من الكتب الجيدة، التي أعتبرها كنوزا، ويتملكني الفضول لقراءتها دائما، تلك التي أحس بأنها تحمل داخلها المعرفة، أو ربما تمنحني إحساسا جديدا منعشا، يطغى على إحساس روتين القراءة والكتابة. ولذلك أحب كتب التاريخ وأسعى لامتلاكها وقراءتها متى ما عثرت على وقت، أحب السير الذاتية، تلك التي كتبت عن أشخاص معروفين أو غير معروفين، أو أوطان أو تحدثت عن زمن ما لم أعشه، ولا أستطيع تخيله بلا مساعدة، ولطالما أعجبتني على سبيل المثال معظم الروايات التي تحدثت عن الحرب العالمية الثانية، وأحسست بأنها كانت أصدق في تجلياتها من الوثائق الرسمية لتلك الحرب.
من ذلك المنطلق، غرقت في كتاب بجعات برية للمؤلفة الصينية: شونج شانج، الذي صدر مترجما في عدة طبعات عن دار الساقي: بيروت، وكتب على غلافه: إنه دراما الصين العظيمة. وكان عبارة عن سيرة ملحمية لحياة ثلاث نساء صينيات، عشن بالطبع في عصور مختلفة، هن: جدة الكاتبة وأمها وهي شخصيا، مكتوبا بنفس روائي شيق، جذاب لا يخلو من الطرافة في كثير من صفحاته، والسعي لشد القارئ للغوص فيه برغم ضخامة حجمه.
على أن تلك السيرة الطويلة، لم تكن سيرة شخصية بحتة كما يمكن أن يتصور البعض ولكن زخما حكائيا يتحدث عن الصين حين كانت في قبضة الشيوعيين، عن الحكم الصينية والأمثال المتداولة، والمجتمع بخيره وشره، عن الحروب والمنازعات والجوع والشبع، وكيف كانت المرأة تحيا في ذلك المجتمع الغريب، أقصى طموحها أن تصبح جارية لأحد الأعيان، وتربط قدميها وتشد منذ الصغر، حتى لا تنموان، لأن صغر القدم إحدى مواصفات الجمال الهامة. وكيف أن الكلام في شؤون الحب بين العشاق، كان يستلزم إذا من السلطة، بكتاب رسمي.
كذلك كيف كان يتصرف الآباء بالتقرب للأعيان، من أجل أن تحظى بناتهم بشرف أن يصبحن جاريات، وبالنسبة للرجل، فإنه يزداد هيبة، ويزاد احترام المجتمع له، كلما كثر عدد جارياته.
مثل هذا النوع من الأعمال، في رأيي، ضروري جدا لا لإشباع لهفة القراءة فقط، بل وأيضا لإشباع جوع المعرفة نحو حضارات نعرفها سطحيا ولا نعرف عنها الكثير في الواقع، وأردد أن الروايات هي التي تدخلنا تلك العوالم بسهولة لأنها تكتب بطريقة أدبية مشجعة على القراءة. وقد كنا نحيا داخل وهم التحرر والعدل والمساواة الذي ساد عالمنا في فترة من الفترات حين كانت المذاهب الاشتراكية موضة يتبعها الكثيرون وإلى أن انهار ذلك الوهم بسقوط الاتحاد السوفيتي أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وتلته عدد من الدول التابعة، والآن الصين نفسها نعرف جميعا، أنها تخلت عن حدة الطبع القديمة، وباتت دولة عصرية لها بصمات سياسية، وتجارية واقتصادية هامة، ولها سلع تتوغل في عمق المحيط التجاري لكل دول العالم، لدرجة أن الهواء الذي نتنفسه، يوشك أن يصبح صينيا هو الآخر..
هذا ما أسميه: .
أن تكتب عن عالمك المجهول للآخرين بكل ما يحويه من حلو ومر، ولا تجمل صورته لأحد، أن تفتح باب بيتك المغلق للراغبين في الدخول، تبقيهم لديك ساعات أو أياما، وحين يخرجون يلمون بكل شيء. ودائما ما تأسرني كما قلت مثل هذه الروايات أو السير المكتوبة بحبر الروايات الرشيق، لأنها تتماشى مع هذا المبدأ.
الأمر الظاهر هنا، أي في بجعات برية، هو حكاية الجدة التي أصبحت بسبب طمع الأب، جارية غير مسموح لها بالحياة الطبيعية، لجنرال متعدد الجواري، وأنجبت منه فتاة، وفرت حتى تحتفظ بالفتاة بعيدا عن زوجة الجنرال الوحيدة، لأن العرف يقضي بأن تعيش الفتاة لدى الزوجة، بعيدا عن أمها الجارية. ثم حكاية الإبنة التي عاشت في زمن ماو تسي تونج الصعب، حين كانت الصين سجنا محروسا بالمبادئ العقيمة، والحفيدة التي تعيش الآن وتكتب بجعاتها البرية، ولكن الأمر غير الظاهر بالتأكيد، هو حكاية بلاد بعيدة، وحضارة تغيرت عشرات المرات، وتعثرت وقامت، لتصبح حضارة ذات مغزى وبصمات خالدة في النهاية.
وإذا كان كتاب: بجعات برية، قد ترجم لعشرات اللغات، وقرأه الملايين حول العالم، كما ذكر عنه، فأنا لا أستغرب ذلك قطعا، فالكل يود أن يعرف شيئا عن تاريخ الصين لا من كتب التاريخ المتعددة والمتشعبة ولكن من خلال سيرة أو رواية، لأن الكتابة الإبداعية في رأيي، بما فيها من بهارات، ولغة أدبية متميزة، وبعض الخيال الضروري لشحن الكتابة، يمكنها أن تشد القارئ أكثر، وتغرسه في سكة القراءة. وأنا شخصيا أميل إلى أن كتاب البجعات، كان في أغلبه بحثا وإعادة صياغة راقية للحقائق، ولا أظنه رواية، أي خيال صرف، ولكن ربما طعم ببعض الخيال.
في عالمنا العربي، كثير من هذه الكتب التي تحمل في ظاهرها الحكاية، وفي باطنها المعرفة، وما كتبه العظيم نجيب محفوظ، كان أبوابا تم فتحها على الحارة المصرية، في زمن ما لتنقل لنا معرفة كبيرة، كذلك كتابات يحي حقي وتوفيق الحكيم عن الريف المصري، وآخرين تحدثوا عن بلدانهم بكل صدق، ورسخوا مفاهيم كتابية راقية، ثم أتت الأجيال الجديدة من الكتاب، لتضيف المتغيرات التي حدثت في تلك الأوطان. ولعل روايات الطيب صالح التي كتبها عن ريف شمال السودان، مثل عرس الزين، برغم صغر حجمها، هي روايات الاكتشاف الأولى، التي ولج عبرها القارئ الغريب إلى السودان عامة، وريفه خاصة، وهناك بالطبع كثيرون، ربما أتعرض لنتاجهم ذات يوم.
إذن لنقرأ جميعا المعرفة الكامنة في كتب الحكايات والسيرة الشخصية لأصحابها مثل كتاب بجعات برية وغيرها من الكتابات العظيمة.
‘ كاتب سوداني