تعاني منطقة الشرق الاوسط من صراعات مريرة ومشكلات اصبحت مستدامة ومتراكمة ومتفاقمة، وهذه المشكلات تزداد تعقيداد يوما بعد يوم، فالعراق اصبح مقسم (عمليا) الا ان هذا التقسيم لم يعلن رسميا او قانونيا، وقد تكون الادارة الحالية في واشنطن محرجة من هذا الموقف ولا تحبذ ان يكون رسميا، على الاقل في هذه الفترة لكي لا يلام الرئيس اوباما على سحبه القوات الامريكية، وقد تتقبل الادارة القادمة للبيت الابيض هذا التقسيم رسميا لانها لا تتحمل اي مسؤولية عنه.
ان الصراع بين حكومة المركز برئاسة المالكي والاقليم الكردي لا ينتهي، وهو عبارة عن معارك متناوبة تخفت تارة ثم تنفجر فجأة، اما الصراع السني ـ الشيعي وحرب المالكي مع السنة بوسائل الاجتثاث والحرب على الارهاب والاقصاء فاصبحت قضية معقدة واحدى الوسائل التي تنمي الارهاب فعليا في المناطق السنية بدلا من ان تنهيه، اضافة لمشكلة المهجرين وازدياد اعدادهم وقضايا حقوق الانسان ومشاكل المليشيات والتنظيمات المسلحة وصور القتل المذهلة التي تعج في اليوتيوب والتي تتناقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
اما في سوريا فالاسد جالس في قلعته الحصينة، وجيوشة تقاتل الثورة السورية بمشاركة كتائب ابو فضل العباس المدعومة عراقيا، وكتائب حزب الله اللبناني، اضافة الى قوات الحرس الثوري الايراني، واصبح السوريون مشتتين، ما بين مهجرين وضائعين ومشرديين بين دول الجوار والعالم، وابناؤهم تركوا الدراسة واصبحوا يبحثون عن اي عمل، ونساؤهم تعرضوا للاهانة والتشريد والابتزازفي بعض الدول التي لجأوا اليها.
وفي ظل هذه الظروف العصيبة الكل ينتظر نتائج الانتخابات العراقية بعد ايام قلائل، وبعد الحملات الانتخابية الحامية جدا بين المرشحين وبين الكتل السياسية، ورغم عدم الاستقرار السياسي ووضع الامن المتردي والتهجير وتنظيمات الارهاب في الانبار والمليشيات المدعومة من مليشيات عصائب الحق في ديالى، التي تعبث بأمن العراق الا ان ذلك لم يوقف الحملات السياسية الانتخابية.
الكل يسعى للفوز بسلطة العراق، والمالكي في اصعب ظروفه وهو يبادر يوميا لايجاد حلول ممكنة في حالة خسارته المتوقعة رغم التقارير المغلوطة التي تبشر بفوزة، ففي تقرير امريكي نشر قبل فترة قصيرة توقع فوز المالكي بـ110 مقاعد، وتحدث هذا التقرير عن الدور الايراني المحتمل في هذه الانتخابات، يبدو ان هذا التحليل تم نشره او اعداده وفقا لمعلومات ميدانية او اعلامية عراقية، ولكن بكل الحالات فان العارف بحالة العراق السياسية بصورة عميقة وخالية من الرتوش ومن دون تأثير وسائل الاعلام او من دون الاعتماد على بعض المصادر التي تمثل وجهات نظر او اراء شخصية لا ميدانية لا يمكن بأي من الحالات القبول بها.
المالكي حصل على 89 مقعدا في انتخابات 2010 ورغم رفضه لهذه النتيجة امام القائمة العراقية برئاسة اياد علاوي، فهو لم يقتنع بهذه النتيجة وقرر اعادة حساب النتائج، وفعلا قامت المفوضية العليا للانتخابات بذلك ولم تتغير النتائج، بل انها كانت تأكيدا على ان المالكي حصل على العدد نفسه من المقاعد.
ولو قارنا مقارنة بسيطة بين انتخابات 2010 وانتخابات 2014 لوجدنا ان هناك فرقا كبيرا بين الفترتين، فالفترة الاولى كانت للمالكي صورة ايجابية ليس لدى الشيعة فقط، وانما لدى الكرد وبعض السنة، كما ان الوضع السياسي كان اكثر استقرارا، ولم يكن هناك نزاع سياسي شيعي شيعي، كما هو اليوم او لم يكن بمستوى الحالة الانية، اما اليوم فان الوضع الامني في اسوأ حالاته والعراق يخسر 1000 قتيل شهريا، كما ان ميزانية العراق ازدادت اكثر ووصلت الى 150 مليار دولار، وتجاوزت الـ80 مليارا في 2010 وقبلها، الا ان تقرير الجهاز المركزي للاحصاء في وزارة التخطيط اكد ازدياد الفقر الى ستة ملايين عراقي في 2014.
وكان في 2010 وزيرا دفاع وداخلية متفق عليهما من قبل كل الكتل السياسية، اما اليوم فان المالكي هو وزير الدفاع ووزير الداخلية، ولحد الان البرلمان العراقي لم يتفق حتى على الميزانية.
ان فرص نجاح العراق كدولة في نهاية 2014 كانت كبيرة، وسلطة المالكي كانت اكبر الا ان الفشل ازداد والوضع الامني تدهور والعلاقات الدبلوماسية ازدادت سوءا والارهاب لم يعالج، بل استشرى، ووفقا لهذه البيانات فالمالكي لن يستطيع الحصول على اكثر من 65 مقعدا في انتخابات 2014، رغم ذلك لديه هو بعض الحلفاء ككتلة العراق التي يرعاها رجل الاعمال العراقي فاضل الدباس، قد تحصل على 10 مقاعد الى 15 وهي حليفة للمالكي بكل الاحوال، وقد تشكل كتلة حجمها يصل الى 80 مقعدا في احسن الاحوال.
اما النجيفي وكتلة متحدون، فهي ايضا تدهورت في الشارع السني واصبحت في وضع سيئ جدا بسبب عدم قدرتها على معالجة اي حالة من الحالات الصعبة التي يعاني منها الشعب العراقي، ولم تستطع ان تحل ازمة الانبار ولا ازمة التهجير الذي تقوم به المليشيات في محافظة ديالى، كما انها اصبحت تمثل بصورة واضحة الاخوان المسلمين الذين تدهورت صورتهم في الشارع السني منذ انتخابات 2010، حيث كان طارق الهاشمي رئيسا للحزب الاسلامي، وفهم تدهور شعبيته وشعبيتهم مما دفعه للانقلاب عليهم وتشكيل كتلة ‘تجديد’ التي دخل فيها انتخابات 2010. اما النجيفي فلم يفهم الدرس وسيرتكب خطأ كبيرا في دخوله باسم السنة في كتلة اصبحت واضحة انها تمثل الاسلاميين المدعومين من تركيا. كما ان اقتراب النجيفي من ايران وتداول صورته عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين العراقيين وهو يقبل قاسم سليماني في زيارة الى طهران اطاح به سنيا الى ادنى مســتوى ممكن، كما ان فشل اخيه السيد اثيل النجيفي محافظ نينوى في ادارة محافظة نينوى قد اضعفة اكثر، لذا قد يحصل النجيفي او كتلة متحدون على 18 ـ 20 مقعدا في البرلمان، وهذا هو اعلى مستوى ممكن اذا لم يكن ادنى من ذلك، وكذلك صالح المطلك وكتلته الحوار قد تحصل على 4- 5 مقاعد في احسن الاحوال، اما كتلة الكرامة التي يدعمها رجل الاعمال خميس الخنجر فقد تحصل على 7 مقاعد الى 8، وهي تمثل المتظاهرين السنة، وهي بشكل او باخر تمثل وجها اخر من وجوه الاخوان المسلمين ولكن بشكل خفي.
هناك ايضا التيار المدني وهو تيار صاعد بشخوصة المتميزين وقد يحصل هذا التيار على 7 ـ 10 مقاعد، اما اياد علاوي فهو يعاني من تردد ناخبيه بسبب عدم ايفائه بالتزاماته امامهم، ولكن كل البعثيين سينتخبونه فليس لديهم بديل غيره، كما ان هناك نخبة شيعية ستتحول اليه خاصة بعد عدم قبوله التحالف مع اي كتلة سنية طائفية، وبعد ضمه شخصيات مدنية لقائمته وبذا فقد يحصل على 25 ـ 30 مقعدا.
بقي عمار الحكيم ومقتدى الصدر والكرد، وهنا يجب الاشارة الى ان الحكيم هو التيار الشيعي الصاعد في هذه المرحلة ولاسباب عدة فعمار الحكيم له خطاب ســـــياسي جديد ومفتوح غير طائفي، وان كان شكليا، كما ان قائمته ضمت شخصيات مدنـــية، بل شخصيات شيعية مرموقه وعلمانية، منهم جواد البولاني وزير الداخلية الاسبق واحمد الجلبي وكذلك شخصية مستقلة معروفة وهو نبيل ياسين وهذه الشخصيات ستعطي انطـــباعا ايجابيا للجمهور الشيعي المتلهف لشيء جديد.
اما الصـــدر فقد دخل بثلاث كتل او ثلاث واجهات لجمع اكبر كم من الاصوات، وبالتالي فهو سوف يحافظ على مستواه الذي يمثل 40 مقعدا، اما الكرد فبمجموعهم سيحصلون على 40 مقعدا.
هذه القراءة تعطي انطباعا بان المالكي في اسوأ وضع وانه لن يستطيع ان يشكل الكتلة الاكبر، لانه اصبح عدوا للجميع، ولكنه بدأ يتوجه اتجاهات جديدة خاصة بعد الانباء الجديدة عن تشكيله قوات جديدة من عشيرته من مدينة طويريج في كربلاء، وجلبهم الى بغداد، اضافة لذلك اصداره قانونا جديدا سمي قانون السلامة الوطنية، وهو قانون طوارئ يمنح المالكي سلطة مطلقة في كل شيء، كما ان المالكي يعول على التصويت الخاص بالجيش والشرطة اضافة الى امكانات الدولة والنفوذ الايراني المحتمل في التزوير والتغيير .
النفوذ الايراني
الصراع الشيعي الشيعي الذي بدأ ينمو بشكل ملحوظ في العراق، ارهق الايرانيين جدا، بل ان بعض الايرانيين يتحدثون عن بداية لنهاية نفوذهم الشيعي في العراق، وهذا شيء غير منظور للكثير من المحللين، فالايرانيون يتوسطون المرجع الشيعي الحائري لمحاولة اقــــناع الصدر بالمالكي وابقائه في مكانه، كما ان بارزاني في ابعد اتجاهاته عن ايران الان واقربها الى تركيا، اما الحكيم فانه قد يقع بين محاولة مراضاة ايران ومحاولة ارضاء مرشحيه او تحالفه مع قوى لا ترغب بالنفوذ الايراني وبالتالي فان مصلحته اهم من علاقاته.
ان شعار ايران الذي اطلقه الخميني في تصدير ثورتها الاسلامية للخليج في 1979 قد انتهى عمليا، وان ما تقوم به ايران الان هو تصدير لأزماتها السياسية مع شعبها، فالداخل الايراني مأزوم جدا ورافض للواقع السياسي الحالي، ومحاولة ايران التدخل في العراق وسوريا ولبنان والبحرين ليس تصديرا للثورة وانما هو لابقاء النظام الاسلامي في ايران الذي انتهى شعبيا. ان قبول ايران بالتفاوض مع امريكا بشأن ملفها النووي هو محاولة لكسب الرأي العام الايراني المحلي واسكاته وتسكينه مؤقتا ولتحظى ايران بسيطرة على العراق وتبقيه تحت مخالبها، وان التدخل الايراني في سوريا ايضا انهك الجانب الايراني واسقط صورة حزب الله عربيا، وبالتالي فان جبهة العراق ستكون مصيرية بالنسبة لمستقبل الحكم في ايران لذا فان تدخلهم سيكون على اشده رغم مرارة الفرقة الشيعية ـ الشيعية، والصراع مع السنة الذي قد يشعل فتيل حرب عراقية عراقية لحرق الانتخابات ونتائجها التي قد تؤدي بالمزيد من صعوبة الموقف السياسي الايراني.
كاتب عراقي