التأثيرات البينية والإقليمية لثورات الربيع العربي

حجم الخط
0

لم يكن يخطر ببال الشعوب التي قامت بثورات الربيع العربي بأن مآلات تلك التحولات بعد عقود من الاستبداد والحكم الشمولي والفساد هو تـــداعي الأمور على النحو الذي آلت إليه الأوضاع في تلك البلدان، التي تنزلق في الفوضى، بل ان بعضها على حافة الحرب الأهلية او تكاد، كل هذا مقرون بغياب الدولة وظهــــور جمـــــلة من التناقضات، ومتزامن مع اختلال لافت في النظام الإقليمي برمته، ولا نجد أي بلد من تلك البلدان قد استقرت فيه الأحوال وتحول إلى تنفيذ طموحات الشعوب التي ترنو للاستقرار وإرساء قواعد وأسس أنظمة تترجم طموحاتها في العيش تحت ظل دول مدنية تحتكم لمؤسسات دستورية قولا وعملا.
وكذا لم يكن احدا يتوقع تداعيات ذلك خارج حدود تلك البلدان، بل يتعداه إلى الجوار الإقليمي العربي، فالأوضاع إجمالا نحت منحى سلبيا وخطرا وبوتيرة متسارعة نحو مزيد من التفكك والانقسام الاجتماعي والاستقطاب المذهبي والسياسي بصورة لم يسبق لها مثيل، ويعزى ذلك بداهة لأسباب موضوعية وذاتية وظروف كل واحدة من تلك الدول. فالتحول الذي شهدته مصر بعد حراك لم يدم طويلا أسفر عن حكومة ما سمي بتيار الإسلام السياسي، الذي لم يصمد بدوره أكثر من عام، وهو الأمر نفسه في بلدان عربية شهدت مخاضا وارتدادات لتلك الثورة، ابتداء من تونس وانتهاء باليمن.
فالاوضاع في ليبيا، على سبيل المثال، لا تزال تراوح بين تطلعات وطموحات إرساء أسس دولة نظام وقانون وبين واقع مؤلم ودولة مهددة بالتقسيم، الذي قد يفصل الشرق الليبي عن غربه، ويدخل في ذلك تنامي النزعات الجهوية والقومية، تماما كما حصل ويحصل في اليمن، الذي اتجه اهتمام بعض النخب المتحاورة فيه لما يقارب العام، إلى تطلعات فيدرالية تغذيها نزعات جهوية في خضم تنامي النزاعات المذهبية من جهة، وبين الإسلاميين وخصومهم من جهة أخرى، وليس هناك اشكال في تحول تلك البلدان لفيدراليات، ولكن الشكوك في تطبيقها في ظل حالة الفوضى، كل ذلك في سياق انقسام سياسي واستقطاب بين مراكز القوى المتحكمة في المشهد السياسي اليمني سابقا ولاحقا، إذ من المفارقات إنها في الأغلب نفسها التي تحكمت بتفاصيل الحياة السياسية لعقود، وهي نفسها المتحالفة بالأمس المختلفة والمتناحرة اليوم. في حين لم يكن هذا المشهد حاضرا في كل بلدان ما عرف بالربيع العربي، وهو ما ميز الربيع العربي في نسخته اليمنية.
واللافت أن ما جرى في كل بلد من بلدان الثورات كانت له تداعيات وتأثير حتمي على دول مجاورة، بل على موازين القوى التي تبدلت بسقوط نظام ومجيء آخر، فتغير النظام في ليبيا كانت له تأثيرات أمنية في بلدان الجوار، فسقوط مبارك في مصر مثلا كان بمثابة نكسة وخسارة إستراتيجية لإسرائيل، وفي المقابل فان سقوط الإخوان كان دليل فشل سياسة تركيا في المنطقة، تركيا التي زعمت منذ سنوات بأن خطتها في السياسة الخارجية هي (صفر مشاكل)، الا ان ذلك لم يحدث قط على ارض الواقع، فعلاقتها توترت مع دول الجوار، العراق وسوريا وإيران ايضا، رغم محاولتها ترميم ما أفسده الدهر مع تلك البلدان، ولاسيما ايران، بل ان المشاكل لحقت قادة تركيا في عقر دارهم بإثارة حفيظة الأقلية العلوية فيها ضد حكومة اردوغان. كما أن الثورة المتعثرة في سوريا ألقت بظلالها على الوضع في لبنان برمته، امنيا وسياسيا واقتصاديا، فلبنان الأكثر تأثرا من بقية دول الإقليم بما يحدث في جارته سوريا، فهو في تداخل اقتصادي وتأثير سياسي وتمازج في النسيج الاجتماعي منذ نشأته، وقد عانى نحو ثلاثين عاما من بقاء الجيش السوري على أراضيه، اي ما يعادل نصف مدة عمر هذا البلد منذ استقلاله. ومن هنا فليس مستغربا المقولة التي تقول عندما تصاب سوريا بالزكام تعطس لبنان، وها هي حمى الصراع في جارته سوريا تنقل النيران الملتهبة اليه، وتزداد من هموم وانقسامات البيت اللبناني بصورة لم يسبق لها مثيل. لقد اتسم تاريخ لبنان الحديث في العقود الأخيرة بسمة التأثر المتبادل بما يجرى في دول الإقليم، لدرجة اعتباره ساحة لتصفية الحسابات والصراعات بين قوى إقليمية، ومما ساعد على ذلك لاشك بنيته الاجتماعية المتكونة من كيانات سياسية وطوائف مختلفة، فكان يعاني من تلك الإشكالات حتى قبل اندلاع الثورة السورية مطلع عام 2011، ولكن من جهة أخرى يعتبر البعض ضعف لبنان عاملا ميزه في بعض الاحيان بل منحه قوة، حيث قيل ان قوة لبنان في ضعفه، تماما مثل سويسرا التي نهجت الاسلوب الحيادي في علاقاتها الدولية، وهو خيار منطقي في خضم الصراعات الدولية.
صحيح ان لبنان عرف في بعض مراحله كنموذج للتعايش السلمي بين مكوناته، وكانت سوريا تعتبر بيضة القبان لفرض تلك الحالة السلمية، إلا انه بعد الأزمة أصبحت قبضة سوريا ضعيفة، ليس على لبنان بل على أمنها القومي داخل حدودها، فلم تستطيع ضبط الحدود مع جيرانها في الشرق والغرب على حد سواء.
وتشير التطورات الى أن حلفاء سوريا في لبنان لن يسمحوا بقلب المعادلة، لان السيد نصر الله نفسه يعتبرها معركة مصير، وهي الرؤية الإيرانية أيضا ومن ورائهما روسيا، فسقوط الأسد يُعتبر نصرا لإسرائيل لاشك، وما بقاؤه بسكوت ورضى غربي واسرائيلي، سواء كان تكتيكا مرحليا فقط لضمان إبادة كافة الأسلحة الكيماوية التي تشكل خطرا على أمن إسرائيل، او لاعتبارات إستراتيجية أخرى في نظر الغرب واسرائيل على حد سواء. فالمسألة فقط مسألة وقت تماما مثلما سمحت أمريكا والغرب ببقاء صدام لسنوات بعد خروجه من الكويت.
انها لعبة الأمم ودولة الشام ودولة العراق هما قلب صراع تلك الأمم ومحورها، فلم تقتصر تداعيات الأزمة السورية على لبنان ديموغرافيا، بحيث شكل السوريون ربع السكان فيها، بل ان الأردن هو الآخر تجرع صعوبات مماثله بنزوح أكثر من نصف مليون مهاجر وأثر في الاقتصاد الأردني القليل الموارد أصلا.. وهو الأمر نفسه في العراق الذي اثر وتأثر بجواره، فغدت الحدود بين البلدين (سوريا والعراق) ساحة للمقاتلين ممن يطلقون على انفسهم تسمية داعش (أي دولة العراق والشام الإسلامية). فالإسلاميون يرسمون ملامح المشهد السياسي في كلا البلدين، فهناك تنظيمات متشابهة ومتداخلة وبعضها متنافرة، بالنظر للاعتبارات المذهبية والقومية بين البلدين، وأصبحت الحدود شبه الصحراوية بين كل من العراق وسوريا مرتعا للإرهاب المتبادل بين جماعات مسلحة تختلف مع حكومتي بغداد ودمشق. وكما ان تركيا عنصر مشترك في مشاكل العراق وسوريا فان إيران هي الأخرى أكثر تأثيرا في أزمتي هذين البلدين وبصورة حادة، فالامر يتعلق بإستراتيجيتها في المنطقة عموما، ولاسيما لبنان. وسوريا تعتبر بوابة للتأثير الإيراني في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بل ان إيران تتفوق على تركيا في مراكز النفوذ في بؤر أخرى في المنطقة كالبحرين واليمن، منافسة في ذلك دول الإقليم السعودية وتركيا تحديدا!
واجمالا فكل تلك الفوضى الارتدادية في بلدان الثورات التي عاقت وصول حكومة مركزية قوية في تلك الدول يعزى لجملة تناقضات ومداخــــلات وتقاطعات في النظام الاقليمي العربي برمته، لعل اهمها تداعـــــيات احداث الصيف الماضي في مصر والاطاحة بحكومة الإخوان فيها، التي أثرت في سياسات عدد من البلدان العربية والأقليمية، ولو بنسب متفاوتة.
فعلى سبيل المثال حركة النهضة في تونس تراجعت عن تصلبها وتشددها بقبول الآخر ضمن خارطة الأحزاب في تونس فتوسعت الترويكا لتضم أطرافا أخرى في صناعة القرار ويعزى ذلك لطبيعة الأحزاب الإسلامية في المغرب العربي عموما التي تميزت بالمرونة بالنظر لمشاربها الثقافية العقلانية وتأثرها بالغرب، فالغنوشي على سبيل المثال قضى ردحا من الزمن في بريطانيا، ناهيك عن عدم وجود استقطاب مذهبي في بلدان المغرب كما هو سائد في المشرق العربي .
كما ان من ضمن تداعيات تلك الثورات ضعف الدولة المركزية وعدم تمكنها من السيطرة والضبط للحدود الجغرافيا، فسلاح الميليشيات القبلية في ليبيا انتشر لخارج أراضيها في دول الجوار كمصر وتونس والجزائر ومالي، وهو الأمر نفسه في العراق ومنذ أكثر من عقد من الزمن بعد سقوط بغداد المدوي، انتشر السلاح بين ميليشيات مذهبية إلى خارج حدودها أيضا وتحديدا إلى سوريا التي تشهد صراعا دمويا منذ أكثر من ثلاث سنوات. واليمن هو الآخر لم يخرج عن هذه القاعدة، فاستمرار التعثر السياسي والفوضى قد يقود لانتشار السلاح خارج حدوده البحرية او البرية، سواء الى دول القرن الإفريقي او الى جيران اليمن من البلدان العربية.
انها الفوضى الخلاقة التي بشرت وتنبأت بها الإدارة الأمريكية منذ سنوات، وها هي قد غدت أمراً واقعا لا مناص منه، وهو الأمر الذي يؤكد فرضية المؤامرة لتطويع مسار تلك الثورات على النحو الذي آلت اليه، بصيغة او بأخرى على دول المنطقة من قوى إقليمية ودولية.

‘ كاتب يمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية