالب حتى في جرائمه. لا ندري ما الذي يمكن ان نفعله امام تلك الحرب التي تمر من دون اعتراض من الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والدول العربية والاسلامية، وكيف يسمح المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الانسان باستمرار حرب داخلية تقودها الحكومة ضد شعبها، وتحاول ان تحشد طائفة من شعبها ضد طائفة اخرى من قومية واحدة وعادات واحدة وعشائر واحدة وانساب متشابكة المصالح، وارتباطات نسب واصهار وزيجات مشتركة. من المؤسف ان تتجاهل هذه الحكومة التاريخ ولا تتعلم منه الدروس. ألا تدرك الحكومة ان الحرب والقوة والاضطهاد لا يمكن ان تستأصل المبادئ والافكار والمذاهب. ألا تتذكر الحكومة المنتمية تاريخيا الى التشيع أن اضطهاد الامويين والعباسيين للشيعة طيلة عقود طويلة لم يتمكن من استئصالهم.
اليوم ايضا لن تتمكن هذه الحكومة من استئصال مذهب اهل السنة والجماعة في العراق. ان حرمة المؤمن خير من حرمة الكعبة والحكومة يجب ان تحكم بالعدل بين جميع افراد الشعب، من دون فرق او تمييز بينهم بسبب الدين او المذهب او القومية او العرق. فالمتاجرة بمذهب اهل البيت وارسال اولاد اهلنا في الجنوب الى المحرقة في الرمادي لا تقل جريمة عن قتل اهالي الرمادي أنفسهم. كما ان تعميق الطائفية من خلال الخطب المتشنجة ‘نحن جيش الحسين وهم جيش يزيد’، او ‘بيننا وبينهم بحار من الدماء’، لن يزيد النار الا اشتعالا ولن يؤدي الا الى تمزق البلد الواحد. ان العراقيين لا يريدون ان يعودوا الى نفس ممارسات النظام البائد عندما جعل العراق صدام وصدام هو العراق. لقد اغرت السلطة النظام السابق وظن انه خالد فيها فتحول الى نظام ديكتاتوري. نغشى اليوم من ممارسة الحكومة الحالية نفس الاساليب الديكتاتورية الاستئصالية السابقة تحت عباءة الديمقراطية والتعددية. اختم مقالي بشهادة رجل شارع كاسب يعمل سائق سيارة اجرة من مدينة كربلاء، التي كنت فيها قبل ثلاثة ايام، اثر حوار قال فيه بأننا شعب واحد واخوان، سنة وشيعة، يجمعنا وطن واحد ثم أردف قائلا بان النظام السابق افضل بكثير من هذا النظام. انني اخشى ان يكون الشق الاول من هذه الشهادة متأخرا بعد ان سالت الدماء الغزيرة، اي كما يقول المثل العراقي ‘بعد خراب البصرة’. أما الشق الثاني منها فقد اغاضني كثيرا لان ذلك النظام الذي فضله على النظام الحالي حرمني من رؤية بلدي والعيش فيه طيلة 23 عاما بعد ان وقفت ضد اندلاع الحرب عام 1980 وناصرت المظلومين من مذهب اهل البيت والاخوة الاكراد بمحض ارادتي، من دون ان يطلب مني ذلك احد ولم تكن قد تضررت مصالحي الشخصية انذاك من قبل النظام السابق.

‘ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية