لا يمكن تصور ان مستوى التسقيط السياسي، الذي وصلت اليه الحملات الانتخابية في العراق، يتم دون علم مسبق من كبار الزعماء السياسيين في العراق الذين يشكلون المرجعية السياسية للازمات والحلول على حد سواء.
ومن حيث المبدأ، فأن اي انتخابات في العالم، تشهد هامشاً من التسقيط الشخصي والاخلاقي والاتهامات بين المتنافسين، كممارسة تقترن برغبة اكتساب الاصوات وتجريد الخصوم من الاصوات المتوقع حصولهم عليها.
لكن الامر في العراق يبدو اكثر تعقيداً، على الاقل من زاوية حساسية المشهد العراقي بشكل عام، واستمرار الانحيازات الطائفية والقومية، وتحول الانتخابات في وجه من وجوهها الى اختبار لوزن المكونات، والزعماء الى ممثلين عن هذه المكونات.
في المراحل الانتقالية في حياة الشعوب كالتي يمر بها الشعب العراقي، تصطبغ الانتخابات بالكثير من الالتباسات وسوء الفهم ، ويتم تحميل الممارسات الانتخابية والاتهامات والتسقيط السياسي ابعادا تتجاوز صندوق الاقتراع ، كما يتم حمل تلك الاتهامات لتتحول الى واقع يحكم العلاقات بين الاطراف السياسية ما بعد انتهاء الاقتراع.
ان مسؤولية كبار الزعماء السياسيين في العراق، ومنهم رؤساء الاحزاب وزعماء الكتل، كبيرة جداً في ضبط الايقاع الانتخابي لانصارهم بما يحفظ العملية السياسية في هذه المرحلة الدقيقة.
وعلى زعماء الكتل في العراق ان ينتبهوا الى الاثار التي تخلفها الحملات التسقيطية فيما بينهم، والتي تتحول في مناسبات مختلفة الى شتائم واتهامات بالخيانة والارهاب، وقد تتجاوز الخطوط الحمراء في الممارسة السياسية الى استخدام التصفيات الجسدية والاعتداءات.
من النتائج المباشرة لمثل هذا النوع من السلوك السياسي، اضعاف ثقة المواطن العراقي في العملية السياسية وفي شخوصها ورموزها، وهو امر موجود بالفعل ومتصاعد.
كما ان من النتائج الاكثر خطورة، محاولة السياسيين الربط بينهم وبين مكونات اجتماعية، فيروجون الى ان التجاوزات من الخصوم ليست سوى تجاوزات على هذا المكون او ذاك.
على الزعماء العراقيين ان يكونوا اكثر حصافة في قيادة هذه المرحلة، وان يضعوا هدف ترصين التجربة الديموقراطية العراقية الفتية، التي تشكل الانتخابات عمادها الاساسي، في مقدمة اولوياتهم، وان يتجنبوا ويجنبوا الشعب العراقي نتائج تحويل الانتخابات الى حرب بلا اسلحة محرمة.