الانشقاق بين اكبر واهم فصيلين فلسطينيين فتح وحماس كان مؤلما ومحزنا، بل محبطا لكل العرب والمسلمين، وكذلك للمتعاطفين مع القضية الفلسطينية، فمن نافلة القول ان ذلك الانشقاق كان اكبر هدية قدمت للكيان الصهيوني الغاصب، وأشد لطمة وجهت للقضية داخليا وخارجيا بيد ابنائها، ولهذا دغدغ التوقيع على اتفاق المصالحة الآمال بعودة الأمور لوضعها الطبيعي ومسارها المنطقي بين أبناء القضية الواحدة.’
توقيع اتفاقية مصالحة اخيراً يعتبر تكفيرا لخطيئة ارتكباها معا بحق القضية، بصرف النظر عمن هو المصيب ومن المخطئ، فما كان لهما من باب المسؤولية التاريخية والوطنية ان يعطيا ظهريهما للعدو ويلتفتا لبعضهما بعضا لتصفية حسابات تدفع من رصيد القضية. صحيح ان الاتفاق تأخر كثيرا، الا ان إتمامه في نهاية الامر يعتبر تحديا جديا لمصداقية الدوافع، خاصة من قبل الرئيس عباس، فالاتفاق كان تم التوافق على بنوده منذ مدة طويلة، ولكن تأخر تطبيقه والالتزام به، لاعتقاد الرئيس عباس وفريقه انه يمكن إنجاز اتفاقية سلام مع نتنياهو بمباركة أمريكية، كان احد اهم شروطها ابعاد قوى المقاومة ممثلة في حماس، لكنه حين وجد ان ما هو معروض عليه تصفية القضية لا حلها، لم يجد بدا من السير في الاتجاه الاخر وهو توقيع المصالحة.’
‘السؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل الرئيس عباس وفريقه جنحا للتوقيع كتكتيك سياسي أم عن قناعة بان المصالحة ولم الشمل الوطني موقف استراتيجي لابد منه بعد تكشف ان الانشقاق مثل خطيئة لا تغتفر في حق القضية..؟ ‘ ‘
الأيام وحدها هي التي ستحدد الإجابة، فصمود الاتفاق سوف يحدده توافق نهجي التفاوض دون خيار المقاومة كما تؤمن به فتح، والمقاومة مع خيار تفاوض مشروط بالحقوق كما تراه حماس، والفرق بينهما حساس قد يؤدي لانهيار الاتفاق، إن لم تتم معالجته بما يجعل من المنهجين القاعدة التي يرفد احدهما الاخر، وهذا هو التحدي الأكبر لاستمرار الاتفاق. توقيع اتفاق المصالحة خصوصا من طرف الرئيس عباس ليس الحل السحري للمأزق الذي وجد نفسه فيه من تفاوض عبثي مع عدو راهن على الانشقاق، بل في تحويله لشراكة وطنية صلبة وحقيقية تكون قادرة على مواجهة ردات فعل العدو والولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك بعض الأطراف العربية، فقد عبرت الاولى عنها بسرعة، متهمة السلطة بالتخلي عن خيار سلام وهمي، وصمتت الثانية المذهولة بإتمامه بدون موافقتها وتجاوز موقفها السلبي من خيار المقاومة، بعد إقرارها بان السلام كيفما اتفق خيار استراتيجي، وهذا يتطلب أخذ العبرة من التجربة السابقة حين فازت حماس بالانتخابات التشريعية وشكلت حكومة امتنعت السلطة، خاصة فتح عن المشاركة فيها، وهو ما وضع اول بذور الانشقاق بجعل حماس وحيدة بدون غطاء وطني، وهو ما أتاح الفرص لتدخلات خارجية أغرت السلطة بؤاد نتائج ديمقراطية لو استمرت بتلاحم وطني لحققت وضعا افضل بكثير مما هو عليه الان.
بعد توقيع الاتفاق على الفلسطينيين النظر للإمام وليس الخلف، ومواجهة ردات فعل القوى الاخرى التي راهنت على اضعاف موقفهم بالانشقاق، بالثبات عليه وفرضه كخيار وطني لا تراجع عنه، فما خسروه بالانشقاق أفدح من معاناتهم بعد الاتفاق، فالانشقاق اوهنهم بينما الاتفاق يقويهم، فضلا عن كونه يعيد تصحيح مسار القضية بعد ما تعرضــــت لانحرافات خطيرة اثرت عليها بتنازعهم غير المبرر.’
كاتب سعودي