ما يصنع حيويّة الشعر

حجم الخط
0

عبداللّطيف الوراري

شكّل صعودُ الذات وتحوُّلها إحدى أهمّ عناصر فعّالية القصيدة الجديدة، وأكثر آليّات تعريف حداثتها. فقد انصرف أغلب الشّعراء المعاصرين عن المعضلات التّاريخيّة والسياسيّة، وعكفوا بدلاً من ذلك على اليوميّ والآنيّ والعابر في ما يعجّ من تفاصيل وتيمات مادّية وحيوات بسيطة وقريبة، مرتفعين بأجسادهم وانفعالاتهم واستيهاماتهم وعلاقاتهم وسيرهم البيوغرافيّة إلى درجة الغائيّة الّتي بدت كأنّها ‘ التزامٌ جديدٌ’ داخل استراتيجيّة تصوّرهم للقول الشّعري في كتابة جديدة تُراهن على جماليّات معارضة تشي بالتنوّع والتعارض، على طرفي قصيدة النّثر والتّفعيلة. وعليه، لن نكون بصدد رؤى اجتماعيّة وأيديولوجيّة وشعاريّة، بل أمام رؤى بديلة بين نوستالجيّة وإشراقيّة وشبقيّة وعدميّة ونسوانيّة في الأغلب. هكذا تكشف النصوص الشّعرية لهؤلاء عن صوت الذّات الكاتبة، ونزوعها إلى المجهول وهي تختبر هشاشة العالم والأشياء، وتعيد، في ضوء ذلك، تأمّل أوضاعها المركّبة والمتشذّرة في الحياة والكتابة. لم يعد السياسي المباشر والماورائي والشمولي شرط الكتابة، بل الجماليّ اليوميّ والمادّي ذاته. ولا الصّوت ذو الإيقاع الحادّ بل الصّمت ذو التّكثيف الضّوْئي. ما كان متخفيّاً سوف يصير أكثر حضوراً في سيرورة التّحديث الشّعري. ترتيباً على ذلك، انتقل توصيل الشعر وتلقّيه من الفضاء العمومي إلى الأمكنة المغلقة من مثل المقاهي الثقافيّة والنّوادي اللّيلية والمجالس الخاصّة والحميمة، متساوِقاً مع انحسار دور المجلات الأدبية الفاعلة، ومنابر النشر الحرة، وضمور محفّزات الجدل والمعارك الأدبية، فيما دخلت التّقنية على الخطّ بوسائط مغايرة. وطُرِح السّؤال ثانية: هل نشهد تراجعاً في دور الشعر، ومن ثمّ الشعراء؟ هل يعني الأمر انسحابهم من المتن الى الهامش، واستقالتهم من اختلاطات الحياة اليوميّة؟ وتساوق الأمر مع أوهام الحداثة، ولا سيّما فيما يتعلّق بتصوّر الشّعر ووظيفته، حتّى بدا الادّعاء بأنّ الشّعر ‘ كائن لا اجْتماعي’ مغرياً للكثير، حتّى بالنّسبة للشعراء المنشغلين بـ ‘ الموضات’ الرّائجة. لا يمكن لنا، والحالة هذه، أن ننكر اجتماعيّة القصيدة حتى ولو امتلكت قدراً ما من الاستقلالية والتفرّد، لأن كتابتها لا تتحقق إلاّ بعملية إدماج بين الشّخصي واللا شخصي، بين الفردي والاجتماعي، وأنّ العلاقة بين رؤيا الشاعر والوسط الاجتماعي ليست علاقة انعكاسٍ آليّ، كما زعموا. لقد تمّ اللّجوء إلى الوعي أو المفهوم الفردانيّ للشّاعر بطريقةٍ تُفْرغه من حديّتها غير المسموح بها، بما يُشْبه مُناورة أو أيديولوجيا أكثر منه تحليلا ً تاريخيّاً، وهو ما يُعيق