نعيش في هذه الدنيا، وحالنا اتباع سنن وعادات من كان قبلنا، وألسنتنا تردد بعلم أو بغير علم ‘هذا ما وجدنا عليه آباءنا’، وقلوبنا تعتنق جهلاً وكبرياء ظواهر أضحت واقعاً صرفاً على مر الزمان. هذه الظواهر في أغلبها لم يكن لنا يداً فيها سوى تقليد من سلف، وحجتنا أنها موروثة من عقود انصرمت، والأسئلة التي تداهم أذهاننا انحصرت حول عواقبها دون المساس بكينونتها ومفهومها ومنطقها.
يقول الفنان بيكاسو: ‘كل طفل هو فنان، والمشكلة هي البقاء على ذلك عندما يكبر’. هذه المقولة لامست كثيراً من الحقيقة المتمثلة في حياة معظمنا؛ فنحن نبدأ كأطفال، وغالباً ننتهي كمقلدين ومعتنقين للطرق الممهدة سابقاً. كلما كبرنا وزاد عداد السنوات في أعمارنا، ابتعدنا عن حقيقتنا الإنسانية المحضة المتجسدة في طفولتنا. بتنا نحيا في قوالب مصنوعة مسبقاُ، ونمتثل لأوامر وتعليمات، ونطبقها لزاماً كما وردت دون تفكير وتقليب لحيثياتها. فالفكر تعطل، والقلب كسته هموم دنيوية، والأقدام تطرق سبلاً وتقتفي أثراً تركته أقدام من سبقنا، والحجة أنها مجربة وتم اختبارها! ذاك المثل الشائع ‘اسأل مجرباً ولا تسأل خبيراً’ فيه جل من تزييف وتزيين لواقع، وقليل من حقيقة. كم أتمنى لو علمته سابقاً على صيغة: ‘اسأل طفلاً، ولا تسأل خبيراً’! فالصيغة المقترحة لا لوماً لمعشر المجربين، بل إكباراً لقوم الأطفال من حولنا.
ورد في آخر الدراسات عن شركة غوغل أنها تخصص جزءاً ليس بيسير من الأنشطة المتناثرة في مكاتبها لتنمية جانب الطفولة المهمل في جوف موظفيها. فالهدف منها ليس التسلية، ولا إضاعة الوقت! هي موجهة لمخاطبة العقول المغلفة، وردها قليلاً إلى واقعها المنسي المهجور على شواطئ الطفولة. فحب الاكتشاف عاصرناه منذ نعومة أظافرنا، وتركناه عند اشتداد ظروف الزمان. فالطفل لن يقبل بإجابة النفي بادئ الأمر عند طلبه لغاية في نفسه. سيحاول مراراً وتكراراً الحصول على مبتغاه، وسيمكث الدوران حولها حتى تلبية حاجته، فلا يعرف الاستسلام ولا يدرك معنى الفشل ولا يكترث لآراء من حوله إلى حد ما. هو رسم الهدف على صغره-، واستمر في الجري خلفه حتى يتحقق. عقله يعشق دروب الاكتشاف، وغالباً لن يقتنع بنتائج تجربة أشخاص اخرين، وسيصمم على إيجاد نتيجتها بنفسه. عقله غض حيوي، لم يتأثر بمعطيات البشر ومسلماتهم، ويؤمن بحقيقة واحدة أن الاكتشاف سر المستقبل، والمرونة مطلب النجاح؛ بعداً عن قوالب منحوتة مطلوب منه تقمصها؛ لا لشيء! ولكن لنصيحة من تقدمه عمراً منبعها الخوف من المجهول وحرصاً من عقبات غير مضمونة.
يروى أن سيدنا عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- كان يصادف الأطفال في الطرقات، ويسألهم الدعاء الخالص له؛ لأنهم لم يذنبوا بعد ودعوتهم أقرب ما تكون إلى الإجابة من رب البشر. لعل في ذلك سببا كامنا آخر هو أن الطفل أقرب ما يكون إلى فطرته البشرية السليمة، ويلامس الكون من جانب مجهول غير معلوم لنا معشر البالغين. هناك في قصص عدد لا بأس فيه من الناجحين دنيوياً درس لنا لا يستهان به! هموم الدنيا لم تمنعهم من قضاء الوقت مع الأطفال؛ تارة يرجعون إلى أول العمر أطفالاً يلاعبون أطفالهم، وتارة أخرى يحاورونهم ويستقون الجديد من أفواههم بحثاً عن أمور قد تكون واضحة وضوح الشمس أمام أعينهم، ولكن الزمن خبأها بطريقته وهم تجاهلوها دون إدراك. اينشتاين قالها قبل زمن: ‘لا يمكن حل المشاكل باستخدام طريقة التفكير نفسها التي خلقتها’! كم أشتاق للطفل الصغير الذي بداخلي، وكم أحاوره ساعات الفجر والغسق سبراً لأغوار حاضر ومستقبل رهين بتصرفاتي، وكم أعشق الاختلاء معه احتماء من انتقادات الكبار. فمهما كان، ويكون، وسيكون، ابحث عن الطفل الذي بداخلك!
حسام خطاب الأردن