في مجموعة شذرات ‘ليلة اكتمال الذئب’ لمهند العزب يشتغل الكاتب كثيرا على تفكيك صورة الذئب المتوارثة بالفكر الإنساني المعرفي والتاريخي من خلال التناص الديني والأدبي.
و من خلال أنسنة غير المؤنسن كأنسنة الثنائيات الضدية الذئب/ الحمل في كثير من القصص، وقلب البديهيات والمسلمات مرة، تجميل القبيح، وتقبيح الجميل مرة أخرى، أو من خلال اللعب في الصور النمطية المألوفة بالتاريخ الإنساني، والتسليم بها مرة أخرى، انطلاقا من منهج نيتشوي يعتمد على التشكيك، فيما يقال، وما توارث وتأخذ به سردياتنا دوما من دون تحقيق. الذئب، وفق الرؤية المطروحة في المجموعة، ليس مصدر خوف للبشرية دوما، من خلال حواره مع نصوص سابقة، كالنص القرآني متمثلا بسورة يوسف، والفيلم السينمائي ‘الرقص مع الذئاب’، وعديد من الصور المتوارثة في الأدب العالمي والعربي.
فالقاص هنا يقدم خلاصة فلسفية عميقة، تذكرنا برؤية قاسم حداد حول الذئب في إحدى مجموعاته الشعرية تفيد بأن الذئب الذي شوهت صورته منذ الخليقة هو أكثر إنسانية من إنسانيتكم بل فاق بإنسانيته صفات نبلائكم، وهنا تترسخ بقوة روح المفارقة في النصوص على مستوى الفكرة الإنسانية العميقة، فصورة الذئب الأسطورية السابقة، تفكك بصورة غير مباشرة ومن خلال آلية التناص العكسي مع الصور المتوارثة في المخيال الشعبي والمدونة بالإرث الأدبي، ولا سيما أشهر القصص (ليلى والذئب) التي اشتغل عليها حداد في قصيدته و العزب في مجموعته هنا في عدة نماذج كالنص التالي:
‘الذئب جريح بالعتمة، وراما تقرأ بعيدا في المدن المزدحمة قصة ليلى والذئب’.’
ولو نقارن بين مجمل دلالات صورة ذئب حداد والعزب، لوجدنا تشابها بينهما، على سبيل المثال بأن الذئب الذي نعتوه بـ. وبـ… وبـ… هو كائن مسالم ودود وفي، لا يعرف الحقد والغل، ولا ينتقم ممن وجه له السهم ليقتله، فهو في تصور الشاعر وفي منظوره: (بهي الطلعة، نشيط السمت، طيب الريح)، اختبره الشاعر في هذه الرحلة الأسطورية، فعرف انه وحش فيه من قيم الإنسانية و النبل والجمال ما يعري رداءة الإنسان، ووحشيته الحقيقية التي تمثلت في قصيدة يوسف، وأخوته، ولنتذكر والشيء بالشيء يذكر قصيدة درويش ‘أنا يوسف يا أبي’، كما ان الشاعر بصوره التفكيكيه للصفات التي رسختها الثقافة العالمية للذئب، وسارد مجموعة ‘ليلة اكتمال الذئب’ للعزب يتناصان مع الفيلم الأمريكي العالمي (الرقص مع الذئاب) الذي قدم تمثيلا صادقا للمغلوط والتصويرات المشوهة في الثقافة الإنسانية، التي كان أحد أبطالها الهنود الحمر في امريكا، فأثبتت التجربة وحدها من خلال تعايش الضابط الأمريكي معهم إن حقيقتهم عكس ما يحاك حولهم، فهم إذا شُبِهوا بمخيلة الشعب الأميركي بالذئاب، فإن هذه صورة مغلوطة وغير حقيقية، وكانت أحداث قصة الفيلم مسيرة لكشف هذا العالم الحقيقي لما تم تمثيله بالثقافة الشعبية بصور بسلبية كاملة. فالذئب، قد يكون مظلوما شوهت صورته من قبل هذا التمثيل الإنساني المزيف له. كما ان الذئب هنا من خلال سردية أخرى، متوارثة دينيا، يقدم حكايته المختلفة والمغايرة للمألوف والمشاع. فلو أمسكنا بصورة الذئب بالقصص الديني، لنذهب إلى قصة أبناء يعقوب، من ألقوا أخاهم بالبئر، واتهموا به الذئب، كما في سورة ‘يوسف’ في الآيتين (”و”) ‘وتركنا يوسف عند متاعنا، فأكله الذئب’ وفي الآية التي تليها ‘ وجاؤوا على قميصه بدم كذب’، من هنا نجد ان الذئب بريء من هذا الذنب، والدم، الموشوم بهما افتراء، وقد ألقي عليه الخطأ فرية وظلما كونه مصدر خوف مسيطر على الفكر الإنساني منذ الأزل . إذن، في مجموعة شذرات العزب أصبح الذئب هنا أيقونة قابلة للتحول الدلالي الإيجابي والسلبي حسب الظرف والمناسبة والسياق. أيضا من خلال التناص التاريخي والديني مع حادثة إنسانية دينية يصور مهند العزب ان البئر بوصفه محفزا للفساد، وللنفس الإنسانية لأنه وسيط يساعد الإنسان في ردم خطيئته وشر نفسه، لذلك نجدهم وبوعي إنساني أكبر يريدون ردم هذا البئر ردما للخطيئة الإنسانية القابعة في بئر الرغبات الإنسانية الوحشية والجشعة، كقوله’
‘يا أبت اتركنا نردم ذاك البئر إنا نخاف شر أنفسنا’، ويفسر هذا في نص آخر بقوله: ‘لن نرتوي أبدأ ما دام العطش موجودا’.
ولنعود لدلالة الذئب في مجموعة العزب، وتحولاتها بين القيم الإيجابية والسلبية:’
‘يتسلى الذئب ببهرجة اللغة حين يصفون الدم’.
‘الذئب هنا يتحول إلى الدلالة النمطية له القارة في العرف الاجتماعي ليدل على صورة القوى والذي يمارس الإجرام بشكل مستمر مثله مثل أي طاغية في هذا الكون، يتسلى عندما يمارس الآخرون اللغة بإنشائية تامة عند وصف الدم الذي اقترفه هو.
وفي صورة أخرى: ‘الذئب ليس قناعا، ولكنه حقيقة الأقنعة’.’يرى ان الذئب هو حقيقة الاقنعة البشرية عندما تتساقط، فليس هناك ذئب يكشف عن قناعه وحقيقته منذ البداية، بل إنه يحاول التذرع بشعارات إنسانية، ويبحث عن مسوغات للدخول في عالم الآخر، ومن ثم يفتك بالآخر لتتضح حقيقته، ولنتصور ان كل أشكال افتراس الآخر ماديا ومعنويا المتواجدة بيننا أقنعة حقيقتها الواحدة رمزية الذئب’.’
‘يتحول بشذرة أخرى إلى حمل الدلالة الجمالية الأخلاقية:
‘وحده الذئب لا يلوث ذكرى ضحاياه’.
من الملاحظ إن الذئب هو رمز متعدد لدلالات عدة جوهرها سردية الشر والقمع فزاوية الرؤية هنا تعرض من خلال وجهة نظر المجرم والقاتل وليس من وجهة نظر الضحية دوما، فالمتعارف عليه ان الضحية هي من تسرد صور عذاباتها المتعددة، والقاتل والمجرم هو فاعل لا يسرد فعل اجرامه، ولكن ذئب مهند العزب، شريف عند المنازلة لا يلوث ذكرى ضحاياه، فالمسكوت عنه بالنص هنا إن المجرمون الحقيقيون في هذا العالم يشوهون ذكرى ضحاياهم من أجل أن يبدوا أقل وحشية وأكثر إنسانية.
وتعزز هذه القيم الجمالية والإنسانية بالذئب من خلال عملية الأنسنة هنا: ‘لا ينسحب الذئب أبدا، ربما لذلك تنتصر الثعالب أحيانا’. يذهب السارد إلى رمز آخر وهو الثعلب بمكره وخداعه للآخر، فالذئب واضح وقار بالعرف الإنساني بشره، بينما الثعالب التي تحسن الكر والفر هي المنتصرة أحيانا لأنها تعتمد عدم الوضوح والمكر والمخادعة، وكأنه هنا يسجل للذئب فضيلة أخرى هي الشجاعة والإقدام كفضائل أصبحت نادرة في زمن رمادي موارب.
لنلاحظ لغة السارد في تصوير هذا الذئب الناتجة عن أفعاله: بكى، تمنى جريح، جريح، إذ جميعها تؤنسنه أولا، وتعكس ضعفه كنقيض لقوته المتعارف عليها بالحكاية المهيمنة:
‘ ضحك الذئب عندما فهم لعبة الغابة، وبكى عندما أتقنها’.
في مجموعة هذه الشذرات أو التوقيعات، قدم الكاتب تكثيفا لغويا شديدا، بجمل قصيرة تعمق إحساسنا بالأضداد والمتناقضات في هذه الحياة بين الخير والشر، الذئب والحمل، اللغة ورتوشها، الحقيقة والادعاء، شرور الخارج متمثلة في الطبيعة الخارجية، الذئب، الحمل، الثعلب، البئر، وشرور في داخل النفس البشرية. وقلب التصورات المألوفة إلى حالة من الانحراف عن المألوف الذئب بوصفه مظلوما مما تحمله خلال التاريخ البشري من تزييف، فالحمل الوديع هو أيضا مصدر لممارسة الشر، الذئب من خلال الاستعارة كان صورة للإنسان الشر، والحمل أيضا للإنسان المدعي الخير وهو خلاف ذلك. ولكن رغم جمال شذرات المجموعة يبقى سؤال مهم حول عدم جدة ما تطرحه حول الذئب والكثير من الرموز مثلما ذكرنا في الأعلى من تشابه بالرؤى بين قاسم حداد والعزب في المجموعة، فالأصالة في المجموعة، إن كانت تسمى أصالة، تكمن هنا في التوسيع وتناسل صور الذئب، بينما الرؤية العامة شبه ثابتة. قد تكون الأزمة الحقيقية هي انتفاء الأصالة كما يقرر رولان بارت في تكرار بنية الأشياء من حولنا بقوله: ‘لا يوجد نص جديد وأنه ليس هناك أصل أصيل فما نتوهمه أصلا ما هو إلا هجنة..’.
ختاما نقول من خلال التجريد والتكثيف والدهشة قدم لنا القاص مجموعة من الومضات/ الشذرات التي تحرك فينا أسئلة الوعي، والتي لا تأخذ من وقتنا الكثير لقراءتها، ولكنها تأخذ منا الكثير للتعرف على مضامينها المعرفية والجمالية الكبرى وتسهم في دفع مسار وعينا للوجود بنحو أفضل.
*ناقدة وكاتبة كويتية