عمل اللّغة والذّات في الفنّ. في الواقع، يمثّل ‘ الفنُّ المرْصدَ والمختبرَ الّذي يُظْهر أكثر من أيّ ممارسة اجتماعيّة أنّه داخل الفنّ يتحقّق الذّاتي بقدرما يتحقّق الجمعيّ’، يؤكّد هنري ميشونيك. بهذا المعنى، لا يمكن لنا أن نخوض في حداثة القصيدة، أنّى كانت، بمنأى عن الأخلاقيات والتاريخ، وذلك حتّى في استغراق اهتمامها بالذّاتي. إنّ كتابة القصيدة حتّى في الهامش تظهر سياسيّة أكثر من المتن، وفي نصّ العصيان أكثر من المُجْمع عليه. دائماً، ثمّة سياسة ما في القصيدة، متحوّلة سرعان ما تنهض من الرّكام أو الفراغ في عمل التّأويل. تلك السياسة الّتي بمثابة الحركة الّتي تهجع في رحم القصيدة، وتحملها على أن تكون الرّاهنيّة الدّائمة للّغة الخاصّة، المهدّدة أكثر، والحيويّة أكثر. وهي، ككلّ عمل أدبي، ليست القصيدة سوى نوع من اليوتوبيا، من خلالها نرغب في أن نبني عالماً بديلاً يطفح بالحبّ والأمل، ويرشد إلى عدالة أكبر. ليس المهم أن نقسم الأدب إلى أنواع ومدارس، وإلى قضايا والتزامات، المهمّ أن نرشد أقدامنا إلى هذه اليوتوبيا في ليل القصيدة، القصيدة الأكثر تقشُّفاً، وتخفُّفاً من المحسّنات وصيغ البلاغة، وتخيُّلاً ما فتئ يُنادي على الأقاصي. من هذه القصيدة يقدم هؤلاء الشّعراء وغيرهم، ويصنعون عبورهم الخاصّ داخل الذّاتيات، وفي لحظة انْشغالهم باليوتوبيا، تقدم قصيدة الحدث من العمق حيث الذّاتي أكثر إدْراكاً للجمعيّ: من مأساة العذاب الفلسطيني إلى فاجعة سقوط بغداد، تمثيلاً. لا تُخْطئ القصيدة، على الأقلّ الّتي يكتبها روّادها ومُرْتادو سياساتِها العاصفة، ومن لحقهم من أجيال العصيان الشعري، بمن في ذلك المحتمُون برؤى عبثيّة أو عدميّة أو لا تاريخيّة، قوّةَ إصغائها للجمعيّ عبر علاقاتها المتوتّرة بالذّات التاريخيّة داخل الضّوء الخافت المتبقّي بعد عهود الانحطاط. كلّ شاعرٍ، هنا، هو سياسيٌّ بالمعنى العميق الّذي يفيد ابتكاره لأبعاد وفضاءات ممكنة يأخذ فيها التّاريخ معنى الهاجس الأساسيّ الّذي يورّط تاريخ الفرد بالتاريخ الجمعيّ، ولا سيّما تاريخ الهامش الّذي تسِمُه بلاغة المقموعين.

ولا يرفد الشّعراء، أنّى توجّهت ركائبُهم، نفس التصوّر للشعر في زمنهم، وعبر ذاتيّاتهم. يصنع ذلك حيويّة الشّعر العربي الّذي يواصل، بجراحات خطابه، البحث عن المعنى الّذي لن يكون ضياعه، أليغوريّاً، إلا ضياع معنى الحياة، التّاريخ والثّقافة. ولأنّ زمننا منذورٌ للتّباريح والعذابات فإنّ الأزمة هي الشرط نفسه للمعنى وهو يتخلّق باسْتمرار، إنْ ذاتياً أو جمعياً. وعندما يتوقّف المعنى يصير الشّعر ملفوظاً منتهياً. *شاعر وناقد من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية