مشهد الرئيس العراقي جلال الطالباني، وهو يدلي بصوته من كرسي نقال، في أحد مراكز التصويت في العاصمة الألمانية برلين؛ كان المفارقة الأحدث عهداً في مشهد مشكلات إقليم كردستان العراق، بعد أن سبقتها مفارقة خلوّ برلمان الإقليم من ممثّل للطالباني، إثر الخسارة التي مُني بها حزب الأخير، ‘الاتحاد الوطني الكردستاني’، في الانتخابات المحلية.
ثمة، إلى هذا، ثلاث مفارقات كبرى لا تضع القيادات الكردية في مأزق مفتوح، فحسب؛ بل تهدد أيضاً معظم المكتسبات السياسية والاقتصادية والمدنية والثقافية التي نالها أكراد العراق طيلة العقود السابقة، وفي إطار الحكم الذاتي بصفة خاصة.
المفارقة الأولى أنّ توحيد المناطق الكردية، الذي تمّ في أيار (مايو) 2006، بعد أن كانت منقسمة في الولاء بين ‘الحزب الديمقراطي الكردستاني’ بزعامة مسعود البرزاني وحزب الطالباني؛ ظلّ توحيداً شكلياً بصفة عامة، فتعثرت كثيراً جهود تفعيله على الأرض، وفي سياقات الحياة اليومية. وهكذا فإنّ المحاصصة في الوزارات، وفي المناصب الأمنية، والعسكرية ضمن قوّات الـ’بشمركة’، ورئاسة المؤسسات الكبرى في الإدارة المحلية، ظلت تعكس انقسامات الماضي، وهددت بالمزيد من الانقسامات الجديدة.
المفارقة الثانية أنّ جميع الموارد المالية اللازمة لتسيير الإدارة الذاتية، وكذلك الصرف على مختلف أوجه إنفاق الدولة والبرلمان والجيش، تأتي من خزينة الحزبين الرئيسيين مباشرة. وهذه الحال الشاذة، أي قيام حزبين سياسيين بالصرف على السلطة التشريعية والتنفيذية في آن معاً، جعلت الكثير من مؤسسات الحكم الذاتي مجرد واجهة بيروقراطية وديكور ديمقراطي، كما حوّلتها إلى رهينة تابعة للأجهزة الحزبية صاحبة القرار الفعلي. والأمر يصبح أكثر خطورة إذا تذكرنا أنّ الأكراد في شمال العراق يسيطرون على مساحة تبلغ 83 ألف كم مربع، أي ما يقارب مساحة النمسا، تتضمن كامل الحدود الشمالية للعراق مع سورية وتركيا وإيران. والقوّات العسكرية الكردية، رغم تسليحها الخفيف، تشكل جيشاً حقيقياً مدرّباً يبلغ تعداده نحو 65 ألف عسكري تحت إمرة البرزاني، ومثل هذا العدد تقريباً تحت إمرة الطالباني.
المفارقة الثالثة أنّ بعض الأجهزة في السلطة الكردية أخذت تميل أكثر فأكثر إلى الاستبداد والقمع ومصادرة الحريات العامة وقهر الرأ ي الآخر، على نحو يذكّر المواطنين الأكراد بأسوأ ممارسات الأجهزة الأمنية في عهد صدّام حسين. يُضاف إلى هذا ما يتردد عن شيوع الفساد داخل مختلف أجهزة الحكم الذاتي، بحماية مباشرة وتشجيع صريح من القيادات السياسية للحزبين الرئيسيين.
وإذا كانت السليمانية، معقل أنصار الطالباني، قد احتفت بمشهد الأخير وهو يلوّح بإصبعه الملطخ بالحبر الانتخابي؛ فإنّ إربيل، معقل البرزاني، لم تُظهر حماساً مماثلاً إزاء هذا الحدث، بقدر ما احتفت بـ’معمعة انتخابية’ كردية ـ كردية: انتصار قوائم الحزب الديمقراطي (78′) ودحر الاتحاد الوطني (3′)!