في داخل مبنى الهجرة والجوازات في معبر نصيب الحدودي، أخذ الموظف الذي من المفترض ـ كان سوريّاً ـ جوازَ سفري في الساعة الواحدة ليلاً بينما كنت في طريقي من عمّان إلى دمشق، وسألني (فلان) شو بيقربلك !.
ثم بعد خمس ساعات تقريباً أعاده لي بعد أن أجبت على سؤاله وهو يعتذر مني (لا تواخذنا معلِّم !) طبعاً هالحكي بعد أن ذهب السائق الذي كنت معه وبقيت أنتظر سيارة أخرى لأصل بها إلى دمشق ـ لكن تأخر الوقت ولم تبقَّ سيارات كثيرة إلا أني كنت محظوظاً وجاءت واحدة في طريقها إلى درعا.
وبذلك قررتُ الذهاب إلى درعا وثم من هناك إلى دمشق، كي لا أتأخر عن بركان حلب (حيث تقيم عائلتي)، وكان في سيارة التكسي الصغيرة ثلاثة ركاب (زوج وزوجة وابنتهما) بينما كانت الحواجز الأمنيّة مكثفة من معبر نصيب إلى مدينة درعا التي كانت تقصف بالدبابات وتدك بالمدافع، أما المجندون على الحواجز الأمنيّة فكلما وقفنا على احدهم قالوا لي: أنت من عين العرب !!؟؟ شو جابك لهون وكانت مصيبتي أهون من مصيبة الركاب الثلاثة الآخرين، حيث كان المجندون الذين يسمعون أغنيتهم الشهيرة (شاوي ماني شاوي) يفتشون بين الملابس الداخلية لزوجة الراكّب وابنته عن عبوة ناسفة.
لكنهم لم يعثروا عليها ووصلنا إلى كراج درعا بالسلامة في الساعة السابعة والنصف تقريباً وكان خالياً من الركّاب تماماً بينما كان الأمن أكثر من المسافرين وانتظرنا نحن الأربعة الميكرو باص إلى الساعة الثالثة عصراً ريثما انتهى السائق من تطبيق 14 راكب يمكن !!
وانطلقنا من جديد من درعا إلى دمشق وباتت الحواجز الأمنيّة تزداد والقصف يشتدد بينما الأطفال فكانوا يبكون في الميكرو باص وهم سُعداء مع أغنيّة (شاوي ماني شاوي) التي يستمع إليها المجندون الأبطال الذي كتبوا على حيطان مفرزاتهم الأمنيّة (جنودك يا أسد) وهم يشربون المتّة دون أن يعثروا على العبوة الناسفة بين الملابس الداخلية للراكب الذي معي وعائلته، وهكذا وصلنا أخيراً إلى دمشق بألف يا ويلاه من السلامة وتحديداً لكراج السومريّة هذه المرة ومن هناك تنقلت مع سائق تكسي آخر كان مؤيداً يحدثني عن العفو الذي أصدره الأسد البارحة قبل أن أصل إلى كراج البولمان وأنا أشتم السائق والأسد والعفو أيضاً.
وكانت النملة أو الحشرة لا تستطيع أن تتحرك داخل كراج البولمان الذي غزاه الشبيحة وكانت أجهزة المراقبة هي التي تكشف بين الملابس الداخلية عن العبوات الناسفة إلا أني والحمد لله كنتُ عازباً ومازلت، لذلك تمكنت من الوصول للشركة الأهلية قبل جميع الركاب وانطلق باصنا المؤيد بأسرع وقت في الساعة الثامنة ليلاً كي لا نتأخر عن بركان حلب وكان الركاب سُعداء أيضاً وهم يسمعون للسائق الذي يقول (مافي شي عالطريق) لدرجة سألته (مسحوا حتى الاستراحات) لكنه لم يجاوبني وقال: هيّا بنا .
بين حلب ودمشق كان البولمان جميلاً لم تخترقه رصاصة واحدة وكان الرُكّاب أحياءً لم أجد بينهم شهيداً وكان المجندون الأبطال يستمعون لأغنيتهم التي لا تنتهي (شاوي ماني شاوي) على حواجزهم وهم يشربون المتّة، بينما الطريق فكان يتجدد كل نصف ساعة ، فطريق السلمية والرقة كان ذهاباً وإياباً وكانت مسكنة والطبقة قريبتين جداً من الرقة بينما تلبيسة لم تكن موجودة وكذلك الرستن وأنا في طريقي إلى حلب.
كُلّ ما سبق في الأعلى ليس مهماً و(الأهم) كالعادة بعد رحلة استمرت ليومين تقريباً وأنا في طريقي إلى حلب بعد كل هذه الحواجز والمدفعيات والدبابات والطرق التي استبدلت بطرق أخرى جديدة ومدن لم تعد موجودة على طريقنا القديم، صُدمت في ساحة سعد الله الجابري وأنا أرى مدينة حلب تشهد أكبر مظاهرة مليونية بينما كنت أنتظر بركان حلب الذي رأيته بعيني وكان (بارفاناً) يعني عطر يا أوادم !! .
* شاعر وكاتب وصحافي سوري