مقياس نجاح الضربة العسكرية لإيران.. هل تدخل القوات الامريكية شوارع طهران؟

حجم الخط
0

عبدالسلام بنعيسي

هل تلوح في الأفق ضربة عسكرية إسرائيلية أمريكية لإيران بسبب برنامجها النووي؟ لا أحد يستطيع الجزم بالجواب على هذا السؤال بالسلب أم بالإيجاب. مع ذلك، سنــــسلم بإمكانية وقوع هذه الضربة، غير أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو، ما هي الجدوى التي ستكون للضربة إياها على بنية النظام الحاكم في طهران، ومن ثم على مشاريعه النووية والسياسية في المنطقة، المشاريع التي يفترض أن واشنطن لا ترضى عنها، لأنها تشكل مصدر تهديد لحلفاء أمريكا، سواء كان هؤلاء الحلفاء عربا أم إسرائيليين؟

إذا كان الهدف من توجيه ضربة عسكرية لإيران تدمير برنامجها النووي، فالواضح أن تحقيق هذا الهدف لن يكون بالأمر السهل الذي سيتحقق في لمح البصر، وفي الساعات الأولى للقصف. لقد استفادت إيران من التجربة العراقية في هذا المجال، عندما دمرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي سنة1981. وتأسيسا على ذلك، فإن البرنامج النووي الإيراني موزع على مناطق متعددة، ومحصن بشكل جيد تحت الهضاب والجبال، ومن الصعب الوصول إليه لتدميره التدمير الشامل والنهائي، كما تحلم بذلك كل من تل أبيب وواشنطن.

يضاف إلى هذا، أن لدى إيران القدرة على الرد القوي والمؤثر على أمريكا في العراق وفي أفغانستان من خلال حلفائها في هاتين الدولتين. ما تبقى من القوات الأمريكية في العراق ستكون في وضع الرهينة بين الأيدي الإيرانية، وكذلك قوات الحلف الأطلسي في أفغانستان ستصبح في وضعية أكثر تعقيدا مما هي عليه اليوم، حين تبدأ طهران بتقديم الدعم العلني والصريح لكل القوى المسلحة التي تحارب هذه القوات في الأراضي الأفغانية. طالبان التي تسيطر اليوم على أجزاء واسعة من أفغانستان والتي يتظاهر الأفغان في كابول تأييدا لها، والتي يستجدي حامد كرزاي، أصالة عن نفسه ونيابة عن أمريكا، التفاوض معها، طالبان هذه، إلى أين سيصل مدى قوتها إذا صار المدد الإيراني يصلها بشكل مكشوف ردا على ضربة أمريكية لإيران؟

أما في العراق فإننا نتذكر أن المثلث السني لوحده كان قد أدمى وجه الجيش الأمريكي في هذا البلد، وكان على وشك أن يدفع الإدارة الأمريكية لاتخاذ قرار الهروب من العراق معلنة عن هزيمة قواتها هناك، لولا الظهور المفاجئ لقوات الصحوات التي خلصت الجيش الأمريكي، وأنقذته من براثن هزيمة مذلة كانت على وشك أن تحدق به.

لنتصور للحظة واحدة، مقاومة شيعية متكاملة مع نظيرتها السنية في العراق، وتكون هذه المقاومة مدعومة من طرف إيران، فكيف سيصبح معها حال القوات الأمريكية المتبقية في العراق؟ وإلى ماذا ستؤول إليه المشاريع الأمريكية التي بنيت على الغزو، من أكبر سفارة في العالم في بلاد الرافدين، إلى القواعد العسكرية، إلى السيطرة على النفط؟ كل هذا البازار الذي تراكم طبقات فوق طبقات، سينهار ويسقط ويندثر هباء مع الريح.

لقد تعهدت إيران بأن ردها سيكون قاسيا، وهددت بمحو إسرائيل من الوجود. الاستعدادات والمناورات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل تشير إلى أن الدولة العبرية تتوقع ردا مختلفا عن كل الردود التي تلقتها في الحروب السابقة. إنها تتوقع زلزالا مدويا، فهل الإسرائيلي الطارئ على المنطقة والمهاجر إليها من وطنه الأصلي، بحثا عن الرفاهية والطمأنينة، مستعد لكي ترمي به قيادته السياسية في أتون مواجهة عسكرية أقوى من طاقته ولا يستطيع تحملها؟ كرة النار التي ستشعلها الضربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية لإيران قد يمتد لهيبها ليشمل لبنان عبر رد من حزب الله، وليشمل غزة بقصف من حماس، والجهاد الإسلامي، وكل الفصائل الفلسطينية التي تنتظر الفرصة المناسبة لضرب إسرائيل.. لهيب كرة النار قد ينمو ويكبر، ويطال السعودية والكويت والإمارات، من خلال شيعة هذه البلدان الذين لا يخفون تعاطفهم مع إيران، والذين سيتأجج تعاطفهم معها حين يعاينون عبر ‘الجزيرة’ و’المنار’، و’المحور’، و’العالم’.. صور الدمار في المنشآت الذي ستخلفه القاذفات العملاقة، وصواريخ توماهوك، والكروز، والحروق التي ستتركها على أجساد النساء والأطفال والشيوخ.. أما باكستان المهددة بالتحول إلى دولة فاشـــــلة، التي تسيــــطر على مفاصل الحكم فيها عناصر لا تخفي رفضها وعداءها للسياسة الأمريكية، فــــمن المرجح أن ضربة عسكرية لإيران قد تكون بمثابة رصاصة الرحمة التي ستــــطلق على ما تبقى من الدولة الحالية في هذا البلد، وقد تعمها الاضطرابات والفوضى، وقد تتسلم فيها السلطــــة عناصر موالية لطالـــبان، وقد يصبح السلاح الذري الذي تحارب أمريـــكا إيران لمنعها من امتلاكه، يصبح بين أيدي جهات أخطر بكثير من النظام الحاكم في طهران.

المقياس الحقيقي لكل ضربة عسكرية لإيران هو تغيير النظام الحاكم في البلد. وتغيير النظام المدعوم بالحرس الثوري وبالتأييد الشعبي، لن يتم إلا إذا تمكنت القوات الأمريكية من دخول شوارع طهران، كما حصل في بغداد، وإلـــــقاء القبض على الحاكمين هناك، ومحاكمتهم وإعدامهم، وتنصيب عملاء إيرانيين موالين للأمريكان مكانهم. وهذه الفرضية سقطت وانتهت إلى يوم الدين، منذ أن مرغت المقاومة العراقية الباسلة أنف القوات الأمريكية في أوحال دجلة والفرات، فهذه حقبة تاريخية كانت وطويت إلى الأبد.. بعد توقف الضربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية لإيران، سيظهر علي خامنئي على شاشة التلفزيون متأنقا ومتوضئا، وسيصلي ركعتين حمدا لله أمام الجمهور، وسيقول لقد صمدنا وانتصرنا، وما زلنا متمسكين ببرنامجنا النووي، وستهتف الجموع مؤيدة كلامه، ومصرة على إتمام البرنامج النووي، وسيزداد حقدها وحقد الشعوب الإسلامية على السياسة الأمريكية، وسيتفاقم، وستكون السياسة الخارجية الأمريكية قد عمقت عزلتها في العالم الإسلامي، وتخبطها في منطقتنا.. الضربة العسكرية لإيران قد يكون محكوم عليها بالفشل سلفا، لذلك، فإنهم يهددون ويلوحون بها، ويترددون في الإقدام عليها. قصف المفاعل النووي السوري، وقبله نظيره العراقي، تم من دون تهديد أو تلويح، بل في سرية تامة، لأن نتيجة القصف كانت في الحالتين مضمونة..’ كاتب وصحافي من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية