على خلفية الانتخابات البرلمانية العراقية

حجم الخط
0

بغداد ‘القدس العربي’ من صفاء ذياب ما أن أعلنت المفوضية العليا للانتخابات العراقية توقف عملية الاقتراع في الساعة السادسة مساء يوم الأربعاء الماضي، حتى امتلأت الشوارع في أغلب المدن العراقية باحتفالات الكتل الكبيرة المرشحة للانتخابات، وقامت كل من كتلة دولة القانون، التابعة لرئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، وكتلة المواطن، التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى برئاسة عمار الحكيم، وكتل التيار الصدري (الأحرار والشركة الوطنية وغيرهما)، بتسيير سيارات ترفع أعلامها فضلاً عن هتافات المواطنين التي تعلن فوز كل كتلة على حدة، وترديد أناشيد سُجِّلت في أثناء مدة الدعايات الانتخابية التي انطلقت في الأول من نيسان/ أبريل الماضي.
وفي خطابات موازية لهذه الاحتفالات أعلنت الكتل الكبيرة، دون استثناء، أنها حصلت على أعلى نسبة تصويت. لكن المفوضية العليا للانتخابات، في محاولة منها لتهدئة التصريحات المتشنجة، قالت في تصريح لها ‘إن الحديث عن عدد الأصوات والمقاعد التي حصلت عليها الكتل المرشحة غير صحيح’، لأنها الوحيدة التي من حقها التأكيد على حصول كل كتلة على أصوات المواطنين، مشيرة إلى أن كل الأخبار التي نشرت حول حصول هذه الكتلة أو تلك على أي أصوات لا يمت للواقع بأية صلة.
من جانبها، حاولت وسائل الإعلام العراقية أن تساند الكتل التي تمولها من جهة، أو تكون دافعاً لبخس حقوق الكتل المعارضة لها من جهة أخرى. في حين لم يلمس المواطنون وجود قنوات حيادية حتى مع الوسائل غير الممولة من أحزاب سياسية أو دينية. إلا أن هذه القنوات وجدت خلال الشهر الماضي متنفساً آخر للربح من خلال الدعايات المكثفة التي كانت تبثها الكتل مجتمعة، أو من خلال مرشحيها، وهذه الدعايات لم تتحدث عن سيرة المرشح أو الشهادات التي حصل عليها والمناصب التي تسنمها فحسب، بل لم يخلُ بعضها من التذكير بالواقع المتردّي للأمن والسلم الاجتماعيين، مؤكدين خلال تلك الدعايات أن المستقبل مرهون بهم. المواطنون كانوا يرون في هذه الدعايات فرصاً للنكتة والتندُّر، فأغلب هؤلاء المرشحين ينادون بالتغيير، ويرفعون لافتات الغد الذي سيتغير بمجرد انتخابهم، على الرغم من أن أغلبهم، إن لم يكن جميعهم، من أعضاء البرلمان العراقي الحالي، أو ممن يتسنمون وزارات خدمية أو سيادية. وأكد مواطنون لصحيفتنا أن هذه الشعارات سوف لن تنطلي عليهم لأنهم شبعوا منها على مدى أحد عشر عاماً من التغيير الذي لم يجنوا منه سوى صعود أشخاص غير مؤهلين لقيادة البلد، على حدِّ قولهم.

ائتلافات ما قبل التصويت

لم تنتظر الكتل النيابية السابقة انتهاء سنوات البرلمان الأربع لتصرح بتفككها، أو بتشكيل كتل نيابية جديدة، بل بدأ انهيار الكتل السابقة بعد أقل من عام على تشكُّل البرلمان المنتهية مدته، وأول هذه الكتل التي بدأت بالانهيار القائمة العراقية، بقيادة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، لتتفكك بعد مرور أشهر قليلة، بدءاً من خروج الكتلة البيضاء، بقيادة جمال البطيخ، وليس انتهاء بخروج كتلة متحدون، بقيادة رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي، فضلاً عن القائمة العربية بقيادة صالح المطلك. وفيما بعد خروج بعض أعضاء كتلة الأحرار، التابعة للتيار الصدري، وبعض أعضاء كتلة دولة القانون، التابعة لرئيس الوزراء نوري المالكي، وغيرها من الكتل، ما أدى لإجبار أغلب الكتل النيابية على تغيير خططها والبدء بتجميع أشلائها لتشكيل كتل جديدة يمكنها أن تراهن على أعضائها في هذه الانتخابات.
لم يتكئ نوري المالكي على أية كيانات أخرى ليأتلف معها في حملته الانتخابية الجديدة، بل حافظ على كيانه الخاص المتمثل بدولة القانون الذي يقوده حزب الدعوة الإسلامية، فضلاً عن كيانات مساندة ستلتحق به بعد انتهاء الانتخابات، في حين حافظ التيار الصدري على كتلة الأحرار، وشكلت قوائم مساندة على رأسها كتلة الشراكة الوطنية برئاسة بهاء الأعرجي، وخرج إياد علاوي بكتلة جديدة سماها الوطنية، أغلبها وجوه جديدة على الساحة السياسية بعد أن ترك كتلته السابقة، العراقية، أهم الأسماء السياسية العراقية، أما المجلس الإسلامي الأعلى فلم يغير في الكتلة التي شاركت في انتخابات 2010 إلا أسماء قليلة لتحافظ على كيانها برئاسة السيد عمار الحكيم. ودخل الكرد في الانتخابات بكيانات عدة أبرزها الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والتغيير، والجماعة الإسلامية الكردستانية، وغيرها من كيانات.

مرشحون مثقفون

ومن المفاجئ في هذه الانتخابات التجمع المدني اليمقراطي، الذي جاء برئاسة الدكتور علي الرفيعي، وقدم أسماء لها ثقلها في الأوساط السياسية والثقافية العراقية، مثل جاسم الحلفي، ممثل الحزب الشيوعي العراقي، ومثال الآلوسي والدكتور عبد جاسم الساعدي وفائق الشيخ علي وهيفاء الأمين وغيرهم الكثير. هذا التوجه جعل عددا من الأدباء والكتاب العراقيين للمرة الأولى، يقومون بالترشيح للانتخابات، فنسبة المثقفين المرشحين للانتخابات ارتفعت بشكل واسع، لتضم أسماء معروفة في الوسط الثقافي، مثل الشاعر نبيل ياسين والشاعر كريم شغيدل والشاعر مروان عادل حمزة والروائية عالية طالب والروائي طه حامد الشبيب والفنان مكي عواد والفنان جبار المشهداني، والمخرج عباس علي باهض والمخرج عبد الصاحب الحسناوي، والفنان التشكيلي الدكتور جواد الزيدي، والباحث علي النشمي ويحيى الكبيسي والدكتورة خيال محمد مهدي الجواهري، هذه الأسماء جاءت إلى جانب أدباء ومثقفين في البرلمان السابق مثل الشاعر علي الشلاه والكاتب مؤيد الطيب، وغيرهم.
يرى بعض المتابعين أن دخول الكتاب والمثقفين العراقيين للحياة السياسية من الممكن أن يصحح العملية السياسية في حال تسنمهم مواقع مهمة ومؤثرة في الدولة، لكن آخرين يرون أنهم لم يفكروا بالتغيير بقدر انجرارهم للرواتب الكبيرة التي يحصل عليها البرلماني العراقي. ويقول الدكتور لؤي حمزة عباس في تصريح خاص إن ‘دخول المثقف في المشهد السياسي على هذا النحو يكشف عن صلف ومكابرة، وقد أدرك منذ وقت ليس بالقريب أن اللعبة خارج ما هو منطقي وعقلاني، حتى لو دخل صاحبنا البرلمان فالأمر محسوم لصالح خيارات لم يعد العراق متحكماً بأوراقها، ذلك ما تعرفونه أنتم، وقد تحدثتم عنه علانية، كما تعرفون أن لعبة تنظمها قوانين مجحفة واضحة الأهداف لن تؤدي إلى نتائج صائبة. المطلوب اليوم هو ما لم يتمتع به مثقفنا يوماً، وما لم تعرفه الشخصية العراقية على مرّ تاريخها: ثقافة الاعتراف. أن نعترف بأننا لسنا جزءا من المشهد السياسي والانتخابي، وان لا مكان للمكابرة، وقد راهنتم من قبل، كما راهنا جميعاً، على عراق مدني ديمقراطي حر كريم، وخسرنا الرهان. هل يمكننا أن نفكر بآلية أخرى خارج براغماتية الراهن التي تدفعنا لأن نكون جزءاً من مشهد لم نحلم به يوماً’.

مرشحون وكيانات

لم يشهد العراق منذ أول انتخابات جرت في العام 2006 تدافع المرشحين بهذا الشكل، للحصول على أرقام كيانات وانتخابات تمهيدية داخل الأحزاب الدينية تحديداً، من أجل الحصول على أعلى الأصوات للوصول إلى القوائم النهائية التي رُشّحت للانتخابات، فقد تنافس 276 كياناً ضمت 9039 مرشحاً، امتلأت الشوارع بصورهم، حتى غصت الساحات والحدائق وجدران البيوت والبنايات وأعمدة الكهرباء، ولم تسلم حتى النبتات الصغيرة التي غُرست في الجزرات الوسطية في الشوارع العامة. لكن هذه الكيانات تشتت إلى درجة أن المواطنين لم يسمعوا ببعضها، في حين بقيت الكيانات الكبيرة هي المسيطرة على الشارع ودعاياته الانتخابية.
وعلى الرغم من انتهاء التصويت منذ أيام، إلا أن النتائج النهائية لم تعلن حتى الآن. لكن بعض الكتل الكبيرة بدأت بالإعلان عن عدد المقاعد التي حصلت عليها. المواطنون من جانبهم يشيرون إلى تقدم رئيس الوزراء المنتهية ولايته، نوري المالكي، بكتلته الكبيرة (دولة القانون)، وبعض المراقبين يؤكدون على أن هذه الكتلة ربما ستتجاوز مئة مقعد، ويشير آخرون إلى أن كتلة المواطن، التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى، من المحتمل أن تحصل على خمسين مقعداً، في حين هناك انحسار ملحوظ بكتلة الأحرار، التابعة للتيار الصدري، وتدني عدد المصوتين لها. ويبقى حلم المثقفين العراقيين بصعود التيار المدني الديمقراطي وحصوله على مقاعد تؤهله لمنافسه الكتل الكبيرة، إلا أن النتائج الأولية تؤكد على أنه سيحصل على ما يقارب عشرة مقاعد، وربما أكثر بقليل.

مواطنون وتكهنات

منذ أن بدأ التصويت الخاص في الثامن والعشرين من الشهر الماضي، وتصويت العراقيين في الخارج، بدأ اللغط والكلام في الشارع، فعلى الرغم من مناداة أغلب المواطنين بالتغـــيير، فــضــــلاً عن الكتل السياسية، إلا أن هذه الانتخابات لم تغـــير شيئاً، فالكتل الكبيرة بقيت محافظة على نسب تمثيلها في البرلمان، وهناك احتمال كبير، بحسب النتائج الأولية، بحصول رئيـس الوزراء نوري المالكي على النسبة الأكبر من مقاعد البرلمان.
الكاتب إبراهيم البهرزي يرى أن هناك تناقضاً فاضحاً في دعوة البعض لتشكيل حكومة أغلبية سياسية، مبيناً أن التناقض يكمن في أن هذه الدعوات تصدر من أطراف دخلت الانتخابات ضمن كتل نوعية (طائفية، جهوية، قومية.. الخ)، ‘من يسعى لحكومة أغلبية سياسية ينبغي أولاً أن يدخل الانتخابات ضمن كتل وطنية جامعة ليحقق من خلالها بعد الفوز شراكات تؤدي إلى أغلبية سياسية منسجمة، حكومات التشارك والتوافق النوعي، وهي حكومات سيئة ومعرقلة وفاسدة بلا شك، فرضت نفسها بسبب نظام التكتلات النوعية التي تتشكل قبل الانتخابات’. ويشير البهرزي إلى أن علاج هذا المأزق يكون بوجود قانون أحزاب يمنع التشكل على هذه الأسس النوعية، وليس بالمقلوب كما يدعو البعض، ‘الحصان يكون قبل العربة حتى في العالم الاخر!’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية